صورة مدخل الطوارئ في البشير

«طوارئ البشير»: المرضى والعاملون ضحايا لاختلال السياسات

المدخل الرئيسي لمستشفى الطوارئ في مستشفيات البشير. تصوير مؤمن ملكاوي.

«طوارئ البشير»: المرضى والعاملون ضحايا لاختلال السياسات

الأحد 26 كانون الأول 2021

الثامنة ليلًا أمام مستشفى «طوارئ وإسعاف البشير». هواء بارد، وكانت قد أمطرت قبلها بقليل، وفي بقايا مياه الأمطار على الأسفلت المقابل للمدخل، كانت تمور بعنف انعكاسات أضواء كشافات المركبات المتدافعة أمام المستشفى. ففي اللحظة نفسها كانت تقف أربع سيارات إسعاف، أنزل مسعفوها المرضى على نقالات، وسيارة تاكسي نزلت منها امرأتان تعاونتا بمشقة على إخراج امرأة مسنة من المقعد الأمامي إلى كرسي متحرك. وكانت هناك زنزانة متنقلة تابعة لمديرية الأمن العام، نزل منها سجين يمشي ثقيلا وهو مقيد المعصم إلى شرطي، وسيارة بكب نزل منها شاب، ثم سحب منها شابا آخر في حالة تشنج، حمله بين ذراعيه، واندفع به مرعوبًا خلال المدخل إلى الأقسام الداخلية، متجاوزًا من ذهوله النقالة التي جاء بها إليه أحد عمال الخدمات في المستشفى. إضافة إلى كل هؤلاء، كانت السيارات، والتي كانت في الغالب سيارات أجرة، تتوافد وتنزل الناس؛ نساءً ورجالا وأطفالا ينطلقون راجلين جماعات إلى الداخل.

إنه «الشِّفت B»، أكثر أوقات الدوام اكتظاظًا، يقول العاملون في الطوارئ، حيث تبدأ في العادة فترة ذروة من ضغط المراجعين عند السابعة أو الثامنة مساءً، وتستمر إلى الحادية عشرة ليلا إذا كان الفصل شتاءً. وإلى الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل صيفًا. ويرتفع الضغط بشكل استثنائي أيام العطل الرسمية.

وفق إحصائيات وزارة الصحة، تلقى «طوارئ البشير» خلال العام 2020 ما مجموعه  540 ألف زيارة تقريبا. وارتفع العدد هذه السنة، فحتى نهاية تشرين الثاني الماضي تلقى  570 ألف زيارة تقريبًا، بمعدل 1600 زيارة يوميًا تقريبًا.

عند الدخول من البوابة التي تقود إلى الأقسام الداخلية للطوارئ، بعد اجتياز المدخل وعشرات المصطفين في طابور أمام نافذة التسجيل في قاعة الاستقبال، يُصدم الداخل بالضجيج؛ حركة الكوادر الطبية، والمرضى ومرافقيهم، وعمال شركات الأمن والخدمات، وأصوات الأجهزة الطبية في الأقسام. في معظم الأقسام لم يكن هناك أكثر من طبيبين أو ثلاثة مع اثنين من التمريض، يكونون إما على الأسرّة يتعاملون مع المرضى، أو خلف طاولات الأقسام يتعاملون مع مرافقيهم.

كل من تراه العين في المكان، يقول إن هذا مستشفى للفقراء؛ كان محمد ممددا على نقالة أمام قسم الأشعة يرجو إعفاءه من كلفة الصور التي طلبها الطبيب، وفي قسم الباطني يقف نبيل بمحاذاة سرير يستلقي عليه ابنه الذي يعاني من مغص كلوي بانتظار أن يشغر له سرير في المستشفى. ونور، الأم الشابة، جاءت تشكو من ألم في خاصرتها، وهي في الانتظار تركت سريرها في الطوارئ لطفلتيها (8 أشهر و3 سنوات) اللتين اضطرت لجلبهما معها، والعراقية أميرة كانت تدفع كرسي زوجها الذي يعاني من أعراض جلطة، وأخبرها الأطباء بعد فحصه أنه بحاجة لقسطرة لا تملك كلفتها بعد أن استنفد زوجها مخصصاته الطبية في المفوضية السامية للاجئين.

الحالات غير الطارئة تستنزف الطوارئ

عدد مراجعات «طوارئ البشير» هو الأعلى من بين كل مستشفيات وزارة الصحة. فالمستشفى الذي يخدم ملايين القاطنين في نطاق خدماته هو أيضًا مستشفى مركزي تحوّل إليه الحالات من كل أرجاء المملكة، يقول مديره الدكتور عماد أبو يقين. وتقدم خدمة الرعاية فيه للمراجعين بغض النظر عن التأمين الصحي أو الجنسية، وهي رعاية مجانية في الحالات الطارئة، ويشمل ذلك الفحوصات.

التحدي الأكبر، بحسب أبو يقين، هو تطوير الإجراءات التي تسهل مهمة الكوادر الطبية القليلة لتقديم الرعاية الصحية لهذه الحشود. لكن بشكل عام، يقول إن الوضع تحسّن نسبيا بعد افتتاح المبنى الجديد لمستشفى الإسعاف والطوارئ، الذي يفوق بكثير في مساحته وعدد أسرته وتجهيزاته مبنى الطوارئ القديم.

