«رجعت للحياة من جديد»: عن رحلة علاج متعافين من كورونا

غرفة عزل مصابين بفيروس كورونا في مستشفى الأمير حمزة. تصوير المصاب المتعافي أسامة.

«رجعت للحياة من جديد»: عن رحلة علاج متعافين من كورونا

الإثنين 11 أيار 2020

في 15 آذار، وبعد جولة تسوق سريعة بالحي الشرقي في محافظة إربد، بدأ التعب العام يظهر فجأة على محمد الداهود الزعبي، كان قد أحس بجفاف في عينيه، ليعود سريعًا إلى منزله، حائرًا، متسائلًا عمّا حل به. اتصل وقتها بمسؤول ملف فيروس كورونا في شمال المملكة، وائل الهياجنة، ليوجهه الأخير بضرورة إجراء فحص الكشف عن فيروس كورونا في مستشفى الملك المؤسس عبدالله الجامعي.

كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهرًا، يوم 16 آذار، حين توجه محمد (37 عامًا) وزوجته إلى المستشفى وأجريا فحص الكشف عن فيروس كورونا، وبقيا هناك لغاية الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، حتى ظهور النتيجة، «كنّا على أعصابنا وخايفين»، هكذا يصف محمد شعوره في حينها.

ظهرت نتيجة الفحص، لتكشف إصابة محمد دون زوجته بالفيروس، وعدم معرفة مصدر الإصابة، «صدمة كبيرة عليّ وعلى زوجتي اللي بلشت تبكي كأنه أجاها خبر موت، بطّلت عارف شو أعمل أو أركز بشيء، شو رح يصير معي! كيف بدي أأمن بيتي بالأغراض.. كيف بدي أروّح مرتي عند أولادي»، يؤكد محمد أن تفكيره حينها تركّز على بيته وعائلته أكثر من حالته الصحية.

دخل محمد وزوجته في حالة لم يستطع وصفها، وسط دوامة من الأفكار السلبية، حتى تدخل الأطباء في المستشفى، لمساعدة زوجته بإجراءات التعقيم في المنزل، لتغادر الزوجة إلى منزلهم رفقة الأجهزة الأمنية، فيما دخل محمد غرفة العزل المخصصة لمرضى كورونا، دون أن يعلم هل سيخرج منها سليمًا أم لا.

في 17 آذار، توجه فريق من لجنة الأوبئة في وزارة الصحة لفحص أولاد محمد (عمر 6 سنوات وسارة 4 سنوات) إلا أن نتائج فحوصاتهم كانت سلبية، الأمر الذي كان يقلق محمد من نقله العدوى لأولاده وزوجته. وفي حين كانت الوحدة ترافقه في غرفة العزل، فقد قرر ألا يدع الفراغ منه يتمكن طيلة فترة العلاج القادمة.

عند الساعة الحادية عشر صباحًا، كان موعد دخول الأطباء غرفته لفحصه والكشف عن ظهور أعراض جديدة عليه، وفي اليوم الثالث من «رحلة مقاومته كورونا»، كما يصفها محمد، دخل الفريق الطبي الذي بدأ يشرح له عن عقار «هيدروكسي كلوروكوين» المضاد للملاريا، إضافة إلى «فيتامين ب 12»، وضرورة تناوله حبةً واحدةً باليوم، فيما بدأت تظهر عليه أعراض أخرى، مع استمرار جفاف العين، لأربعة أيام فقط، «إدرار البول، الإسهال وضيق بالتنفس. كنت بس أحكي أكثر من خمس دقائق متواصلة على التلفون آخذ راحة، وكان جنبي جهاز أكسجين بس ما استخدمته». تتواجد أجهزة كمامة الأكسجين، في غرف المصابين بفيروس كورونا، ويستخدم الجهاز لإيصال الأكسجين للمريض عن طريق الفم والأنف معًا من أسطوانة الأكسجين.

«كنا نفتح الخط عبر الماسنجر ساعات، نقعد ونلعب أنا وأولادي، وفهمتهم وضعي الصحي، وأني رح أطلع قريب، حتى تعودوا على مرضي»

كانت المخاوف تحلق فوق سقف غرفة محمد كلما نظر للأعلى تذكّرها، وظلّ يفكر دائمًا بموعد خروجه من المستشفى متعافيًا من المرض، إلى جانب هواجسه حول أبناءه كيف يمضون يومهم، وهل نقل العدوى لأحد زملاءه في العمل.

