غور الصافي: الزراعة في ظل الحظر والكورونا

الثلاثاء 28 نيسان 2020
نصوح الخطبا في مزرعته في غور الصافي.

تُزرع محاصيل الأردن في منطقتين؛ المرتفعة، ووادي الأردنّ. وبالكاد خرجت منطقة وادي الأردنّ الزراعيّة من آثار عاصفة التنين التي ضربتها منتصف آذار الماضي فأتلفت المحاصيل والبنية التحتية للمَزارع فيها، حتى دخلت مثل بقية مناطق الأردن في ظل حظر التجوّل المفروض للحدّ من انتشار فيروس كورونا المستجدّ.

تبدأ هذه الأيّام بعض المحاصيل الناجية من آثار العاصفة بالنضوج في المناطق الجنوبيّة من الوادي، بينما تجري عمليات زراعة لمحاصيل يُنتظر نُضْجها الشهر المقبل، وسط حظر التجوّل الذي فرضَ على العاملين والعاملات في القطاع الزراعي عاداتٍ جديدة، تتعلّق بحياتهم وبزراعة المحاصيل وجنيها.

في غور الصافي الذي يأتي منه معظم محصول الأردن من بعض الأصناف الغذائية، يحاول السُكان نسيان أخبار الوباء ومواصلة حياتهم بين المَزارع والبيوت، بالحد الذي تسمح به الإجراءات الحكومية.

يقع غور الصافي ضمن منطقة وادي الأردنّ، وهو ضمن لواء الأغوار الجنوبيّة الذي يشكّل مع ستة ألوية أخرى محافظة الكرك. ويبلغ عدد سكّانه أكثر 30 ألف نسمة. وفقًا لتقديرات 2019 الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامّة. ويبعد عن العاصمة عمّان 141 كيلومترًا.

ويعتبر قضاء غور الصافي جيب فقر، وهو من أشد مناطق الأردن فقرًا، وترتيبه ضمن جيوب الفقر في المملكة الثالث بين 27 جيبًا، بحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامّة للعام 2010، وهي السنة الأخيرة التي أعلنت فيها الدائرة أرقامًا بهذا الخصوص.

تصريحٌ واحدٌ

بعد العاصفة التي ضربت المزارع آذار الماضي، اجتهد مزارعو البطيخ في غور الصافي لأجل إدراك ما تبقى من المحصول من خلال تزويده بالمنشطات والأسمدة والكيماويات، وإعادة بناء البنى التحتيّة للمزارع، من أجل إنتاجه ولو متأخرًا عن موعده عدة أيّام.

على بعد كيلومترات قليلة جنوب غور الصافي جرت العادة من قِبل مزارعين ومنهم نصوح الخطبا أن يبدأ جَنيُ البطيخ من منتصف نيسان، لكنَّ البطيخ ظلّ غير ناضج حتّى يوم 21 نيسان في مزرعة الخطبا الممتدة على مساحة 90 دونمًا تقريبًا. «إرادة ربّنا تدخلت، وعاد المحصول إلى طبيعته نوعًا ما، [لكن] هذا الكلام أخذ منّا جهود كثيرة ومصاريف كثيرة»، يقول الخطبا.

بدأ الخطبا التجهيز للزراعة منذ اليوم الأوّل من شهر أيلول «البطيخ بيوخذ شوط طويل من التجهيز»، لتبدأ زراعته نهاية شهر كانون الأول: «بظلّ أشتغل عليه وأخدمه لغاية ما ينتج المحصول»، منتصف نيسان تقريبًا. 

نهاية الشهر الماضي، وقد كان قرار حظر التجوّل نافذًا لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجدّ، اضطر شقيق نصوح، عطا الخطبا أن يتنقّل بباصه الصغير لجلب البنزين والديزل لتشغيل آلة رشّ المحصول، بالكاد وصل عطا محطّة محروقات قريبة حتّى أوقفته الشرطة، يقول عطا «لقيت الدورية قلتله بدي أجيب جركن [صفيحة بنزين] لا خاش مجمع سكّاني ولا بدي أسلّم على حدا، أنا صاحب مزرعة على الكازية هان» لكنهم حجزوا باصه، وطلبوا منه العودة مشيًا.

