دفاعًا عن الملل

الإثنين 30 آذار 2020
رسم لـ Gunseli S.

أكتب هذه التدوينة في اليوم التاسع من الحجر المنزلي بعد تفعيل قانون الدفاع في الأردن وفرض حظر التجول في البلاد لأكثر من أسبوع؛ إجراءٌ جاء لمنع تفشي فيروس الكورونا. وبما أن لدينا العديد من وسائل التواصل فمن غير المفاجئ أن يسود نَفسٌ يعبّر عن الملل بشكل متكررٍ في المكالمات الهاتفية مع الأهل والأصدقاء، وتبرّم واضح ممن لديهم أطفال محصورون في المنازل، وكثير من التندّر والنكات ومقاطع الفيديو الساخرة التي تصور بكوميديا ما يفعل الملل بأهله. لكن هل الأوقات التي نمر بها تسبب هذا القدر من الملل فعلًا، وهل هو شعور لا مفر منه؟

نصادف بين الحين والآخر رسائل تحفيزية واقتباسات يشاركها المتحمسون والمقبلون على الحياة على غرار: «لا يشعر بالملل إلا الأشخاص المملون»، وقد يتطرف آخرون على غرار جول رونار الذي يقول: «أنا لا أملّ أبدًا، الشعور بالملل إهانة يوجهها المرء لذاته». المتواجدون في هذا المعسكر يوجهون دعوات متفائلة للعالم ويرون الحجر المنزلي فرصة لتعلّم لغة جديدة أو تعلم العزف على آلة موسيقية، واكتساب المهارات من خلال الدورات المتاحة على الإنترنت. يرون أن هذا هو الوقت المناسب لعمل كل المشاريع المؤجلة كقراءة الكتب، وترتيب الخزائن، وتجربة وصفات الطبخ جديدة، وممارسة الرياضة في المنزل وغيرها. هل علينا أن نشعر بالتقصير لأننا لا نمتلك نفس الدافعية للقيام بكل تلك الأنشطة المقترحة، هل السبب أننا أشخاص مملون؟

في دراسة له، يدحض الباحث الكندي جون إيستوود، الاعتقاد السائد بأن «الأشخاص المملين هم من يصابون بالملل». فهو يوضح أن هناك نوعين من الشخصيات التي تصاب بالملل، وكلتاهما لا تعود لأشخاص مُضجرين بالضرورة. النوع الأول من الناس يكون لديه عقلية مندفعة تبحث عن التجارب الجديدة باستمرار، ولأن العالم ليس مدينة ملاهٍ كبيرة مليئة بالتشويق فهو بالنسبة لهم قليل الإثارة بشكل مستعصٍ. أمّا النوع الثاني فيعاني من مشكلة معاكسة، فالعالم بالنسبة لهم مكان مخيف، ولذلك يتجنبون الخروج من منطقة الراحة، وحساسيتهم العالية للألم تدفعهم للانسحاب وعدم خوض تجارب جديدة. لكن ذلك لا يشعرهم بالرضى أو الراحة، لأن الضجر والركود هو من يكتسح حياتهم. وقياسًا على الوضع الراهن، يمكن القول إن توجهات كلا النوعين من الشخصيات -الاندفاعية والمتخوّفة- تعزّزت في موجة الرعب الحالية من فيروس كورونا وما فعله في العالم على مدى الأسابيع القليلة الماضية. محبو المغامرة والإثارة محبوسون في المنازل، بالتزامن مع المحجورين الخائفين من العالم الخارجي وأخطاره المحدقة. 

نرى في المقابل أشخاصًا أكثر «تصالحًا» مع الملل، يقلّبون في هواتفهم الذكية ويمضون في إيقاع حياة بطيء بانتظار أن تمر هذه الأزمة على خير؛ ملل مكتومٌ بالانتظار. يذكرنا هذا النوع بكتاب أنيس منصور «وداعًا أيها الملل». على خلاف ما قد يوحي به العنوان للبعض، لم يقدم منصور في الكتاب حلولًا واقتراحات عن كيفية التخلص من الملل، وإنما جمع فيه مقالات فلسفية عن الملل كحالة شعورية يمكن التصالح معها وتأثيرها على الكتّاب والمفكرين. استغرق في تفنيد الشعور حتى أن كثيرين وصفوا الكتاب بأنه «أكثر أعمال أنيس منصور مللًا».

الملل رفاهية

لم يكن الشعور بالملل خيارًا مطروحًا لدى مجتمعات عديدة في عصور ماضية، حيث كان تركيز الناس منصبًا في تلك الأزمنة على البقاء، والجهود مبذولة لتلبية الحاجات الأساسية من المأكل والمأوى، فلم يكن لديهم الوقت ليملّوا. هذا ما يقدّمه بيتر توهي في كتابه «الملل: تاريخ حي»، موضحًا: «الملل شعور مرتبطٌ عادة بالأجساد المتخمة، ولا يشعر به أولئك الذين يواجهون الجوع». 

«الملل مختلف هذه الأيام»، كما يقول سيمون راينولد في أحد كتبه، «فهو مرتبطٌ بالتشتت والتخمة والتململ. عندما أشعر بالملل فإن ذلك لا يكون بسبب قلة الخيارات المتاحة، فهناك آلاف القنوات التلفزيونية على الفضائيات، ومجرة كاملة تُدعى «نتفليكس»، وعدد لا يُحصى من محطات الراديو، وألبومات موسيقية لم يُستمع لها بعد، وأقراص مدمجة لم تُشاهد، وكتب كثيرة لم تُقرأ، هذا غير الأرشيف الشبيه بالمتاهة والمتاح على يوتيوب. ملل اليوم ليس جوعًا، ولا حرمانًا، بل هو فقدان للشهية الثقافية كرد فعل على تلقي كم هائل من الدعوات التي تتنافس على انتباهك ووقتك».تضيف ساندي مان، مؤلفة كتاب «لماذا الملل جيد» مؤكدة على ما قاله راينولد: «يمتلئ عالمنا بخيارات تسلية وترفيه سريعة الإيقاع و متغيرة ومتجددة باستمرار. من جهة اعتدنا على هذا الإيقاع الصاخب، ومن جهة أخرى أصبح كل ما هو دون ذلك بلا أثر يذكر. إننا مترفون بالتسلية، وحاجاتنا تتزايد باطراد لوسائل ترفيه تشعرنا بالرضا وتلبي توقعاتنا المرتفعة».

تقبل الملل أم الهروب منه؟

يُقال أن لدى الملل الكثير ليعلمنا إياه، فهو -وبشكل بسيط ومجرد- إشارة حقيقية صادرة من أجزاء عميقة في عقولنا تنبّهنا أن هناك خطبًا ما. تَعلّمنا قمع تلك الإشارة منذ أن كنا أطفالًا صغارًا نتململ في غرف صفية كان مطلوبًا منا التزام الهدوء فيها وعدم الحركة لـ45 دقيقة أثناء حصص الرياضيات والاجتماعيات وغيرها من المواد.

كبالغين؛ وصلنا لمراحل لا نتفهّم الملل كشعور، لأنه يتداخل مع الضيق والتشتت وعدم الرغبة في إكمال ما نقوم به. ذلك الشعور الذي يتسلل إلينا بعد الصفحة الخمسين من كتاب مضجر، أو خلال مَهمة تبدو بلا جدوى في العمل، أو في حديث مع أشخاص لا نستمتع بتفاصيل ما يقومون بسرده، أو خلال مشاهدة أفلام نشعر أنها تافهة بعد المشهد الرابع.

التقاط إشارة الملل يعني الوعي بما نفعله بأنفسنا، وأن الحياة أقصر من أن نقضيها في «إكمال ما بدأنا به» إن كنا نرى أنه بلا جدوى ولا يضيف لنا أية قيمة. يقول رالف إيمرسون: «نجد في عقول العباقرة أفكارنا المُهملة». ذلك يعني أن تحولنا لأشخاص اعتياديين لم يكن لأننا لم نستطع أن ننهل من معارف العالم، بل لأننا نتجاهل أفكارنا ونُسكتها ولا نتأملها بالشكل الكافي. العباقرة والمفكرون ومن نعتبرهم لامعين -من هذا المنظور- لم يكونوا استثنائيين أو خارقين للطبيعة، فهم ببساطة سمعوا لأصواتهم الداخلية ولم يكترثوا إذا كانت توافق التيار السائد، حتى وإن بدت أفكارهم غريبة الأطوار أو غير مألوفة. 

الملل حالة شعورية حيادية، ليست إيجابية ولا سلبية، وإذا كان الملل بالفعل إشارة يرسلها حدسنا الداخلي، فإن الالتفات إليه سيساعدنا على فهم أنفسنا بشكل أفضل. من خلاله سنتحقق من نوع الأدب الذي نحبه ونستمتع به دون الاكتراث للجوائز الأدبية وتصنيفات الكتب الأكثر مبيعًا. سنعرف نوع التسلية الذي يثري أوقاتنا، ومن هم الأشخاص الذين نرغب حقًا بالحديث معهم ورؤيتهم. مواجهة تلك المشاعر ستساعدنا على قشر طبقة ميتة تراكمت على حياتنا اليومية، وسيسمح لشخصياتنا الفريدة بالتطور تدريجيًا دون ادعاء أو تكلف.