قرر مواجهة تلك الأسئلة والأفكار بممارسة الرياضة داخل الغرفة، الرسم والكتابة، حتى غسل صحون الطعام، والتفاعل مع ولديه (عمر وسارة) من خلال الاتصالات المستمرة، «كنا نفتح الخط عبر الماسنجر ساعات، نقعد ونلعب أنا وأولادي، وفهمتهم وضعي الصحي، وأني رح أطلع قريب، حتى تعودوا على مرضي».

في اليوم الحادي عشر من علاجه، فجر 26 من آذار لم ينم (أبو عمر) طيلة الليل، كان ينتظر نتيجة فحصه الثالث لفيروس كورونا، إذ أجرى الفحص الأول لحظة اكتشاف المرض، والثاني في اليوم السابع من علاجه، «كأني بستنى إفراج من السجن، ما قدرت أنام، الدكتور وائل كان متواصل معي بشكل مستمر، شعرت أني رح أطلع من المستشفى»، سبع ساعات انتظرها محمد لغاية معرفته نتيجة فحصه الأخير، الذي أثبت تعافيه بشكل كامل، «طلبوا مني أضب أغراضي، وأستنى شوي حتى يروحوني الدفاع المدني ووقعت على تعهد بالحجر المنزلي لمدة 14 يوم»، الساعة الثالثة خرج محمد بعد التعافي، وكأنمّا لحياة جديدة، «حسيت أني رجعت للحياة من جديد وكأنه أطلق سراحي».

المصاب المتعافي محمد الداهود الزعبي من غرفة العزل في مستشفى الملك المؤسس في إربد، من تصويره.

في ذات يوم خروج محمد من المستشفى، قررت الحكومة عزل محافظة إربد عن باقي محافظات المملكة بشكل كامل؛ لحماية المناطق الأخرى داخل المحافظة، التي لم يتمّ الاشتباه بحالات إصابة فيها، فيما بدأ محمد مرحلة جديدة من العزل المنزلي ستستمر 14 يومًا.

في 27 من آذار بدأ محمد مرحلة العزل المنزلي، داخل غرفته في منزله، منفصلًا عن أبناءه، لكن بوسعه أن يراقب تحركاتهم وتصرفاتهم، إضافة إلى تأمين احتياجات المنزل عبر خدمات التوصيل، «كل مونة البيت والأغراض، أما أخوي بجيبهم ويحطهم في البلكونة أو أطلب عبر خدمة التوصيل»، ولا يخفي شوقه لللعب مع أطفاله والجلوس مع زوجته، يقول «كنت أعد الأيام بلهفة، مشان أنام مع أولادي وأحضنهم، كنت جد مشتاقلهم رغم أنهم قدام عيوني».

بعد مضي أربعة عشر يومًا من الحجر المنزلي، دون وجود أعراض، وتناول 20 حبة من علاج «الملاريا»، خلال فترة علاجه؛ حبتين يوميًا أول أيام العلاج، ثم حبة واحدة يوميًا في المستشفى، حسب وصفة الأطباء، بدأ محمد وعائلته الصغيرة باستعادة الحياة تدريجيًا، لكنه لم يخرج من المنزل لغاية الآن، إلا مرة واحدة عند والدته في الرمثا، موضحًا أنه يعيش حياة جديدة بعد تجربة مليئة بالمخاوف والأفكار السلبية، ويذكر«عملت مدرسة لأولادي ومقصف، اكتشفت أنه بتني سوسو عندها نكت كثير وبتضحك، والله كل الحياة اختلفت بعد المرض، صار عندي قناعة أنه كل الحياة ما بتسوى وجع أظفر عندك». 

لغاية الثامن من أيار، سجّل الأردن 508 إصابة بفيروس كورونا، تعافى منهم 384 مريض، خضعوا للعلاج في ثلاثة مستشفيات مخصصة للعزل، وفق وزارة الصحة.