لم يستطع أحدٌ من أخوة نصوح مواصلة الاعتناء بالمحصول، إذ حصل شخصٌ واحدٌ من العائلة على تصريحٍ للتنقل وهو الأب أبو علي الخطبا (73 سنة) الذي يقول: «التصريح ما يفيدني، بدي 6 تصاريح». 

علي ونصوح الخطبا يتناولان البطيخ، والسبعيني أبو علي الخطبا. تصوير عمار الشقيري.

مرّت عملية منح التصاريح للقطاع الزراعي بعدّة مراحل، بدأت في الأيّام الأولى من الحظر بمنع الجميع من التنقل، ثم فتح باب التصاريح لعددٍ محدودٍ من المزارعين. تداركت الوزارة هذه المشكلة، وسمحت للمزارعين بإصدار تصاريح، لكن ظل القطاع يشتكي بين فترة وأخرى من وجود عشوائيّة في منح التصاريح. يُرجع أمين عام اتحاد المزارعين محمود العوران مشكلة عشوائيّة التصاريح «لغياب قاعدة البيانات» لدى الجهات الرسمية حول المزارعين في الأردن. 

وفقًا لآلية الحصول على التصاريح الخاصة بالاستثناء من فرض حظر التجوّل، يُمنح المزارعون الذين لا تزيد مساحة الأراضي المزروعة لديهم عن 200 دونم تصريح مرور واحد. وهو ما يجعل مزرعة الخطبا التي تبلغ مساحتها 90 دونم من ضمن المزارع التي يحق لها الحصول على تصريح واحدٍ فقط. يعلّق أمين عام اتحاد المزارعين محمود العوران على آلية منح التصاريح «بعد ما أعطوا تصاريح للمزارعين، شو يسوي [المزارع]؟، قديش بده يلقط؟، بدي عمّال. وينهم العمّال؟ منا قادر أجيبهم».

يقول الناطق باسم وزارة الزراعة لورنس المجالي لحبر إن الوزارة منحت مؤخرًا تسهيلات خاصّة للمزارعين فقط لضمان حرية الحركة من الساعة السادسة صباحًا وحتى الرابعة مساءً «التحرّك بالبكمات. يقدر يطلع بدون تصريح بس شرط ببكم».

وقد وصل عدد التصاريح الممنوحة للقطاع الزراعي حتى يوم 26 نيسان 30 ألف تصريح، وفقًا للمجالي.

تقيس وزارة الزراعة الإنجاز بمدى استدامة تدفق المحاصيل إلى السوق المركزيّ، إذ يقول المجالي لحبر إن استدامة الإنتاج في القطاع الزراعي لم تتأثر نهائيًا ولو في يوم واحد، وأنَّ الفيصل في عمل وزارة الزارعة هو الكميات الواصلة للسوق المركزي، «لو يوم واحد الوارد أقل من حاجة السوق لكنا فشلنا». وحول بعض الأخطاء خاصة فيما يتعلّق بمنح التصاريح يقول «ما في دفتر ننقل منه، كل إلي بنسويه اجتهادات من أول يوم حتى هذا اليوم، ما في أزمة سابقة وقيم فضلى نرجع إلها ونقيس عليها». 

يُضمّن نصوح الخطبا الوحدات الزراعيّة المزروعة بالبطيخ لعمّال يقومون بجني المحصول وإيصاله للسوق، الأمر الذي لا يضطرهم لجلب عمّال لجني المحصول، وإن اضطروا لجلب عمال لا يحتاج محصول البطيخ لعمال كثيرين مثلما يحصل عادةً مع محاصيل أخرى مثل البصل الذي يتحرّك عمّال المياومة المختصون بجنيه بحذرٍ هذه الأيّام هروبًا من أعين دوريّات الشرطة التي بدت تتساهل مؤخرًا. 

