«الوظيفة لا تناسبك»: ذوو الإعاقة وأبواب سوق العمل الموصدة

الأحد 03 أيار 2020
أشخاص من ذوي الإعاقة الحركية يشاركون باحتجاجات على كراسيهم المتحركة في فرنسا. تصوير جين سباستيان إفرارد. أ ف ب

رغم إتقانها للغتين الإنجليزية والروسية، إضافة إلى العربية، لغتها الأم، وحصولها كذلك على درجة الماجستير في حقوق الإنسان، إلّا أن ليلى نبهان لم تتوفق في العثور على وظيفة. تشكو ليلى من أن أصحاب العمل الذين تطرق أبوابهم يتجاهلون كفاءتها ومهاراتها بسبب معاناتها من شلل دماغي يسبب لها اضطرابات في توازن الجسم، مذ كانت في الخامسة من عمرها.

لا تخفي ليلى ألمها من اضطرارها وهي في الواحدة والثلاثين من عمرها إلى طلب النقود من والديها، رغم تعدّد مهاراتها اللغوية والأكاديمية، ومراكمتها لخبرة في العمل التطوعي مع مؤسسات المجتمع المدني. وتتساءل عن سبب حرمانها من فرصة العمل مثل أي شخص آخر. 

تخرّجت سارة أبو علي من الجامعة عام 2016، ومثل ليلى وجدت أبواب العمل موصدة أمامها. في إحدى المرّات التي وصلت فيها إلى مقابلة العمل، كان رد الشركة بعد أن علمت أن سارة كفيفة «ألغينا مقابلة العمل لأن الوظيفة لا تناسبك». أمام هذا الصدّ الذي واجهته، صممّت الفتاة -البالغة من العمر 26 عامًا- على مساعدة ذوي الإعاقة البصرية عبر تحويل أفكارها لتطبيقات هاتف تساعدهم على قراءة العملات الورقية والتفريق بين الألوان.

التحديات التي تواجهها ليلى وسارة وغيرهما من ذوي الإعاقة تكشف أوجه القصور في ما يعرف بـ «كوتا توظيف ذوي الإعاقة»، التي استحدثها المشرّع الأردني عام 1993، وطوّرها في قانونيْن معدلّيْن عامي 2007 و2017 لإلزام المؤسسات العامّة والخاصة بتوظيفهم.

رغم مرور ربع قرن على استحداثها، فشلت الحكومات المتعاقبة في تطبيق الكوتا المقوننة بسبب ثغرة في قانون الأشخاص ذوي الإعاقة، والذي عُدّل آخر مرّة عام 2017. يعود ذلك أيضًا إلى تضارب في القوانين الناظمة، قصور جولات التفتيش الدورية لموظفي وزارة العمل، ضآلة الغرامات الرادعة وضعف التنسيق بين مؤسسات الدولة بسبب سرعة تغيير الحكومات، حسبما وثّق معدّا هذا التقرير. تفاقِم المشكلة أيضًا الصورة النمطية لذوي الإعاقة وغياب تجهيزات تيسيرية في أماكن العمل وشبكة المواصلات العامّة. 

سارة أبو علي (أعلى/يسار) وليلى نبهان (أسفل/يمين).

ألزم قانون «رعاية المعوقين» لعام 1993 المؤسسات -التي تشغّل خمسين فردًا فأكثر- بألا يقلّ عدد ذوي الإعاقة عن 2% من موظفيها. وفي 2007، حلّ مكان هذا القانون قانونٌ آخر، رفعت فيه النسبة من 2% إلى 4% مع تغيير المسمّى إلى قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. تزامن ذلك مع مصادقة الأردن على الاتفاقية الأممية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وولادة المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة برئاسة الأمير رعد بن زيد. منذ ذلك الوقت، باتت هذه الهيئة مظلّة مؤسّسية وقانونية للأشخاص ذوي الإعاقة بـ«هدف الوصول إلى مجتمع يتمتع فيه ذوو الإعاقة بحياة كريمة مستدامة تحقّق لهم مشاركة فاعلة قائمة على الإنصاف والمساواة». 