«الخوف على ستي»

كان أسامة (25 عامًا) في زيارة خاصة برفقة جزء من عائلته، في إسبانيا، وبسبب جائحة كورونا، أغلقت مدينة مدريد معظم مرافقها، وبدأ الوضع يزداد صعوبة، فقرروا العودة للأردن مباشرة. وصلوا المملكة في 15 آذار، بدأت إجراءات المطار لدخولهم سريعة، إجراء فحص حرارة، دون توقيع تعهد بالحجر المنزلي، ولم تستغرق الإجراءات أكثر من 25 دقيقة، كان ذلك قبل يومين فقط من إغلاق الحدود وإدخال أكثر من 5000 شخص الحجر في الفنادق.

أسامة طبيب امتياز، يعمل ضمن فريق طبيّ مختص من وزارة الصحة، للرد على الاستفسارات القادمة للخط الساخن المجاني (111) من المواطنين، حول مرض كورونا، قرر عزل نفسه وبعض أفراد عائلته في شقة بعيدًا عن بقية العائلة، في عمّان، لعلمه بإجراءات الحجر المنزلي.

لكن أسامة ووالدته كانا يعانيان من أعراض في الجهاز الهضمي «ارتفاع حرارة بسيط، إسهال وتلبّك معوي» قبل وصولهما الأردن، بيد أن الأعراض استمرت ليومين عند أسامة واختفت عند والدته مع وصولها المملكة. كان يراوده شك الإصابة بفيروس كورونا، وبعد يومين من وصوله إلى عمّان في 17 آذار، بدأت تظهر عليه بعض الأعراض بشكل متذبذب خلال أسبوعين، مثل:«الإرهاق والقشعريرة والتعب العام»، في 31 من آذار توجه لمختبر خاص، لإجراء فحص كورونا.

في الأول من شهر نيسان، وفيما كان أسامة يعمل من منزله في الرد على الأسئلة الواردة على الخط الساخن المخصص للكورونا (111)، ورد اتصال لوالدته من رقم غير معروف اتضح أنه من وزارة الصحة، ليخبروه أن نتيجة فحصه جاءت «إيجابية». أخبر والداه بإصابته وعدم إصابة والدته التي أجرت الفحص معه، وأُخرج شقيقه من غرفته. «توترت شوي بس عرفت، لأتذكر أنه ما في أعراض والصحة بخير»، وجهّز أغراضه وملابسه لرحلة العلاج في مستشفى الأمير حمزة.

نُقل أسامة إلى المستشفى ذلك اليوم بواسطة الدفاع المدني، لتستمر رحلته العلاجية في الطابق الثالث من المستشفى، في غرفة العزل وحده، بوجود سريرين واحد أحدهما بجانب الشباك، ولا مريض يرافقه. بعد يومين جاء مصاب آخر ليرافقه وغادر الغرفة بعد أيام عدة، ثم جاء مصاب آخر ونقل إلى غرفة أخرى برفقة عائلته.

تكونت علاقة بين أسامة والمصابين اللذين رافقاه خلال 13 يومًا من العلاج، بحكم أنه طبيب يمكنه أن يشرح لهما عن الفيروس وأعراضه وتفاصيله، إضافة إلى طول الوقت الذين يتمتعون به. لم يأخذ أسامة غير حبة فيتامين واحدة فقط، رافضًا تناول أي دواء يصرف له، إذ يفضّل بالعادة أن يعالج جسمه نفسه، دون دواء، وترك الأطباء له حرية الاختيار.

كان يتخوف أسامة من أسباب إصابته، خاصة أن الأعراض ظهرت عنده بشكل متذبذب، وأن الفحص الذي أجراه في تاريخ 31 من آذار، أي بعد قدومه من السفر بحوالي 13 يومًا، جاء إيجابيًا في الأول من نيسان، مستغربًا بقاء إصابته، بعد مرور أكثر من أسبوعين على ظهور الأعراض.

غرف عزل مصابين بفيروس كورونا في مستشفى الأمير حمزة. تصوير المصاب المتعافي أسامة.

بالتزامن مع ذلك، كانت ثمة مخاوف تتعاظم عند أسرته، خاصة جدته، التي كانت خائفة عليه، وخائفة من إصابتها بالفيروس، إلى جانب والدته الخائفة من إصابتها رغم إجراءها ثلاث فحوصات جاءت جميعها سلبية، «كنت خايف على ستي أنه تكون مصابة خاصة عمرها كبير [85 سنة]».