بين الأفاعي 

يبلغ عدد العاملين في القطاع الزراعي في وادي الأردنّ 33470 عاملًا وعاملة بين أردنيّ وغير أردني، منهم 8217 عاملة بين أردنيّة وغير أردنية.

يبدأ يوم عمّال المياومة في جني البصل باكرًا، مع ساعات الفجر، تقريبًا مع الساعة الخامسة، بهدف الانتهاء من العمل قبل ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة. منذ أكثر من أسبوعين يخرج محمَّد عبد الحافظ مع مجموعة عمّال للعمل في مزارع البصل في غور الصافي «بطلع من هان على الخمسة ونص الصبح، يجينا باص ونطلع، بلمنا وبنروح على المزرعة بنشتغل وبنرجع، بنروح حسب شغلنا؛ لأنه إحنا مقاولات، بتسوي 30 شوال وبتروّح، في ناس بتخلّص على التسعة ونص، وفي ناس على العشرة، وفي ناس على الـ12، وقت ما تخلص الله يسهل عليك».

مع الظهيرة، وعندما ترتفع الشمس يأتي باص صغير ويأخذ عمّال المياومة إلى بيوتهم إذ تصير ظروف العمل مستحيلة هناك خاصة كلما تقدمت الأيّام باتجاه فصل الصيف حيث ترتفع درجات الحرارة ويكون البصل ملجأً مناسبًا للأفاعي، الأمر الذي يرفع من خطورة العمل. أثناء تواجدنا في غور الصافي لغايات إعداد هذا التقرير كان الحديث في المنطقة ينتشر عن إصابة أحد العاملين بلدغة أفعى، وهي أخبار تتكرّر كل سنةٍ بين العاملين في القطاع الزراعي في تلك المنطقة في هذا الوقت من السنة.

لا يملك هؤلاء العمّال تصاريح تنقل بين بيوتهم والمزارع التي يعملون بها، «بيكون في دوريات، بس إحنا نطلع من البلد من هون، الأرض داخل الصافي، بس بعيدة شوية» يقول عبد الحافظ. في الفترة الأخيرة صار أصحاب المزارع يطلبون من العمّال التعجيل بالعمل وجني المحاصيل، «يطلب تستعجل، مشان يقدر يطلّع السيارة بكير وتلحق تنباع [بالسوق]». 

في الوقت نفسه، تجري هذه الأيّام عمليات التحضير لزراعة الملوخيّة، وهي تقتصر على عدد قليلٍ من زارعيها «بس جوزي أخذ تصريح، بروح وبييجي عادي، إحنا [بنزرع] أنا وولادي وجوزي». تقول أم محمَّد الخنازرة.

تخرج أم محمد الساعة السادسة وتعود منتصف النهار «على الـ(12) بنكون مروحين، يعني إحنا النسوان عادي بنروح وبنروّح ما علينا إشي، هم بركزوا على الرجال». تقول أم محمد إن المشكلة تكمن في المواصلات «أحيانًا نتغلّب بالمواصلات عشان السيارات معهمش تصاريح». تتوقع أم محمَّد أن يبدأ قطف الملوخية مع حلول شهر حزيران. أمّا الآن فتنتظر مع مزارعات وعاملات من الغور نمو محصولهنّ، وفي حال وجدن عملًا في محاصيل أخرى لن يرفضنه. تقول أم محمد: «لو صحلنا شغل بصل بنطلع، والله خطر، والله شوب وبيطلعن [الأفاعي]».

 «الواحد إيده على قلبو» 

على مدخل بلدة غور الصافي، مجموعة بكبات لنقل المحاصيل الزراعيّة من غور الصافي إلى السوق المركزي للخضار والفواكه في عمّان، يجلس زكي حمايدة يقشّر حبّة شمّام «خذ هاي زاكية». «كنت أرمي خمس نقلات [بالأسبوع]»، يقول الحمايدة، لكن وفي ظلّ الظروف التي تعيشها الأردن تقتصر رحلات الحمايدة من الأغوار إلى السوق المركزي على نقلة أو نقلتين بالأسبوع: «الناس بطّلت تودي على السوق زي أوّل، وتعطّل الجمعة والسبت [بسبب] الحظر الكامل».

