رحيل آية أغابي: النجاح دون «قصة نجاح»

الأحد 25 آب 2019
الناشطة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الراحلة آية أغابي. من مقابلة أجرتها مكتب غوغل في المنطقة العربية.

في وقت ترتبط فيه كلمة «مؤثر/ة» بمدوّنين عن الطعام، والأناقة، والرشاقة والجمال، ينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي ولديهم آلاف المتابعين، تظهر شخصيات مُلفتة، تأثيرها المجتمعي أوضح، ومبادراتها تلمس حياة الآخرين مباشرة. آية أغابي، المتحدثة والناشطة وصاحبة مبادرة «الأردن المهيأ»، كانت إحدى هذه الشخصيات. لذا، أحزنت وفاتها المجتمع الأردني بكل أطيافه. رحلت آية عنا بعد حياة قصيرة فاعلة كرستها للحديث عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وفي جعل العديد من الأماكن والمرافق العامة في الأردن مهيأة لهم.

من هي آية؟

ولدت آية عام 1991 في عمان ونشأت فيها، ثم انتقلت مع عائلتها إلى السعودية وهناك أنهت دراستها الثانوية من المدرسة الأمريكية الدولية في الرياض عام 2009. في عمر الثامنة عشر، تعرضت آية لحادث سيارة أفقدها القدرة على المشي، واضطرت منذ ذلك الحين لاستخدام كرسي متحرك. تقول شقيقة آية، ياسمين أغابي، إنها كانت تتمتع بالعزيمة والإصرار، لذلك عملت على تجاوز الحادث وتحدّت إعاقتها الحديثة واستكملت حياتها لتواصِل الدراسة والعمل بعد الحادث مباشرة. 

التحقت آية بجامعة كاليفورنيا في بيركلي في الولايات المتحدة عام 2010، وحصلت على بكالوريوس في دراسات التنمية والتطوير عام 2013. عملت مع عدد من المنظمات الدولية مثل اليونيسيف واللجنة الدولية للإغاثة، كما كانت مستشارة للمجلس الأعلى لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة وغيرها من المنظمات التي تهتم بتعليم وإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع.

خلال سنوات الدراسة في الولايات المتحدة تمكنت آية من عيش حياتها الجامعية باستقلالية. لم يمنعها كرسيها المتحرك من ذلك، فقد كانت تستطيع التنقل بين الجامعة والسكن واستخدام المواصلات العامة. 

بعد رجوعها إلى الأردن، أدركت آية صعوبة التنقل للأشخاص ذوي الإعاقة ومحدودية الأماكن التي يستطيعون ارتيادها بدون مساعدة. الأمر الذي ألهمها لإنشاء مبادرة «الأردن المهيأ» عام 2017، التي تهدف إلى جعل الأماكن التجارية والمرافق العامة صديقة لأصحاب الاحتياجات الحركية سواء كانوا من كبار السن، أو من لديهم عربات لأطفالهم، أو الأشخاص ذوي الإعاقة. 

كجزء من المبادرة، كانت آية تتواصل مع القائمين على المطاعم والشركات وغيرها وتشجعهم على تهيئتها من خلال إضافة ممر منحدر للأشخاص ذوي الإعاقة، أو رافعات بجانب الأدرج، والتأكد من إمكانية الوصول لمرافق المكان المختلفة مثل دورات المياه وغيرها. 

تأثير مجتمعي حقيقي

يقول زياد مغربي، وهو ناشط في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وأحد أصدقاء آية، إن المميز في مبادرتها كان توجهها الحقوقي. فعلى عكس التوجه الرعائي السائد فيما يختص بالأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن، ركزت مبادرة «الأردن المهيأ» على حق إمكانية الوصول، والإدماج من خلال تهيئة البيئة وتوفير الأدوات حتى يتمكن الأشخاص ذوي الإعاقة من ممارسة أنشطتهم اليومية باستقلالية والتواجد في المشهد كجزء من الحياة العامة. 