استمر أسامة بالاتصال بالمناوب الإداري، في 13 نيسان كان ينتظر أسامة نتيجة العينة التي أخذت منه والتي كانت إيجابية. مساء الإثنين، 13 نيسان، وبعد أسبوعين من العلاج، خرج أسامة من المستشفى عقب ثماني ساعات من الانتظار، «شعرت أنه وأخيرًا طلعت، (..) طلعنا تقريبا 10 مرضى بسيارة الإسعاف مشان يوصلونا على بيوتنا، أول مرة بشوف عمّان فاضية تمامًا»، لم يجر أسامة أي فحص جديد بعد خروجه من المستشفى بيد أنه التزم بالحجر المنزلي 14 يومًا، لكن الأيام مضت سريعة، بين انشغاله بالدراسة والعمل.

«عشت من جديد»

في الأسبوع الأخير من شهر آذار، ذهب أسعد* (50 عامًا) إلى عمله لتجهيز الرواتب وتسليمها للموظفين، برفقة ثلاثة من زملاءه، وبعد ساعات أخُبر ومن معه، بأن زميلهم الذي يعمل معهم قد توفي والده قبل أيام جراء إصابته بفيروس كورونا، حيث لم يكن لديهم علم من قبل، ليتوجه أسعد وزميل آخر إلى أقرب مختبر طبي خاص لإجراء فحص فيروس كورونا.

بعد ساعات من انتظار النتيجة، وحيث كان الخوف يخيم على زوجة أسعد وأبناءه، جاءت نتيجته «إيجابية» رغم عدم ظهور أعراض عليه. اتصلت وزارة الصحة مع العائلة وطلبت من الوالد تجهيز نفسه لفترة العلاج، في مستشفى الأمير حمزة، بالعاصمة عمّان.

صبيحة 31 آذار، في اليوم الأول من العلاج، انتاب أسعد الخوف أن يكون قد نقل العدوى لعائلته. بعد دقائق وصله اتصال يخبره بإصابة زميله الذي توجه للفحص معه، والذي التحق به في ذات الغرفة بالطابق الثالث من المستشفى. في اليوم التالي، وبعد إجراء فحوصات للعائلة كاملة، كشفت النتيجة عن إصابة زوجته وأبناءه الأربعة، عدا ابنته الكبرى.

في الأول من نيسان، دخلت العائلة كاملة قسم العزل في المستشفى، «بس عرفت أنه أولادي ومرتي مصابين انجنيت وتوترت، خاصة وأني نقلت العدوى إلهم كلهم، بنفس الوقت كنت مستغرب أنه بنتي الكبيرة ما انصابت ثم اتذكرت أنها عايشة بغرفة لوحدها (..) ضبطت أعصابي، وتوجهت لربي بالصلاة والدعاء».

عُزل أسعد برفقة صديقه بغرفة واحدة، فيما بقيت الابنة الكبرى وحدها في منزل العائلة، «كانوا الجيران يبعثولها فطور على مدار فترة العلاج»، بينما كان يتابع الأب أفراد أسرته عبر الهاتف، ليطمئن عليهم، رغم عدم تطور الحالة الصحية لأي منهم، ويقضي وقته المتبقي في ممارسة الرياضة رفقة زميله، والدعاء والصلاة، لكنه لا يخفي قلقه على مصير عائلته التي ترافقه في رحلة العلاج.

في اليوم الثاني من فترة العلاج، بدأت العائلة بأخذ عقار «هيدروكسي كلوروكين»، وإجراء فحوصات للدم والضغط والحرارة، شعرت العائلة كما لو أنها في «حلم أو كابوس»، كما يصف أسعد، «كنا نستنى الأيام تنتهي ونرجع نعيش مع بعض تحت سقف بيتنا، الأولاد أغلبهم كانوا يقضوا وقتهم على التلفون، بس أنا مش متعود على القعدة بين أربع حيطان بس كنت مضطر».

كان وضع العائلة مستقر، بشكل عام، دون حصول مضاعفات أو ظهور أعراض جديدة عليهم. بكت الأم، زوجة أسعد، باستمرار على حال أبنائها وزوجها، وكيف انقلبت أحوالهم مرة واحدة، دون سابق إنذار كما تقول، «كنت خايفة على زوجي أنه حالته تتفاقم، روحه مش طويلة، وما بصبر على المرض».

بعد مرور 12 يومًا من العلاج، وإجراء فحص المسحة الأنفية لأفراد العائلة، جاءت النتائج سلبية، وقرر الأطباء إخراجهم إلى البيت، مع توقيعهم تعهدًا بالحجر المنزلي، لمدة 14 يومًا. خرجت العائلة كاملة، «شعرت بالفرج، إنه أولادي الحمد لله تعافوا، ورجعنا على حياتنا بشكل طبيعي، غادرنا المستشفى وأوصلونا الدفاع المدني، سجدت شكر لله».

لم تنتهي حكاية أسعد هنا، إذ شعر بأعراض جديدة لم تظهر عليه من قبل، بعد مغادرته المستشفى بيومين؛ فقد ارتفعت درجة حرارته وشعر بالإرهاق، وضيق التنفس، مما دعى نجله الأكبر للاتصال مجددًا بوزارة الصحة، مساء يوم 14 نيسان، ليخبرهم عن حالته، طلبوا منه الانتظار حتى صباح اليوم التالي، ليأتي الدفاع المدني وينقله إلى المستشفى من جديد.

«خايف على أولادي بحال موتي»

يدخل أسعد إلى المستشفى صباح 15 نيسان، مرة أخرى، بعد ظهور أعراض أشد قسوة عليه، غير أن حالته الصحية لم تكن خطرة للغاية، كما يقول، إذ كان يعاني من إرهاق عام وضيق بالتنفس، لكن الأطباء قرروا وضعه في العناية الحثيثة، بعد أخذ عينة جديدة منه، جاءت إيجابية، دون التأكد مما إذا كان قد أصيب مجددًا بعد تعافيه أم لم يشفَ من الأساس، خاصة أنه أجرى الفحص مرتين وتم التأكد من سلبية العينتين.

يوضّح الناطق باسم اللجنة الوطنية للأوبئة نذير عبيدات لـ«حبر»، تفاصيل حالة أسعد، قائلًا إن الإجراء يقتضي أن يُؤخذ من المصاب عينية على مرتين، وإذا كانت النتيجة سلبية، يسمح له بالخروج، ويمكن أن تظهر بعد عدة أيام أعراض، ليجري له فحصًا جديدًا وتؤخذ منه عينة جديدة قد تكون إيجابية، وهو ما تكرر في أكثر من حالة؛ ويعود ذلك إما لأخطاء في عملية الفحص، أو وجود بقايا للفيروس بجسم المصاب.

يوضح أسعد حالته الصحية بعد أن شرح له الأطباء ضرورة بقائه فترة علاجية جديدة داخل العناية المركزة، إذ وضع على جهاز الأكسجين، بسبب ضيق التنفس، وانخفضت درجة حرارته بعد ساعات من دخوله المستشفى، كما تحسّن تنفسه. لم يخبره الأطباء ما إذ كان جهاز الأكسجين سيؤثر على رئتيه أو تنفسه لاحقًا بعد تعافيه.

بعد أن شعر أسعد بتحسن وضعه الصحي، طلب من الأطباء في ذات اليوم الذي دخل فيه العناية المركزة إخراجه إلى غرفة العزل، غير أن الفريق الطبي رفض ذلك وطلب منه الانتظار حتى صباح اليوم التالي، في ظل عدم التوصل إلى سبب إصابته مرة أخرى، الأمر الذي أجبرهم على إعادة جميع فحوصاته التي أظهرت بأنه مصاب، مما أثار تخوفهم حول دقة النتائج في المرة الأولى.

في صباح 15 نيسان، أُخرج أسعد إلى غرفة منفردة في الطابق الثالث، بعد التأكد من استقرار وضعه الطبي، «وضعي تحسّن كثير، نفسي انتظم، حرارتي انخفضت، طلعوني في حدود الساعة 11 الصبح، بعد ما فحصوا ضغطي وحرارتي، وشافوا تنفسي، دخلت غرفة لحالي، طلبوا مني أني كل ما يضيق نفسي أطلبهم، بس طلبت منهم يعلموني على جهاز الأكسجين، اللي كان موجود بالغرفة، ما استخدمته بتاتًا طول فترة العلاج».

«شعور غريب بس قررت أتسحر وأصوم وأفطر لوحدي، أول مرة بمر علي هيك موقف، صار نفسي أبكي، عمري 50 سنة أول مرة بفطر لحالي وما معي حدا».

لم يصرف الأطباء حبوب «هيدروكسي كلوروكوين» لأسعد من جديد، إذ بدأ يشعر بالتحسن من اليوم الثاني نتيجة الأدوية الخافضة للحرارة فقط. إلا أنه كان وحيدًا قلقًا من مدة بقائه داخل غرفة العزل بمفرده، واستغل فرصة الفراغ الكبير بأداء واجباته الدينية، كما يقول، «كنت أصل الفروض وأقيم الليل، ما كنت خايف من الموت، كنت خايف على أولادي بحال موتي، لكني كنت مؤمن بالله وإيماني كان كبير».

في اليوم الثالث من علاجه، بدأ يمارس الرياضة بكثافة، بعد نصائح طبية تفيد بضرورة ممارسة الرياضة لرفع المناعة، لكن حجم الفراغ كان أكبر من توقعه، مع دخول اليوم العاشر من رحلة العلاج الثانية، بدأ شهر رمضان عليه لأول مرة دون عائلته وزوجته، «شعور غريب بس قررت أتسحر وأصوم وأفطر لوحدي، أول مرة بمر علي هيك موقف، صار نفسي أبكي، عمري 50 سنة أول مرة بفطر لحالي وما معي حدا، بجوز الوحدة والفراغ كان بدهم يقتلوني أكثر من الكورونا، بس فترة ومشت وصبرت كثير».

انتظر أسعد نتيجة فحصه الأخير، في 30 نيسان، في تمام الساعة العاشرة ليًلا، أخبره الطبيب المناوب، أن نتيجته سلبية، وسيغادر المستشفى في صباح الأول من أيار، لم يصدق ما سمعه، بتوتر كبير، طلب من الطبيب إعادة الحديث، ضحك الطبيب، وأعاد عليه نتيجته، لم يخبر أبناءه بموعد العودة.

استعد أسعد للمغادرة صباح 1 أيار، جهّز نفسه وخرج من غرفته ناظرًا لمن حوله، «كأنه شيء من المستحيل.. مش مصدق حالي»، وقع على تعهد ليعزل نفسه في بيته لمدة 14 يومًا، صعد في سيارة الاسعاف، وصل بيته، وطيلة الطريق من باب غرفته لباب بيته، كان يوجه الشكر للجميع بسبب أو دون سبب، طرق باب منزله، وسط صمت مطبق بين أفراد عائلته، كان أسعد يتابع مشهد أولاده بصمت أيضًا، أخبرهم بتعافيه، ودخل غرفته لعزل نفسه.

يستمر أسعد لغاية إعداد التقرير بعزل نفسه، بعد أيام من خروجه من المستشفى، دون ظهور أعراض مرضية عليه، يواصل إجازته من العمل، يأكل وينام وحده، لكن البيت أهون عليه من المستشفى.

تستخدم وزارة الصحة في الأردن، عقار الملاريا «هيدروكسيكلوروكوين»، لعلاج مرضى فيروس كورونا المستجد ضمن دراسة سريرية وبروتوكول دراسات دوائية، حسب تصريح الناطق باسم اللجنة الوطنية للأوبئة نذير عبيدات لـ«حبر»، إذ يقول بأن الدواء يستخدم كعلاج لا كوقاية، وحسب الحالة المرضية بعد تشخيصها فقط، ويعطى الدواء حسب حالة المصاب. وصرح وزير الصحة الدكتور سعد جابر، في مقابلة تلفزيونية، أن الأردن لديه ما يكفي من عقار هيدروكسيكلوروكوين، مشيرًا إلى أن الأردن بدأ فعلًا باستخدامه في علاج المصابين بفيروس كورونا المستجد.

«الخوف على فاطمة مش على صحتي»

في تاريخ 16 من آذار، وصلت طائرة سناء الأشقر (40 عامًا) وابنتها فاطمة (عام واحد)، إلى الأردن، بعد رحلة عائلية في الولايات المتحدة. انتظرتا ساعات طويلة لغاية نقلهما إلى الفنادق المخصصة للعزل، بعد قرار بفرض الحجر الصحي احترازيًا على كافة القادمين للمملكة، مدة 14 يومًا في فنادق مخصصة في منطقة البحر الميت والعاصمة عمان والعقبة لإخضاعهم للإجراءات الصحية. انتقلت سناء إلى أحد فنادق العاصمة عمّان، برفقة ابنتها.

دخلت سناء العزل دون وجود أي أعراض مرضية عليها أو على ابنتها، وكانت الأم تتابع درجة حرارة ابنتها باستمرار. تستمر في رحلة العزل الفندقي غير أنها لا تترك زوجها محمد الزعبي دون إخباره بتفاصيل الحجر الدقيقة، «هسه بنلعب أنا وفاطمة، وضعنا تمام لا تخاف علينا، الحمد لله كله تمام (..)، هينا افطرنا وبنتفرج على مسلسل كرتون (..)، كل التفاصيل خبرتني فيها».

سناء الأشقر وزوجها محمد الزعبي وطفلتهما فاطمة عقب انتهاء العزل المنزلي

في اليوم التاسع من الحجر الفندقي، شعرت سناء بارتفاع بسيط على درجة حرارتها وتعرق، طلبت من الفريق الطبي المتواجد في الفندق إجراء فحص كورونا لها، وأخبرت زوجها بذلك، أجرت الفحص وطفلتها، وجاءت النتيجة إيجابية، ليفزع الأب على زوجته وابنته، ويصف شعوره آنذاك. «بس وصلني الخبر انجنيت، زوجتي كانت تبكي وتصيّح منزعجة كثير، كأنه على مشارف الهلاك، خفت كثير عليهم»، فيما تضيف سناء، «كنت خايفة على بتني أكثر من أني خايفة على نفسي»، لم يكن لدى سناء وزوجها محمد أية معلومات طبية واضحة حول فيروس كورونا، ما زاد المسألة تعقيدًا.

توجهت سناء وفاطمة، إلى مستشفى الأمير حمزة، لتبدأ رحلة العلاج من كورونا، في استمرار بعض الأعراض عليهما؛ ضيق تنفس وارتفاع بسيط بدرجة الحرارة. بعد أربعة أيام من العلاج اختفت تلك الأعراض، مع تناولهن دواء الملاريا وحبوب خافضة للحرارة.

كان الأب والزوج يتابع تفاصيل حالتهما الصحية، «كنت أحكي معهم على التلفون، ما كنت عارف أقعد بدونهم، خايف عليهم كثير، مخاوفي كبيرة جدًا، خاصة وأنه الأخبار كانت تحكي عن ارتفاع في أعداد الوفيات بالعالم (..) الصخب النفسي كان كبير ومأثر علينا». فيما تصف سناء حالتها النفسية خلال فترة العلاج التي استمرت 18 يومًا، «روحنا طلعت، النفسية كانت سيئة، مخاوفي على طفلتي كثير كبيرة خاصة صخب الإعلام كبير (..)، كنت أحس حرارتها باستمرار، بس ما في أي أعراض ولا عليّ».

في 12 من نيسان، وبعد أخذ عينة من سناء وطفلتها فاطمة، قررت إدارة المستشفى خروجهما، ليبدأ العزل المنزلي 14 يومًا في منزل العائلة في العاصمة عمّان، وانتقل الزوج إلى العيش في منزل آخر بمدينة السلط، وكانت تلك الفترة أصعب على العائلة من سابقتها كما تقول سناء، «أنا والصغيرة في البيت لحالنا وزوجي بعيد عنّي، الحياة ما كانت مستقرة»، إلا أن سناء وطفلتها لم تظهر عليهن أي أعراض جديدة.

في 25 نيسان، وعقب انقضاء فترة العزل المنزلي، أخبر محمد زوجته بقدومه إلى المنزل، وحينما كانت تشير الساعة إلى الحادية عشرة والنصف، طرق الباب ودخل ليجد طفلته تحبو نحوه بسرعة كبيرة. «كأنه مشهد درامي من مسلسل أو فيلم ركضت وعبطتني، سناء تأثرت بدرجة كبيرة، أول مرة بشوفها بتحبي بهالسرعة»، يختم محمد حديثه.



* اسم مستعار.

تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.