افتتح المبنى الجديد في آب 2020، ويقع على مساحة 21 ألف متر مربع، ويضم 160 سريرًا، مقارنة بالمبنى القديم الذي أنشئ في الثمانينات على مساحة 2000 متر مربع تقريبًا، وكان يضم 45 سريرًا. بدأ المستشفى الجديد باستقبال مرضى الطوارئ نهاية تشرين الثاني من العام نفسه، بعد أن خُصّص بداية عمله لمرضى كورونا. ويضمّ، بحسب أبو يقين، أقسامًا للتصنيف والحالات الحرجة وغير الحرجة والجراحة والباطني والعظام والعيون والعناية المتوسطة والعزل وغرفة عناية مركزة.

المدخل الرئيسي وقسم الاستقبال في المبنى الجديد لطوارئ البشير.

راجعت السبعينية فادية ناصر الطوارئ القديم طوال حياتها، وتقول إن الفرق شاسع بينه والجديد، في ما يتعلق باتساع البناء والحداثة والنظافة، وترى أن المشاهد المهولة لاكتظاظ الناس التي كانت سمة «الطوارئ» القديم انحسرت في المبنى الجديد. كانت ناصر مرافقة لزوجة ابنها نور، التي جاءت تعاني من ألم في بطنها. بعض نتائج فحوصها كان قد ظهر، وفي انتظار نتائج البقية كانت تتكئ بإعياءٍ على حافة سرير الطوارئ الذي تركته لطفلتيها اللتين اضطرت لجلبهما معها، لأنه لا أحد تتركهما لديه.

رغم أن ناصر أشارت  إلى أن الفرق الأبرز بين الطوارئ القديم والحديث هو انحسار مشاهد الاكتظاظ، إلا أن هذا لم يعنِ أن هذه المشكلة قد حلّت، لأن رفع الطاقة الاستيعابية للمستشفى الجديد، بحسب أبو يقين، ما زالت غير متناسبة مع أعداد المراجعين. في الحقيقة، يقول، إن هناك حاجة إلى ما لا يقل عن مستشفيين كهذا للتمكن من مواجهة حشود المراجعين.

يمكن القول إن انحسار مشاهد الاكتظاظ يعود إلى توزّع المراجعين في المبنى الجديد على مساحة أوسع بكثير. وبعد عام على بدء الطوارئ الجديد في العمل من أجل الهدف الذي أنشئ من أجله، لا يبدو أن الاختلالات التي رافقت أداء الطوارئ القديم، قد حُلّت جذريا، بل هي -كما سيظهر هذا التقرير- رُحّلت منه إلى المبنى الجديد. إنها اختلالات يقع على رأسها، إضافة إلى نقص الكوادر الطبية والأسرّة، الكم الهائل من الحالات غير الطارئة التي تراجع يوميا الطوارئ، في حين أن مكانها هو المراكز الصحية. حالات يقول العاملون إنها تستنزف موارد المستشفى المفترض أن تذهب حصرًا للحالات الطارئة.

وفق إحصائيات «الصحة» شكّلت الحالات غير الطارئة عام 2020 ما نسبته 62% تقريبا من مجمل زيارات الطوارئ، في حين بلغت حتى نهاية تشرين الثاني للعام الحالي ما نسبته 57% تقريبًا. وقد يبدو أن النسبة المرتفعة للحالات غير الطارئة في العامين الأخيرين، مرتبطة بوباء كورونا، والتعقيدات التي رافقت تقديم الرعاية الطبية في القطاع العام، حيث أن النسبة أعلى من غيرها في السنوات السابقة، لكن أرقام وزارة الصحة تكشف -مع ذلك- أن مراجعة الحالات غير الطارئة لطوارئ البشير هي في الحقيقة ظاهرة سابقة كثيرًا لزمن كورونا؛ ففي العام 2019 مثلًا كانت نسبتها حوالي 46%،[1] كما أن متوسط نسبة الحالات غير الطارئة في الأعوام 2000-2019 هي حوالي 37%.[2] 

في قسم إسعاف الأطفال، كان الطبيب علي شخاترة، وهو مقيم سنة ثانية أطفال، أحد طبيبين مناوبين في القسم، إذ يغطي الطوارئ إضافة إلى مقيمي الإسعاف والطوارئ مقيمون من شتى التخصصات. كان شخاترة يفحص رضيعًا على السرير جاءت به والدته لأنه لم يكن يكف عن البكاء. في حين كانت الأختان آلاء ودعاء محمد تنتظران مع أطفالهما الخمسة في القاعة نفسها بانتظار أن يفرغ لهما أحد الطبيبين. اتضح أن طفلتي آلاء ودعاء اللتين جاءتا لعلاجهما تعانيان من الرشح. وهذه تقريبا، يقول شخاترة، هي معظم الحالات التي تأتي إلى القسم؛ أمراض الجهاز التنفسي العلوي. أما الرضيع فكان يعاني من الغازات.