كان هذا أمرًا دعت آية إليه باستمرار، كما في مقال لها نشرته على موقع المبادرة، قدّمت فيه نقدًا بناءً لحلقة تختص بالأشخاص ذوي الإعاقة في أحد برامج المسابقات على محطة محلية، طرح فيها المشاركون أفكارًا رأوا أنها تهدف لمساعدة الأشخاص ذوي الاحتياجات الحركية. 

قاربت آية الموضوع بعدسة نقدية تحدّت النظرة النمطية السائدة للأشخاص ذوي الإعاقة، وأكدت على أهمية إدماج تلك الفئة من المجتمع. وانتقدت أفكار المنتجات التي اقترحها المتسابقون في تلك الحلقة والتي ركزت على بقاء الأشخاص ذوي الإعاقة في المنزل وعدم حاجتهم للخروج، أو حاجاتهم الدائمة لمساندة شخص آخر في ممارسة حياتهم اليومية الطبيعية. 

يشير زياد إلى أن إمكانية الوصول التي تدعو لها مبادرة «الأردن المهيأ» أمر يعود على جميع الأطراف بالنفع. فقد استخدم زياد مقولة «ما هو مناسبٌ لنا مناسبٌ للجميع»، حيث أن جعل مكانٍ ما مهيّأ لا يخدم فقط فئة الأشخاص ذوي الإعاقة، وإنما يمتد لخدمة الأطفال وكبار السن، وحتى من لديهم ظروف صحية وإن كانت مؤقتة كحالات الكسور. بالإضافة إلى أن استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة من خدمات شركة أو مطعم ما تعني حصول الشركة أو المطعم على عملاء أو زبائن جدد، وهو أمر مُجدٍ تجاريًا ومجتمعيًا وإعلاميًا ويتعدى أن يكون فعل خير. هذا هو التوجه الحقوقي مقابل الرعائي -على حد تعبيره- أي أن ينظر إلى الطرفين بتكافؤ، فالمنفعة متبادلة وليست إحسانًا بلا مقابل من قبل طرف للطرف الآخر. 

حالة استثنائية؟

تقول آية في كلمة ألقتها في مؤتمر منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة (ILO): 

في السنتين الماضيتين، دعيت للعديد من المؤتمرات والفعاليات للتحدث عن تجربتي ولتمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة. يرى كثيرون أنني «قصة نجاح» لأن لدي إعاقة حركية وتمكّنت في نفس الوقت من إنهاء دراستي الجامعية ودخول سوق العمل، ولدي استقلالية مادية، كما قمت بإنشاء شركتي الاستشارية الخاصة في عمر 27.

لكني لا أرى أني قصة نجاح لأني حققت ما حققته على الرغم من وجود إعاقة حركية لدي، فقد عملت بجد مثلي كأي شخص معافىً بدنيًا. كان لدي أحلامي وطموحاتي الشخصية والمهنية كالجميع، وتزامن ذلك مع وجود الإعاقة. لكني كنت محظوظة بالحصول على الأدوات المناسبة، والحصول على الدعم من جامعتي ومن قبل مدرائي كساعات العمل المرنة وتهيئة البيئة التي أتاحت وصولي لأماكن العمل والدراسة ومكّنتني من تحقيق عدد من أهدافي. لقد تجاوز من دعموني إعاقتي ونظروا لما هو أبعد منها، حيث ركزوا على قدراتي التي ساعدتني على أداء واجباتي على أكمل وجه.

تقول دارين العشي، وهي صانعة أفلام ومؤسسة مبادرة «أ مِنِت مارفل»، إنها عندما التقت آية لتصوير فيلم قصير عنها وعن مبادرتها أعجبت بقوة شخصيتها وبالندّية التي كانت تتحدث بها. كان ملفتًا بالنسبة لدارين تركيز آية على أن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا أقل وإنما لديهم متطلبات كالجميع، إن توافرت تلك المتطلبات فإنها كفيلة في جعلهم يعيشون حياة مستقلة ومنتجة. وعلى الرغم من أنها كانت نموذجًا حيًا على ذلك، حيث كان لديها حياة اجتماعية ومهنية حافلة، إلا أنها كانت ترفض أن ينظر إليها كاستثناء أو قصة نجاح. هذا ما أكدته شقيقتها ياسمين، فآية التي كانت ترى أنها محظوظة لحصولها على الأدوات والدعم من الجامعة وأماكن العمل لم تكن تحب الأضواء والتحدث عن نفسها، وإنما كانت تحاول أن توفر ما حصلت هي عليه لأكبر عدد ممكن من الأشخاص ذوي الإعاقة. آية التي كانت تحب السفر والمغامرة، كما قالت شقيقتها ياسمين، كانت تحلم في جعل الأردن مهيّأ بجميع محافظاته، وكانت تأمل أن ترى وجهاتها المفضلة، مثل وادي رم والبترا، مهيأة.