يُعيل الحمايدة أربعة أولاد مما يتقاضاه أجرة نقل الخضار إلى عمّان بسيّارته، إذ يتقاضى بين 80-90 دينارًا على النقلة الواحدة، يدفع منها بين 40-50 دينارًا ثمنًا للوقود. ومع انخفاض عدد النقلات، وبالتالي انخفاض دخله يقول «المحروسة [السيّارة] والأجاويد يصرفوا على الولاد».

ومع تعديل إدارة السوق المركزي في عمّان لساعات الدوام ليصير الوقت الوحيد لاستلام المحاصيل من الساعة العاشرة مساءً إلى الرابعة فجرًا، صارت الرحلات مرهقةً جسديًا له. إذ يجبر هذا الأمر الحمايدة على الخروج متأخرًا من الأغوار، إذ تستغرق الرحلة من الأغوار إلى السوق المركزي حوالي أربع ساعات. ويمضي وقته بانتظار الدور وإفراغ حمولته في السوق ثم يعود مع ساعات الفجر الأولى «أنا بطلّت أنام» يقول. «بدنا يقللوا الوقت، يصير الساعة أربعة [يستقبلوا المحاصيل]».

وطيلة هذا الوقت، يظل خائفًا من أن تتعطّل سيارته «التويوتا ديانا» موديل 1996. بالعادة يخرج سائقو سيّارات نقل الخضار في مجموعاتٍ لتفادي انقطاع أحدهم لو تعطّلت سيّارته. لكنَّ الحمايدة يخرج وحده في هذه الرحلات.

في الأوقات التي يتحرّك فيها الحمايدة ليلًا تكون محطات المحروقات مغلقة إذ تفتح بين الساعة العاشرة والسادسة مساءً. «بنلاقيش ديزل، في كازية عند السوق يخلوها فاتحة، الكازيات تسكر الساعة 6 إذا روحت ومعكيش ديزل انقطعت. أنا اقترح الكازية إللي عند الحسبة تظل فاتحة بفلل هون وبس أصل بيفضى». 

زكي الحمايدة في سيارته «التويوتا ديانا». تصوير عمار الشقيري.

في المساء

تبدأ الحياة في غور الصافي مع ساعات المساء، العاملات يَعدن إلى بيوتهنّ وتبدأ مع ساعات الغروب عمليات رشرشة فناءات البيوت بالماء، كشيشة حمامٍ يراقبون حمامهم الذي تزاحمه في السماء طائرات الأطفال الورقيّة. ومجموعة رياضيين يسرعون في الركض وسط البلدة قبل دخول الساعة السادسة موعد الحظر، يعود العامل عبد الحافظ إلى بيته مع أولاده، «ما ينفع التدريس عن بعد، الولاد ما تقدر تربطهم قدام التلفزيون، بالمدرسة ومعهم معلم ويلا يلّا». أما المزارع علي الخطبا الذي زرع لنصوح الخطبا مزرعتهُ فينتظر حصتهُ البالغة 15% من ضمان الوحدة الزراعيّة التي ضمّنها نصوح بـ(14) ألف دينار، وكلّفته 13 ألف دينارًا، سينتظر علي حصته البالغة بين 1400-2100 دينار عن السنة كاملة «هذول عن سنة كاملة، [من شهر 9 لشهر 4]. بالصيف ما بي شغل». 

وسينتظر نصوح وأخوته والمزارع إلى شهر أيلول المقبل موعد البدء بزراعة البطيخ، «زراعة ما في، بدي أظل للسنة الجاي لسّة مشان أبدأ مشواري من جديد حتّى أقدر أسكّر خسارة هذا الموسم». يقول نصوح.


هذا التقرير جزء من مشروع «عيون» للصحافة المحلية الذي تنفذه حبر وشبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج).