«جوافة سحم الكفارات»: بين الحظر الشامل وموجة الحرّ

محصول الجوافة من مزرعة محمود الطوالبة في سحم الكفارات. تصوير مؤمن ملكاوي

«جوافة سحم الكفارات»: بين الحظر الشامل وموجة الحرّ

الثلاثاء 20 تشرين الأول 2020

لم تلبِّ مبيعات الجوافة في الأيّام الأولى من موسمها هذا العام آمال أبو زيد الطوالبة، المزارع في منطقة سحم الكفارات شمال مدينة إربد، إذ جاءت أسعارُها أقلّ مما كانت عليه في العام الماضي. يعزو الطوالبة انخفاض السعر هذا إلى تأخر وصول الجوافة إلى الأسواق المركزية في إربد وعمّان، بسبب حظر التجول الليلي، وحظر التجول الشامل الذي كان مفروضًا على عمّان طوال جمعتين مطلع أيلول. «مشان البضاعة ما تظل عنّا وتخرب، بنبيعها بالخسارة لبياعين البسطات، (..) هي ابني مبسط فيهن الثلاثة [كيلو] بليرة».

تُعرف فاكهة الجوافة المُنتَجة في أراضي لواء بني كنانة المحاذية لنهر اليرموك بأنّها أفضل أنواع الجوافة، إذ ينادى عليها في الأسواق الشعبية بـ«جوافة سحم» أو «جوافة سحمانية»، ما دعا المزارعين إلى زيادة الأراضي المزروعة بالجوافة خلال العامين الماضيين وفق مدير زراعة بني كنانة المهندس عاهد عبيدات.

وبحسب عبيدات، تبلغ مساحات الأراضي المزروعة بالجوافة في بني كنانة نحو 1100 دونم، أي بنسبة تتجاوز الـ1%، في حين يشكل الزيتون نحو 94% وما تبقى من أراضٍ فإنّها للحراج واللوزيات. ويبيّن عبيدات أنّ الدونم الواحد من الأراضي المزروعة بالجوافة ينتج كمية تتراوح بين 2500 و2800 كيلوغرامًا. في حين تبلغ المساحة المزرعة بالجوافة في كافة أرجاء المملكة 10131 دونمًا، تنتج 15014 طنًّا من الجوافة، يحتاج منها السوق المحلي 7306 طنًا، وفق مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة محمد الجمال.

ويضيف عبيدات أن مساحة الأراضي المزروعة في بني كنانة تزداد عامًا بعد عام، على خلاف بقية الأراضي في المملكة، حتى صار المزارعون يستغلّون الأراضي الجبلية لزراعتها بالجوافة. وهو ما يؤكّده رئيس جمعية مزارعي الجوافة توفيق الطوالبة، حيث يشير إلى أن مساحة الأراضي المزروعة بالجوافة في منطقة سحم قد زادت خلال العامين الماضيين بمقدار 200 دونم.

تأثير الحظر الشامل على موسم الجوافة

أجّل فرض حظر التجول الشامل في 21 آذار الماضي تقديمَ الخدمات لأشجار الجوافة من سقاية وتقليم وغيرها نحو 12 يومًا، وهي الفترة التي استغرقها حصول المزارعين على تصاريح تنقّل.

يوضّح أبو زيد أن هذه الأيّام كان من الواجب استغلالها في سقاية الأشجار وتقليمها وفي التعشيب. وللحصول على التصاريح اضطرّ المزارعون، بحسب أبو زيد، للتواصل مع متصرف لواء بني كنانة للمطالبة بتسريع عملية إصدارها للمزارعين الذين لم يحصلوا عليها، خاصةً أنّ المَزارع المحاذية لنهر اليرموك تتطلب تصريحًا أمنيًا على اعتبار أنها منطقة حدودية وعسكرية.

وقد سُمِح بعدها للمزارعين بالنزول إلى أراضيهم، من الثامنة صباحًا وحتى الرابعة مساءً فقط، «ما كنا نلحق نقلّم ونعشّب كم شجرة، إلّا يحكولنا ما ظل وقت استعجلوا. مع هيك قدرنا نلحق الموسم قبل ما يروح علينا».

محمود الطوالبة (أبو طارق) في مزرعته في وادي سحم. تصوير مؤمن ملكاوي.

التأخر في إيلاء الأشجار حقّها من تقليم وسقاية وغيره، يظهر تأثيره على الأشجار خلال فترة القطاف، إذ تختلف نوعية الثمار وتوزيعها على الأشجار، بحسب عبيدات. 

ويضيف: «السنة هاي بكل الثمار اختلفت، وتأخر الزيتون والرمان واللوزيات وكمان الجوافة، لأن الشتوية تأخرت، وأثرت على الإزهار فما شفنا جو دافي غير آخر أربعة أو خمسة». وبناءً على هذا التأخر، يوضح عبيدات أن موسم الجوافة سيمتد حتى نهاية تشرين الأول على الأقل.

في المقابل لم يتأثر محمود الطوالبة، أبو طارق، بالحظر الشامل، لأنه يقيم مع عائلته في المزرعة التي تضم أرضه. وتقع أرضه التي تبلغ مساحتها 14 دونمًا، في وادي سحم بالقرب من نهر اليرموك، وتحوي أشجار الجوافة والتفاح والكاكا والقشطة وغيرها.

يقول أبو طارق إن كل شيء متوفر لديه في المزرعة، لدرجة «بستقبل ضيوفي هون. شو بدي أطلع أعمل بالبلد، بَظلّ هون طول السنة تقريبًا بس بطلع بتفقد الدار فوق وبرجع».

ما الذي يحدد أسعار الجوافة السحمانية؟

يتفق أبو زيد وعبيدات على أنّ تكلفة كيلو الجوافة منذ بدء موسم تسميدها وسقايتها في آذار وحتى القطاف تبلغ نحو دينارٍ واحدٍ للكيلوغرام. 

صُنّفت الجوافة في الموسم الماضي لثلاثة أصناف رئيسة، تراوحت أسعارها بين دينارٍ وأربعين قرشًا، ودينارين ونصف. أمّا «البرارة» وهي الثمار التي تباع بعد وقوعها عن الأشجار، فبيعت بأسعار أقل من هذه بكثير.

أما هذا العام، بيعت الجوافة بأسعار أقل من العام الماضي، وهو ما أثر على أرباح المزارعين. «هاي السنة مرق كم يوم وما حسينا بربح لأنه الكيلو من أول نزوله بروح بليرة و45 قرش، الشعب شكله طفران»، يقول أبو زيد.

تأثّر موسم الجوافة هذا العام بموجة الحرّ التي ضربت البلاد خلال أيلول الفائت، ما أدى إلى سقوط كميات كبيرة، قد تصل إلى نصف المحصول على الأرض، قبل نضوجها، «كل سنة بطلّع من سحم أكثر من 20 طن جوافة (..) السنة إذا طلع ستة [طن] خير وبركة»، يقول أبو زيد. كما يقول المزارعون إن انخفاض الطلب على الجوافة في الأسواق المركزية، خاصةً في عمّان وإربد أثّر على الموسم أيضًا. 

في المقابل، ولأن الكميات التي تنتجها مزرعته أقلّ من الكميات التي ينتجها مزارعون آخرون أراضيهم محاذية لنهر اليرموك، لا يورّد أبو طارق محصوله إلى السوق المركزي، وإنما إلى عددٍ من تجار الفاكهة وأصحاب المحلات التجارية في لواء بني كنانة وإربد.

جمعية مزارعي الجوافة التعاونية. تصوير مؤمن ملكاوي.

ويقلّل من فرص مزارعي الجوافة في سحم الكفارات في تحقيق الربح، استيراد الجوافة من الخارج، لتنافس الجوافة المحلية في السعر، وتخفّض من سعرها، خاصةً أن الجوافة المستوردة تباع في الأسواق على أنها جوافة سحم. بحسب رئيس جمعية منتجي الجوافة أبو عرب الطوالبة. «المواطن الأردني صار يعرف طعم الجوافة السحمانية، وصار بفرق إذا كانت الجوافة محلية أو مستوردة، بس كمان في ناس بتبيعها ع أساس إنها جوافة سحم»، يقول أبو عرب.

وبحسب عبيدات، فإن مديرية زراعة بني كنانة، كانت قد أرسلت لوزارة الزراعة أكثر من مرّة مطالِبة بوقف استيراد الجوافة من الخارج بين شهري آب وتشرين الثاني، ليتسنّى لمزارعي الجوافة بيع محاصيلهم، دون خلق منافسة خارجية.

يوضّح السمسار (أو الكومسيون) أشرف المصري، وهو تاجر مصري يعمل في هذه المهنة منذ 37 سنة، أن المزارعين يصنّفون بأنفسهم بضائعهم الواردة إلى السوق المركزي، فمثلًا إذا أنتجت المزرعة في اليوم الواحد 100 كيلوغرام من الجوافة، تقسم إلى 30 كيلوغرامًا صنفًا أولًا و30 كيلوغرامًا صنفًا ثانيًا، وما تبقى «برارة»، وعلى أساس الثقة بين المزارع والتاجر يُفتَح المزاد فجرًا في السوق المركزي.

ويوضح أنّ بعض المزارعين يضطرون لإدخال بضاعتهم بين العاشرة والثانية ظهرًا بسبب حظر التجول الليلي الذي يمنعهم من الخروج من منطقة سحم، ما يؤثر على جودة ثمار الجوافة التي يختلف لونها حتى ذلك الصباح، وعلى إثر ذلك ينخفض سعر الصنف الأول أحيانًا إلى دينار. 

خسائر موجة الحرّ لم تكن بالحسبان

يوضّح عبيدات تأثير موجة الحرّ على الجوافة، إذ إن ثمار الجوافة بطبيعتها تنضج إلى حد كبير مع الحرارة، فتتحول من لونها الأخضر إلى الأصفر خلال ساعات، وهو ما تسبّب للمزارعين بخسائر كبيرة. يقول أبو زيد إن خسارته هذا الموسم قاربت ستة آلاف دينار، أمّا أبو طارق فلم تقل خسارته عن أربعة آلاف دينار، ناتجة عن فروقات أسعار بين الموسم الماضي والحالي، وعن تراجع الطلب هذا الموسم.

ويأسف عبيدات لعدم شمول هؤلاء المزارعين بصندوق المخاطر الزراعية، ذلك لأنّه مخصص للضرر الحاصل بسبب الصقيع فقط.

بحسب مزارعين، كان من الممكن التقليل من تأثير موجة الحر لو احتوت المنطقة على برّادات، وهي حاويات كبيرة أو مبانٍ تحتوي على أجهزة تبريد لحفظ الفواكه والبضائع المستوردة مدةً أطول. هذه البرّادات كان يمكن لها أن تُمدّد الموسم أو تعين المزارع على الحفاظ على الثمار إلى ما بعد الموسم، وهو ما يمكن أن يضاعف من أرباح المزارعين، إذ يبيعون منتجاتهم خارج موسمها الاعتيادي.

ثمار الجوافة في مزرعة محمود الطوالبة في وادي سحم. تصوير مؤمن ملكاوي.

يبين عبيدات إمكانية بناء البرّادات عن طريق توحيد جهود الجمعيات الزراعية والمزارعين أنفسهم، «البرّاد ممكن نقدر عليه، دار فاضية ومكيفات وندير بالنا عليها. هذا كفيل بتخفيف خسارة المزارعين عن المحاصيل اللي بتظلها واقفة بالسوق وبتصير عرضة للخراب».

ويرى عبيدات أن وزارة الزراعة لا تستطيع تحمّل كلفة نفقات البرادات حتى وإن كانت استثمارية، وأن على المجتمع المحلي تحمّل جزءٍ من المسؤولية في منطقة تزخر بالمزارع والمواسم المختلفة على مدى العام.

في حين يرى أبو عرب أنّ مسألة بناء البرادات واردة في الوقت الحالي، إلّا أنّها تحتاج مواصفات ومقاييس معينة، فضلًا عن ضرورة تشغيل أيدٍ عاملةٍ فيها بعد تجهيزها، وكل ذلك يسبقه تجهيز مبانٍ خاصة، لذلك لا تستطيع الجمعيات الزراعية حديثة الولادة تطبيق بناء البرادات على أرض الواقع.

لا تعويضات لمزارعي الجوافة

يشكو مزارعو الجوافة وغيرها من الأشجار المثمرة في لواء بني كنانة من أن صندوق المخاطر الخاص بوزارة الزراعة لا يشمل حوادث الحريق أو موجات الحر والسيول، وإنما ينحصر بالصقيع الذي يعرّض المحاصيل المزروعة للخطر. وبذا لا يستفيد مزارعو الجوافة من الصندوق، إذ لا يتزامن موسم الصقيع مع موسم زراعة الجوافة. وفي الإجابة على سؤال «لمَ لا يشكّل مزارعو بني كنانة صندوق مخاطر خاصًا بهم؟»، يقول أبو عرب إن المزارعين لا يستطيعون فعل هذا بسبب التزامهم بالنفقات وأوضاعهم المادية التي لا تسمح بدفع مبلغ شهري. «المزارع كمان بشيل من مرابحه للموسم اللي بعده، وكمان بده يصرف ع أولاده»، يقول أبو عرب.

ويشكو أبو عرب ما يقول إنه تقصير من وزارة الزراعة في دعم المُزارعين وتعويضهم عن الخسائر التي تمس محاصيلهم وعملهم، خاصةً أنها سبق أن دعمت المزارعين المتضررين في وادي الأردن عن العاصفة التي حلت بمزارعهم خلال آذار الماضي قبل الإغلاق العام.