المبادرة مستمرة

«لم تنتهي المبادرة برحيل آية»، هذا ما يقوله المقرّبون منها. تقول صديقتها، دينا السعودي، التي عملت معها في مبادرة «الأردن المهيأ»، إنها كانت دائمًا تفكر في استدامة المبادرة، وفي تطويرها لتشمل كل مناطق المملكة. الصديقة المقربة من العائلة أكّدت على أهمية استمرار ما بدأته آية، وعلى توظيف الإلهام الذي قدمته في المجتمع في إحداث تغيير حقيقي. فبعد سماع خبر الوفاة، تواصل العديدون مع دينا، أفرادًا وشركات. قالت إنهم كانوا يسألون عن كيفية دعم المبادرة تخليدًا لذكراها. عديدون عرضوا تقديم تبرعات مالية، أو شراء كراسٍ متحركة للأشخاص ذوي الإعاقة، أو اتصلوا للتأكيد على تنبّي المبادرة كما في عدد من البنوك والشركات التي سبق ووقعت اتفاقيات مع مبادرة «الأردن المهيأ»، وإن لم تدخل تلك الاتفاقيات حيّز التنفيذ بعد. 

الشابة التي كانت تخطط لاستكمال الدراسة والسفر للحصول على درجة الماجستير في أيلول القادم كانت أحد الأصوات التي عملت بجد على دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم والمجتمع وفي سوق العمل. ففي أحد المؤتمرات التي شاركت بها قالت:

من الضروري الاستثمار في مكّون رئيسي في المجتمع يمثل 13% من السكان. علينا ألا نهمش 1.2 مليون شخص مقيم في الأردن، وألا ننظر إلى إعاقاتهم على أنها تحديات أو حواجز، بل فرص لتمثيل عادل ومتنوع، وإمكانية للحصول على أفكار خلاقة من أشخاص يختبرون العالم من منظور مختلف. تشير الإحصائيات إلى أن 0.05% من الأشخاص ذوي الإعاقة يعملون في القطاع الخاص، وأن 1% منهم في القطاع العام. هذه النسب المتدنية غير مقبولة.

بتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة بالأدوات المناسبة وتهيئة المكان لهم نضمن استغلال طاقاتهم ومساعدتهم على إطلاق إمكانياتهم للمشاركة الفاعلة في سوق العمل وفي المجتمع. من المهم أن يُنظر إليهم كأفراد متساوين في الحقوق والواجبات وليس كعبء أو فئة مهمشة غير فاعلة في مجتمعاتهم.

التمكين الذي كانت آية تنادي به كان بعيدًا عن الشعارات الفارغة ومقاييس الأداء لبرامج تنمية مستوردة، بل كان نابعًا من تجربة شخصية وإحساس عميق بالمجتمع. نجحت الناشطة والمؤثرة في التعاون مع عدد من المطاعم والمدارس والبنوك وشركات الاتصال والسفارات، كما تواصلت مع عدة منظمات غير ربحية ومراكز أبحاث للمساعدة في إحداث تغيير إيجابي في المجال نفسه.

رحلت آية وقد تركت أثرًا في حياة الكثيرين ممن استفادوا من مبادرتها أو سمعوا عنها. وألهمت مبادرات أخرى مشابهة لتكمل ما بدأت به. على أمل أن تستمر رحلة التغيير التي بدأتها آية وأن نرى الأردن مهيأً بالكامل لجميع فئاته ومكوناته.