في عام 2017، سنّ الأردن قانونًا جديدًا منح بموجبه ذوي الإعاقة فرصة الفوز بـ4% على الأقل من مجمل الشواغر في أي مؤسسة تشغّل أكثر من 50 عاملًا. كما يُلزم هذا القانون جهات العمل بتوفير تجهيزات تيسيرية للأشخاص ذوي الإعاقة مثل ممرّات مناسبة في طوابق أرضية، تغيير مقاسات المكاتب، تعديل مواد التدريب أو تعيين مترجمي إشارة. 

تقدر نسبة الأردنيين من ذوي الإعاقات بـ11.1% من عدد السكان، وفق التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2015. وتنطبق هذه الحال على 651 ألف مواطن. تفيد دراسة تحليلية صدرت عام 2016 عن دائرة الإحصاءات العامة بأن ثلثي ذوي الإعاقة في سن العمل لا يعملون ولا يبحثون عن عمل (72.2%)، مقابل مُعدّل بطالة يلغ 19% على مستوى المملكة. 

تلاعب لغوي 

على أن «صعوبة احتساب الشواغر الوظيفية» منحت أصحاب العمل فرصة التملص من تشغيل ذوي الإعاقة، حسبما يجادل رئيس قسم تشغيل ذوي الإعاقة في وزارة العمل عنان الشلالفة. «النص الجديد سبّب الإرباك لنا ولشركات [القطاع الخاص]، فبعضها استغلت النص القانوني وقالت ليس لدينا شواغر»، حسبما يشرح.  

لمواجهة التفاف أصحاب العمل على هذا البند، وضعت وزارة العمل نظامًا لتشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة، بمقتضى قانون العمل. الشلالفة يقول إن هذا النظام يستند إلى قانون الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2007 بدلًا من قانون 2017؛ وبالتالي يتتبّع مفتشو الوزارة المخالفين لكوتا «عدد الموظفين» «الملموسة» بدلا من كوتا «الشواغر» الافتراضية. 

صدر عن المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تقريرٌ رصدَ أوضاع ذوي الإعاقة خلال عام  2018، وجد التقرير أن آليات تطبيق القانون الصادر عام 2017 تشكّل عائقًا أمام حماية حقوق ذوي الإعاقة في العمل والتمكين الاقتصادي. كما أشار التقرير إلى أن غياب آليات المحاسبة في المادة (48) الخاصة بتخصيص نسبة تصل إلى 4% لهذه الفئة من شواغر القطاعين العام والخاص «قد يشكّل ذريعة لأصحاب العمل لعدم تعيين الأشخاص ذوي الإعاقة بحجّة أن عدد الشواغر قليلة ولا يسمح بتعيين الأشخاص ذوي الإعاقة».

على أن أمين عام المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مهند العزّة يرمي الكرة في ملعب وزارة العمل: «هذه وظيفة الوزارة. يجب عليهم التحليل والتفتيش على الشواغر ومن ثم تطبيق القانون». ويشرح العزة، مضيفًا: «بالنسبة لي، [نَص الشواغر] واقعي ومنطقي». ورغم إقراره بصعوبة تحديد الشركات الملتزمة بكوتا الشواغر، يرى العزّة أن ربطها بمعادلة تخصيص 4% من الوظائف المشغولة لذوي الإعاقة قد يعني استغناء أصحاب عمل عن موظفين أصّحاء. 

مشكلة أخرى يشكو منها العزّة، وهي سرعة تغيير الحكومات في الأردن: فهي أشبه بـ«الكابوس» الذي يعيد المجلس إلى نقطة الصفر في الحوارات والنقاشات. وقد توالى على المجلس خلال سنوات عمله الثلاث عشرة اثنتا عشرة حكومة، ترأسها سبعة رؤساء وزراء، بينما تعاقب على حقيبة العمل عشرة وزراء

ضمان تطبيق قانون العمل مناط بوزارة العمل، التي تنحصر صلاحياتها بالرقابة على القطاع الخاص؛ حيث يعمل أكثر من 658 ألف شخص حتى نهاية 2018، وفق جداول المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي. كما تضمّن التقرير مراجعة للتشريعات ذات الصلة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وفحص مدى انسجامها مع الأحكام الواردة في قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة النافذ. ووجد أن المشرع لم يستبعد الأشخاص من العمل أو التدريب على أساس الإعاقة، لكنّه أوجد مخرجًا لصاحب العمل باشتراط وجود عمل «يتناسب مع حال العامل ذوي الإعاقة».

أمين عام المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مهند العزّة

خلال عام 2019، نفّذ مفتشو وزارة العمل 5069 جولةً نجم عنها توجيه 415 إنذارًا لمؤسسات مخالفة. 169 منها لم تصوب أوضاعها خلال المهلة الزمنية المحددة، وأحيلت إلى محكمة الصلح، حيث دفعت كل منها غرامات تتراوح بين 50 و100 دينار. كما رصدت الجولات التفتيشية عدم التزام 2185 شركة بتوظيف أشخاص ذوي إعاقة، بحسب تصريحات الناطق الرسمي باسم وزارة العمل غيداء العواملة. 

في 2016، أقامت شركة أخطبوط للتوظيف معرضًا توظيفيًا للأشخاص ذوي الإعاقة بمشاركة 27 شركة في قطاعات التكنولوجيا والمصارف والأكاديميا والصحة. ارتاد المعرض قرابة 3000 باحث/ة عن عمل من ذوي الإعاقات السمعية والبصرية والحركية. ورغم أن الشركات عرضت 1207 شاغرًا وظيفيًا، فإن 15% منها فقط وظفّت أشخاصًا ذوي إعاقة، بحسب الأرقام التي زودتنا بها الشركة. 

تواصل معدا التقرير مع عدّة شركات شاركت في المعرض وطلبا منها تعبئة استبيان لدراسة الأسباب التي تحول دون توظيف ذوي إعاقة في القطاع الخاص، إحدى الشركات أرجعت ضعف تشغيل هذه الشريحة إلى عدم تهيئة بيئة العمل لذوي الإعاقة والخوف من قلة إنتاجيتهم.

يمكن للأشخاص الذين يتعرضون للتمييز على أساس الإعاقة الشكوى على صاحب العمل لدى لجنة تكافؤ الفرص، التي أنشئت بموجب قانون 2017 برئاسة أمين عام المجلس الأعلى للأشخاص ذوي الإعاقة وعضوية 12 ممثلًا عن الحكومة والقطاع الخاص، وأشخاص ذوي إعاقة، ونقابات عمالية والمركز الوطني لحقوق الإنسان. وقد تلقّت اللجنة 54 شكوى من تاريخ تشكيلها عام 2018 وحتى أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وعالجت 17 شكوى منها. تؤكد عضوة لجنة تكافؤ الفرص بثينة فريحات، ممثلة المركز الوطني لحقوق الإنسان، إن معظم الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يتقدمون لوظائف يواجهون غالبًا تمييزًا ذا صلة بالإعاقة، لا يمكن إثباته. 

توظيف ذوي الإعاقة في القطاع العام

تظهر بيانات ديوان الخدمة المدنية –بوّابة التوظيف في المؤسسات الحكومية– بأن عدد ذوي الإعاقة المعينين في مؤسسات القطاع العام لم يتجاوز 2% بين 2016 و2018. 

شُح التشغيل في هذا القطاع يرجع خصوصًا إلى تناقضٍ في فحوى القوانين الناظمة لسوق العمل. فبينما يتيح قانون 2017 لجميع الأردنيين التقدم للتوظيف، يشترط نظام الخدمة المدنية في المادة رقم (43) أن يكون المتقدم «لائقا صحيًا». العزّة يصف هذه المادة بأنها «كارثية»، لأنها تعطي الأطباء صلاحية تحديد إن كان المتقدم للوظيفة مناسبًا لها أم لا بالاستناد إلى تعريف الإعاقة الطبي. 

تتكرر هذه الشكوى في تقريرٍ رصدَ أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة، ونشر على موقع المجلس مطلع آذار/ مارس 2020: «جدول الأمراض التي تحول دون التعيين والابتعاث الصادر بالاستناد للمادة (17) من نظام التقارير واللجان الطبية رقم (13) لسنة 2014 يشكّل عائقًا أمام تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة».

على أن أمين عام ديوان الخدمة المدنية سامح الناصر يبرّر قلّة الوظائف المتاحة لذوي الإعاقة بالقطاع العام بتدنّي الكفاءات وتردّي الوضع الاقتصادي ومحدودية الشواغر المتاحة. ويشكّل ذوو الإعاقة 2000 شخص من مجمل طالبي التوظيف في القطاع العام، الذين يقدرون بـ(389) ألفًا، حسبما يوضح أمين عام الديوان. 

وعرض الناصر على معديْ التقرير موافقة مجلس الوزراء على طلب الديوان بإعادة تأهيل 167 من ذوي الإعاقة يحملون شهادة الدبلوم ممن ينتظرون على قوائم الديوان منذ أكثر من عشر سنوات. وكان حاملو الدبلوم يحرمون من التدريس في المدارس حكومية، منذ صدور قرار عام 1995 يشترط درجة البكالوريوس كحد أدنى للتوظيف في وزارة التربية والتعليم. وتنص الموافقة على تزويد 59 شخصًا سنويًا -بين 2019 و2021- بالمهارات اللازمة لإدخال البيانات والأرشفة والطباعة، قبل تشغيلهم في مؤسسات حكومية في مجالات إدارية. 

بطالة مقنعة؟

في المقابل، توظف مؤسسات ذوي إعاقة امتثالًا للشرط القانوني، فيصبحون موظفين اسمًا دون إسناد أي مهام وظيفية لهم.

حمزة بركات (26 عامًا)، كفيف منذ الولادة، ويعمل «معلم زائد» في إحدى المدارس الحكومية. وقد وظِّف قبل ثلاث سنوات، لكن عمله الفعلي لم يتجاوز الشهرين في تدريس طلاب صفين. يساعد حمزة طوعيًا في تدريس تلاميذ لديهم صعوبات تعلم، وهو غير مكلّف رسميًا بأي مهامّ، ويتقاضى راتبًا لقاء حضوره وانصرافه. حمزة الذي يحمل شهادتيْ البكالوريوس باللغة الإنجليزية وآدابها والماجستير في علم اللغويات التطبيقية، يعتقد بأن الكوتا ما هي «إلا حبر على ورق». 

يثير نظام الكوتا جدلًا حول نجاعة تطبيقه في الدول التي اعتمدته. إذ يرى مناصروه إنه ضروري لمكافحة التفرقة ضد ذوي الإعاقة، بينما يرى معارضوه إن النسبة المتفق عليها رمزية وتعرّض المستهدفين لمعاملة خاصة. في المملكة المتحدة مثلًا، استبدل نظام الكوتا في تسعينيات القرن الماضي بقانون يمنع التفرقة ضد الأشخاص ذوي الإعاقة، بعد نصف قرن تقريبًا على اعتماده هناك. 
يرى العزّة إن الكوتا تشكّل «حالا مؤقتة» و«أداة استثنائية» يفترض توظيفها إلى جانب حلول طويلة الأمد لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل. أمين عام المجلس الأعلى -الذي يعاني من إعاقة بصرية- يحث أصحاب العمل على التخلي عن «الاعتقاد السائد بأن الأشخاص ذوي الإعاقة عاجزون». ويردف: «يجب عليهم تغيير طريقة تفكيرهم إذا أراد الأردن تحقيق فرص متكافئة».

أنتجت شبكة أريج للصحافة الاستقصائية هذا التقرير وينشر بالتنسيق معها.