طغيان الحالات غير الطارئة في أقسام الطوارئ تشمل معظم مستشفيات وزارة الصحة، وقد بلغت نسبتها حوالي 61% في العامين 2019 و2020.

يقول شخاترة، الذي بدأ العمل في الطوارئ في تشرين الأول الماضي، إن كل هذه الحالات تنتمي إلى المراكز الصحية، لا إلى الطوارئ، وتشكل في قسم الأطفال أكثر من نصف الحالات التي يتعامل معها يوميًا، وهي تستنزف الكثير من جهده، وتأخذ الوقت المفترض أن يذهب حصرًا لحالات طارئة بالفعل، مثل أطفال يعانون من تشنجات أو حموضة في الدم أو هبوط في السكر. لكن الطبيب في النهاية، يقول، مضطر للتعامل مع أي طفل يأتي إليه كي يعرف ما به، بغض النظر عن حدة الحالة، ولأنه يكون أيضًا تحت ضغط هائل من الأهل القلقين على طفلهم. وهذا أمر يقول إنه يستنزفه ذهنيًا لأنه يظل يفكر أن هناك من بين الأطفال المنتظرين من «وضعه سيئ، ودقايق بتفرق معاه». إضافة إلى ذلك، يقول شخاترة إن اختلاط الحالات في القسم يشكل خطرا على الأطفال المراجعين أنفسهم، فطفلٌ مصابٌ برشح عاديّ قد يعود بعد أيام ملتقطًا عدوى خطيرة.

في قسم الباطني، كان الطبيب سفيان العواودة يشكو الأمر نفسه. كان المكان يضج بالمراجعين ومرافقيهم، منهم من كان على الأسرّة، في حين تحلق حول العواودة مجموعة ممن تلقوا الخدمة ليطلعوه على نتائج فحوصاتهم ويسألوه عما يجب أن يفعلوه لا حقًا، فهو «Senior» القاعة؛ أي الطبيب الذي يشرف على الإجراءات العلاجية المتخذة. يقول العواودة، وهو مقيم إسعاف وطوارئ «مؤهل»[3] بدأ خدمته في طوارئ البشير العام 2012، إن معظم الحالات التي مرت عليه منذ الصباح هي من اختصاص المراكز الصحية، منها على سبيل المثال حالة مريض كان العواودة يمسك نتائج فحصه، قال إنه يعاني من ارتفاع ضغط الدم، فأجريت له الفحوصات، وأعطيَ دواءه، ووضع تحت المراقبة لساعتين استقرت فيهما حالته، والآن سيرسل إلى المنزل مع توجيهات بأن يتابع مع المركز الصحي الذي يتبع إليه. هذه العملية، يقول العواودة، كان يفترض أن تتم في المركز الصحي، لكن المريض جاء وحجز سرير طوارئ ووقتَ وجهدَ طبيبٍ ليحصل على خدمة كان من المفترض أن تذهب إلى حالة طارئة.

يقول شخاترة إن «ثقافة الناس» هي ما يدفعهم لتفضيل التعامل مع الطوارئ على المراكز الصحية. عبارة «ثقافة الناس» كانت القاسم المشترك بين الغالبية الساحقة من المقابلات التي أجريت مع أطباء وممرضين في إطار الإعداد لهذا التقرير لتفسير توافد الحالات غير الطارئة على المستشفى. لكن الأختين آلاء ودعاء كان لهما دفاعهما.

لدى آلاء طفلتان، ولدعاء أربع أطفال. تقول الاثنتان إنهما تراجعان المراكز الصحية منذ سنوات، وما يدفعهما للقدوم إلى الطوارئ هو أنهما لا تتلقيان الخدمة المرجوة في هذه المراكز. تقول دعاء إنها قبل أن تأتي إلى الطوارئ هذه المرة، أخذت طفلتها بالفعل إلى المركز الصحي الشامل، ووصف لها طبيبه كورس مضاد حيوي أنهته الطفلة دون أي تحسن، وعندما عادت للطبيب أعاد وصف العلاج نفسه. مضيفةً أن هذه القصة تتكرر باستمرار، وهو ما يعيدها في كل مرة للطوارئ. توافقها على ذلك آلاء التي تقول إن «الدكاترة هون أشطر»، فلها هي أيضًا تجارب سيئة مع المراكز الصحية بما يتعلق بدقة تشخيص الحالات المرضية لطفلتيها، يضاف إلى ذلك إشكاليات تتعلق بإجراء الفحوصات في المركز الصحي.  

من قسم الحالات الحرجة (أعلى)، وإسعاف الباطني، وأحد الممرات في مستشفى الطوارئ في «البشير».

 

لقد أشار تقرير سابق لـ«حبر» إلى الاختلالات التي تعاني منها المراكز الصحية في مختلف أرجاء المملكة بما يتعلق بتأهيل الأطباء في المراكز الأولية، ونقص الأخصائيين في المراكز الشاملة، إضافة إلى إشكاليات تتعلق بتوفر الفحوصات، ما يتسبب بإزاحة العبء المفترض أن تنهض به هذه المراكز ليثقل كاهل المستشفيات.

«طوارئ البشير» هو التطبيق العملي لذلك. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ظاهرة طغيان الحالات غير الطارئة في أقسام الطوارئ، تشمل معظم مستشفيات وزارة الصحة. وفق بيانات وزارة الصحة عن 30 مستشفى، فإن نسبة الحالات غير الطارئة زادت عن 50% من مراجعي الطوارئ في 21 مستشفى عام 2019، وفي 24 مستشفى عام 2020. في حين بلغت نسبة الحالات غير الطارئة في كل المستشفيات حوالي 61% في العامين 2019 و2020.

هناك محاولات للتعامل مع هذا الوضع في البشير، يقول أبو يقين، فقد مُدّد دوام عدد من المراكز الصحية -أحدها مركزٌ أوليّ- إلى الساعة العاشرة ليلا في المناطق التي يأتي منها مراجعو المستشفى، وهي النصر والجوفة والعودة وأبو نصير. وهذا يثبت فداحة المشكلة، ذلك أن بعض مراجعات الطوارئ، بحسبه، يمكن بالفعل معالجتها في مركز أولي.

بالتوازي مع تمديد دوام مراكز صحية، طُبّقت قبل ثلاثة أشهر تقريبا آلية جديدة لتصنيف الحالات قبل توزيعها على الأقسام المختصة في الطوارئ، بحسب أبو يقين. فعملية التصنيف، التي كانت تتم  سابقا بواسطة التمريض، أصبحت تتم بواسطة طبيبيْ طوارئ وممرض. وتهدف أولا إلى ضمان أن تعطى الحالات الأكثر حراجة الأولوية في تلقي الرعاية الطبية، وثانيا إلى توجيه الحالات غير الطارئة للعودة إلى المراكز الصحية، في حال كانت هذه مفتوحة.

يقول الطبيب أحمد رسمي، وهو مقيم مؤهل، إنه في ما يتعلق بفرز الحالات الأكثر خطورة عن غيرها، فإن هناك تحسنًا ملموسًا ساعد عليه، إضافة إلى الآلية الجديدة في التصنيف، تركيبة المبنى الجديد المقسم إلى عدد كبير من القاعات المتخصصة. لكن في المبنى القديم، كان رسمي يدخل إلى القاعة التي تتجمع فيها الحالات، وقد اختلط المطعون مع المصاب بحادث سيارة مع المصاب بمغص كلوي. ويقول إنه كان يأخذ وقتا في تأمّل المرضى ليحدّد من أين يمكن أن يبدأ.

في ما يتعلق بالهدف الثاني من عملية التصنيف وهو إعادة الحالات غير الطارئة إلى المراكز الصحية، يقول أبو يقين إن اعتياد الناس على تلقي الخدمة، حتى لو لم تكن الحالة طارئة، هو وضع مستمر من سنوات طويلة، ولا يمكن معالجته في أشهر قليلة، لهذا يسعون في الطوارئ لتطبيق هذا النظام بالتدريج.

من هنا، فإن تدفق الحالات غير الطارئة ما زال مستمرا، كما أجمع كل من قابلناهم من عاملين، وهم مضطرون للتعامل مع كل من يأتي. يقول العواودة إن الأطباء يوجهون المراجعين للذهاب إلى المراكز الصحية، لكن هذا يحدث بعد تقديم الرعاية الطبية لهم، لا قبلها.

المرضى العالقون في الطوارئ

كان نبيل حسن يساعد ابنه مهند على الصعود مجددًا إلى سريره، بعد أن ساعده على دخول الحمام. لقد جاء به إلى الطوارئ في الليلة السابقة، واتضح بعد الفحوصات أنه يعاني من مغص كلوي. يقول نبيل إن الأطباء قرروا إدخال ابنه إلى المستشفى، لكنه باقٍ في الطوارئ لأن لا أسرة شاغرة.

لم تكن هذه الحالة الوحيدة التي تبقى في قسم الطوارئ نتيجة عدم توفر أسرة. في القسم نفسه أمضت أميرة عباس ليلتين على الأرض عند سرير زوجها مريض القلب حسين وهيب (60 عامًا) قبل أن يشغر له سرير في قسم أمراض القلب. الاثنان عراقيان مسجلان في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وكان زوجها قد أصيب بأعراض جلطة وهما في البيت، فطلبت له سيارة دفاع مدني نقلتهما إلى أقرب مستشفى، وكان خاصًا. وهناك رفض قسم الطوارئ استقباله، بعد أن عرفوا أنها لن تدفع نقدًا، وأبلغوها أنهم «ما بتعاملوا مع المفوضية». فحملت زوجها في سيارة تاكسي إلى طوارئ البشير، وهناك قرر الأطباء بعد فحصه دخوله، لكن سريرًا لم يشغر له إلا بعد يومين من حضورهما.

أميرة وزوجها حسين في مستشفى البشير.

لقد سبقت الإشارة إلى أن الطوارئ يقوم بعمل المراكز الصحية، والآن فإن بقاء المرضى، الذين تقرر دخولهم، في الطوارئ إلى حين توفر أسرة لهم هو مثال على عبءٍ آخر ينهض به «طوارئ البشير» بالنيابة عن جهة أخرى، هي هنا المستشفى الأم.

يقول الطبيب رياض حميدي، وهو مقيم مؤهل يعمل في طوارئ البشير منذ ست سنوات، إن مدة بقاء المريض في الطوارئ لا يجوز أن تتجاوز أربع أو خمس ساعات، ويفترض بعدها أن تكون مهمة طبيب الطوارئ مع المريض قد انتهت، فإما يخرج إلى منزله أو يدخل إلى المستشفى ليستكمل الأخصائيون علاجه. ما يحدث فعليا، يقول حميدي الذي كان مناوبا في قسم الحالات الحرجة، هو أن بعض المرضى يبقون لمدة قد تتجاوز الأسبوع لأنه لا أسرّة لهم في الأقسام المتخصصة. قسم الحالات الحرجة مثلا، بحسب حميدي، يعمل الآن عمل قسم العناية المركزة بالضبط، حيث يبقى فيه المرضى الذين لا أسرّة لهم في قسم العناية المركزة. وإضافة إليه، فإن أقسام الطوارئ التي تعاني أكثر من غيرها بسبب هذه المشكلة هي «الجراحة» و«الباطني».

يُذكر أن في مستشفى البشير 1037 سريرًا، تشكل حوالي 20% من مجموع أسرة مستشفيات وزارة الصحة.[4] وأدخل إليه عام 2020 ما يقرب من 80 ألف مريض، يشكلون حوالي 24% من مجموع حالات الدخول في كل مستشفيات الوزارة.

هذا النوع من الحالات وصفها المدير السابق لـ«طوارئ البشير»، عقاب الرواحنة، بـ«المرضى العالقين في أروقة الطوارئ». قال الرواحنة في مقابلة تلفزيونية، إن متوسط عدد هؤلاء يبلغ يوميًا بين 30-40 مريضًا، بل إن العدد وصل في أحد الأيام إلى 79 مريضًا كان من بينهم حالتان في قسم الأطفال. إنها حالات، يشرح الرواحنة، لا يسمح نظام التأمين الصحي بتحويلها إلى مستشفيات القطاع الخاص، ذلك أن النظام يمنح هذه الميزة لمؤمني الدرجتين الأولى والثانية فقط. وبحسبه، فإن هذه مشكلة كبيرة يعاني منها مستشفى الطوارئ، ليس فقط لأن هؤلاء يشغلون أسرة يجب أن تستقبل حالات جديدة، بل أيضا لأن مريض الطوارئ الذي يبقى فيها لأكثر من أربع ساعات، يجب أن يبدأ تنفيذ خطة علاجية له، وهو ما لم يكن يحدث.

بُثت المقابلة مع الرواحنة نهاية أيلول الماضي، وقد تغير الوضع حاليًا في ما يتعلق بخطط علاج «العالقين في الطوارئ». كانت الثامنة ليلا عندما أوقفت هيفاء الربيعية الطبيب رسمي، وشكت له أن والدها (70 سنة) مريض القلب، والذي اجتاز من وقت قريب إصابته بكورونا، راقد منذ الصباح على سريره في الطوارئ في حالة سيئة، رغم أن الأطباء قرروا دخوله. شرح لها رسمي أن نظامًا جديدًا بدأ تطبيقه يتم بموجبه التعامل مع أقسام الطوارئ كما لو أنها أقسام دخول؛ أي أن أخصائيين يتابعون يوميًا حالات هؤلاء، ويقدمون لهم العلاج نفسه، كما لو كانوا داخلين المستشفى، إلى حين توفر أسرة ينقلون إليها.

قال رسمي لـ«حبر» إن هذا النظام جاء استجابة لمشكلة نقص الأسرّة، وهو مطبق على كل أقسام الطوارئ، إلا قسم الحالات غير الحرجة، إذ هو القسم الوحيد الذي لا يزوره أخصائيون.  

وفق تقديرات رواحنة، فإن قرابة ثلث الطاقة الاستيعابية للطوارئ تذهب لرعاية مرضى ليسوا ضمن نطاق اختصاص الطوارئ. ويمكن القول إن بدء التعامل مع الأقسام التي تعاني من هذه المشكلة كما لو أنها أقسام دخول هو بطريقة ما تسليم اضطراري بوضع مختل، لا تقع مسؤولية تصويبه على عاتق الطوارئ نفسها، بل هو  نتيجة لنمط من الإدارة العليا لم يستطع التعامل مع تحدٍّ يتمثل في أن إمكانيات «البشير» أقل من الأعداد المفترض أن يخدمها. فأزيح  قسم من هذا العبء إلى «الطوارئ» الذي يعاني هو نفسه من نقص في الأسرّة والكوادر الطبية.

يعترف وزير الصحة أن المشكلة في الوزارة لا تتعلق بنقص الكوادر فقط، بل أيضًا بسوء إدارة الوزارة لما يتوفر  لديها منهم.

وفق أبو يقين، يغطي «طوارئ البشير» 12 أخصائي طوارئ، إضافة إلى 60 مقيم طوارئ. في حين يبلغ العدد الكلي مضافًا إليه المقيمين من تخصصات أخرى حوالي 100 مقيم. ويقول إن النقص في الطوارئ هو في كوادر التمريض، وليس في الأطباء، حيث يكون في المناوبة الواحدة ما بين 25-30 طبيبا، لافتًا إلى أن هناك توجهًا لسدّ النقص في الكوادر.

لم نحصل من إدارة المستشفى على عدد كادر التمريض القانوني ولا حجم النقص فيه، لكن محمود زريقات، الذي كان مديرًا لمستشفيات البشير حتى آذار الماضي، أكّد في مقابلة معه في أيلول الماضي وجود «نقص حاد».

وكان زريقات قدّم استقالته من منصبه مديرًا لمستشفيات البشير في أيلول 2020، بعد فاجعة الطفلة سيرين التي توفيت نتيجة انفجار زائدتها الدودية، ورافق تقديم الرعاية الطبية لها في مستشفى البشير بطء شديد في الإجراءات. ذكر زريقات في  كتاب استقالته أنه يستقيل احتجاجًا على نقص الكوادر الطبية، التي تعد سببًا أساسيا لوقوع الأخطاء الطبية.

لكنه قال في مقابلته السابقة، في أيلول الماضي، إنه عاد عن استقالته آنذاك بعد تعيين ما يقارب 500 ممرض وممرضة. لكن ما حدث بعدها، بحسبه، أن أقساما جديدة افتتحت ولم تعيّن فيها كوادر جديدة. وفوق ذلك، فإن عددًا كبيرًا من كوادر التمريض أخذوا إجازات دون راتب، وهم «يعملون الآن في الخليج». أما بالنسبة لمستشفى الطوارئ بالتحديد، فقال زريقات إنه يعاني حاليًا من «نقص حاد،  فهو يحتاج إلى ما لا يقل عن 170 ممرضًا، في حين يغطيه حوالي 60 ممرضا».

يمكن اعتبار نقص الكوادر مثالا آخر على اختلالٍ في الإدارة العليا للقطاع الطبي يُحَمّل عبؤه لـ«طوارئ البشير». ففي مقابلة معه، يعترف وزير الصحة فراس الهواري أن المشكلة في وزارة الصحة لا تتعلق بنقص الكوادر فقط، بل أيضًا بسوء إدارة الوزارة لما يتوفر  لديها منهم، فيشير إلى أن «هناك سوء توزيع، وسوء إدارة لهذه الكوادر»، ينجم عنه تركزها في منطقة وغيابها عن مناطق أخرى. وقد قدم مقرر لجنة الصحة والبيئة في مجلس النواب، النائب تيسير كريشان، مثالا على سوء التوزيع هذا، فقال في مقابلة إن مركزا صحيًا في لواءٍ، رفض تسميته، تعمل فيه 52 ممرضة قانونية. وعلّق في المقابلة نفسها مدير مستشفيات البشير علي العبدلات على ذلك قائلا إن «الواسطات» هي ما نقلهن إلى المركز الصحي.

أعباء هائلة، رواتب متدنية، وسعي نحو الهجرة

لا «واسطة» للممرضة أحلام[5] التي تعمل في طوارئ البشير منذ أربع سنوات، وجاءت إليه بعد ثلاث سنوات قضتها في مستشفيات القطاع الخاص. وكانت وقت المقابلة مناوبة ليلا في قسم الحالات الحرجة.

لم نتمكن من سماع بعضنا وسط ضجيج الأجهزة الموصولة بالأسرّة، وحركة الكوادر والمرافقين، فقابلناها في غرفة صغيرة ملحقة بالقاعة، حيث كانت علب فلّينيّة لوجبات طعام جاهزة تتكوم باردة فوق طاولة في الغرفة، قالت أحلام إن الطاقم في القسم طلبها، ولا يعرفون متى سيتاح لهم أكلها «يمكن بعد ساعة، أو ساعتين. أو يمكن بكرة الصبح».

يضم قسم الحالات الحرجة 12 سريرًا، وسبق القول إنه الآن يعامل معاملة قسم العناية المركزة، حيث يبقى فيه المرضى الذين لا أسرّة لهم في العناية المركزة. هناك معايير عالمية تحدد عدد الممرضين بالنسبة لعدد المرضى، تختلف بحسب العبء المطلوب من الممرض/ة القيام به، والمرتبط بصعوبة الحالات. وفق معايير المجلس التمريضي الأردني، فإن الحد الأدنى من عدد الأطباء لمرضى العناية المركزة هو طبيب لكل خمسة مرضى، في حين يجب أن يكون هناك ممرض/ة كحد أدنى لكل مريضين. لكن أحلام كانت واحدة من ممرضتين، وثلاثة أطباء في المناوبة لـ12 مريضًا، أي كان عليها أن تعتني بستة مرضى بدلا من اثنين كما هو مفترض.

تعدد أحلام المهام المطلوبة من الممرض/ة في القسم؛ أخذ العلامات الحيوية للمرضى من ضغط دم ونبضات قلب وحرارة بشكل مستمر، والمراقبة المستمرة لاستجابة المرضى لأدويتهم، والسحب المستمر للبلغم المتجمع في مجرى التنفس إذا كان المريض على جهاز تنفس اصطناعي، ومراقبة وصلات المحاليل الوريدية التي تضم أدويته، لضمان أنها لم تزح من مكانها، والتأكد باستمرار من أنه لم يستيقظ، لأنه إذا فعل فإن أول ما سيفعله هو نزع أنبوب التنفس، وإجراء فحوصات لغازات الدم كل ساعتين، وتغيير أكياس القسطرة البولية، وحساب كميات السوائل التي دخلت إلى أجساد المرضى، وكميات السوائل التي خرجت منها، وتدوين كل الإجراءات التي أعطيت لكل مريض، منذ لحظة دخوله الطوارئ إلى خروجه منها.

من وحدة العناية الحثيثة في مستشفى البشير.

تقول أحلام، التي تنقّلها مناوباتها في أقسام الطوارئ المختلفة، إنها صدمت عندما انتقلت من القطاع الخاص إلى البشير من الفرق الشاسع في ضغط العمل. لدرجة أن كمّ المرضى الذين تتعامل معهم في يوم واحد يعادل كمّ المرضى الذين كانت تتعامل معهم في شهر في القطاع الخاص، وليس هناك فرصة للراحة بين الحالات. لا يتسبب هذا فقط بالإجهاد البدني، بل بضغط نفسي هائل أثناء محاولتها الموازنة بين ما درسته في الجامعة، عن المعايير المثلى لتقديم الرعاية الطبية للمرضى، والضغط الهائل لأعداد المرضى الذين توكل إليها رعايتهم. «أنا صرت أخاف أغلط مع المرضى. صرت أخاف من كثر ما أنا مضغوطة، أتفشّش بمريض أو بمرافق مريض».

يضاف إلى هذا الضغط النفسي الناتج من قساوة الحالات التي تضطر للتعامل معها، مثل أطفال يصلون الطوارئ بحالة سيئة ويكون من الواضح تماما أنهم مهملين من أهاليهم، ومرضى السكري من الشباب الصغار الذين يأتون مغيبين من حموضة الدم، والمسنين الذين يضعهم ذووهم في الطوارئ ثم لا يعود أحد يراجع بشأنهم. المريض من هؤلاء، تقول أحلام، هو «أكثر مريض بدعي يا رب ما يخليني ضغط الشغل اللي عندي أقصّر في علاجه».

تقول أحلام إن الضغط الهائل في العمل انعكس على حياتها الشخصية، فباتت أكثر جنوحا للعزلة. وهي تفرّغ توترها في أمرين؛ الأكل والنوم. وفوق هذا، تقول إنه لا مقابل عادل لهذا الجهد، فهي ممرضة قانونية حاصلة على الماجستير ولديها خبرة سبع سنوات، ولا يتعدى راتبها الـ500 دينار. وهي ترى أنه مقابل زهيد جدا للجهد الذي يستنزفها يوميًا، لهذا قررت أن تفعل ما يخطط له معظم زملائها؛ السفر. وهي تسير حاليا في إجراءات لتأمين فرصة لدراسة الدكتوراه في الولايات المتحدة. تقول إنها رغم شعورها الكبير بالانتماء للمكان ولزملائها في العمل، فقد قررت أنها ستستغل أي «فرصة أشتغل بمهنتي برّة، وما أرجع هون».

من قالوا أثناء المقابلات من الكوادر الطبية إنهم لا يخططون للسفر هم فقط الذين أوضحوا أن ظروفهم العائلية تمنعهم من ذلك. ما عدا ذلك، تقول الطبيبة أماني الفايز، التي نالت درجة الاختصاص قبل عام، إنه لا أحد هنا لا يفكر بذلك، بما فيهم هي، لكنها تنتظر أن تمضي بضع سنوات تكون خلالها قد اكتسبت المزيد من الخبرة.

الاختلالات في أداء طوارئ البشير هي نتاج سياساتٍ توجه إدارة القطاع الصحي العام، اختلالات تراكمت عبر سنوات طويلة، وضحاياها هم المرضى والعاملون.

توافق الفايز، التي تعمل في طوارئ البشير منذ خمس سنوات، أحلام على الضغط النفسي الحاد الذي يأتي مع العمل. لكنها تقول إنها الآن أكثر تأقلمًا معه. تقول إنها عندما بدأت كانت تبكي بعد كل عملية إنعاش تقوم بها. أما الآن فهي أكثر صلابة وتقبلًا لواقع الموت، وهو أمر لا مفر منه لأي طبيب يعمل في هذه الظروف كي يستطيع الاستمرار في هذه المهنة. لكن يحدث كثيرًا أن الأهل أنفسهم لا يتقبلون، وهذا مفهوم، لكن تكون لدى بعضهم ردود أفعال عنيفة. وتروي هنا حادثة وفاة شاب عشريني جاء مصابًا بجلطة، ولم تتقبل والدته الأمر، تقول إن الأم أغلقت الستارة المحيطة بالسرير، وقالت لها: «هسّة بدّك ترجعيه». وتفسر الفايز أن الأم طلبت أن يُجرى لقلب ابنها عملية صدم بالكهرباء، وهو إجراء له بروتوكول معين، لم تكن شروطه متوافرة في هذه الحالة، لكن الأم كانت في حالة عصبية، وتشتم، وكان من الواضح أن ردّة فعلها ستصبح أكثر عنفا. تقول الفايز إنها أجرت لجثة الشاب عملية الصدم بالكهرباء «بس عشان ما أنضرب».

لحظة إعلان الوفاة، يقول حميدي، لحظةٌ حرجة. يقدّر الطبيب في العادة ردة الفعل المتوقعة من مرافقي المريض من خلال تعامله معهم، وبناء على ذلك إما أن يبلغهم الخبر بنفسه ثم يخرج فورًا من المكان، لأن بقاءه حتى مع أهل مسالمين يمكن أن يخلق صدامًا معهم. أو قد يتوقع الطبيب أن استقبال الخبر سيكون عنيفا، وهنا يطلب من أحد العاملين، قبل إعلان الوفاة، استدعاء أفراد الأمن في المستشفى، الذين يأتون لمرافقته إلى الخارج.

تقول الفايز إن جزءًا أساسيًا من عبء تقديم الخدمة، يتعلق بمرافقي المرضى، الذين يتجاوزون أحيانا العشرة أشخاص مع مريض واحد. يشهدون الفحص، ويُثقلون أثناءه الطبيبَ بالأسئلة، ويتدخلون في أحيان كثيرة في الإجراءات الطبية وتشخيص الحالة.

وتضيف أن الأمر تحسن مؤخرًا مع إجراءات أكثر تشددًا من قبل الشركة الأمنية في تحديد عدد المرافقين. في حين يقول حميدي إن التحسن يتعلق أيضًا بالمبنى الجديد المصمم بطريقة تحدّ من تدفق الناس إلى الأقسام الداخلية، ما يمكّن الكوادر من تقديم الخدمة في ظروف أكثر خصوصية، على عكس الطوارئ القديم الذي كان عمليًا مساحة شبه مفتوحة، ويمكن لأي كان أن يدخل أي مكان.

لقد كان واضحا من المشاهدات أثناء العمل على هذا التقرير أن مشكلة المرافقين لم تحل جذريًا، بالتحديد في الأقسام التي تضم عددًا كبيرًا من الأسرّة مثل الباطني، حيث يكون حول بعض الأسرّة أربعة أشخاص يتحلّقون حول المريض. وفي الممر الفاصل بين صفي الأسرّة كان هناك من يتجول، ويتحدث في الهاتف. ومن بين هؤلاء من جاء بأطفاله. ويفسّر أبو يقين إنها «الفزعة» مع المريض، وهي بحسبه «ثقافة»، تحتاج هي أيضًا لأن تتغير بالتدريج.

أكد الجميع أن الاعتراض على وجود المرافقين يتعلق بعددهم، لا على مبدأ وجودهم، لأنهم يقدمون خدمات تساعد المستشفى على النهوض بأعبائه. تقول أحلام إن وجود مرافق مع المريض يعوّض نقص الكوادر، صحيح أن هناك شركة خدمات، جزء من مهام عامليها أن يساعدوا المرضى الذين يأتون وحدهم، لكن لا تمريض ولا موظفي خدمات يمكن أن يكون كافيًا للأعداد الهائلة التي تراجع يوميًا.

لهذا تقول أميرة إنها نامت على الأرض إلى جانب سرير زوجها في الليلتين اللتين قضاهما في الطوارئ، لأنها لم تتخيل أن يقضي زوجها، في حالته تلك، الأيام الثلاثة التي أمضاها في الطوارئ وحيدا. لقد أنهت له الإجراءات الورقية، وكانت تساعده في الدخول إلى الحمام، وتعدل جلسته، وتنادي له الممرضين في حال شعرت بأمر خطأ.

وفي حين يكون مع معظم المرضى أكثر من مرافق، عاشت إيناس مفارقة اضطرارها أن تكون مرافقة مزدوجة. عندما التقيناها، كان قد مضى على وجودها أسبوع في مستشفى البشير مرافقة لطفلتها سجى (6 سنوات) التي تعاني من ارتفاع ضغط الدم. تلقت إيناس اتصالًا من زوجها محمد جدوع (36 سنة)، الذي يعمل عامل وطن، يخبرها أنه في مستشفى الطوارئ، نقلته إليه سيارة دفاع مدني بعد أن وقع وأصيب أثناء عمله. مباشرة، فكّت إيناس من ذراع ابنتها وصلة المحلول الوريدي، وهرعت مع الطفلة إلى الطوارئ. صادفناها ممسكة بيد ابنتها التي فيها «الكانيولا»، تسير خلف النقالة التي تحمل زوجها باتجاه غرفة الأشعة. كان طبيب الطوارئ قد سجل على نموذج طلب صور الأشعة كلمة «سقوط». وهذا يعني، كما شرح أبو يقين، أن الحالة ستصنف «حادثة قضائية»، ووفق تعليمات التأمين الصحي، يجب على المريض أن يدفع كلفة الصور، حتى لو كان مؤمنا صحيا، مثل جدوع.

كان المبلغ المطلوب وقتها 44 دينار، طلب جدوع  إعفاءه منها، وانخرط وزوجته في محاولة إقناع المسؤولين أن الحادثة «والله مش سقوط»، بل «وقعة عادية».

محمد جدوع، وزوجته تدفعه على النقالة إلى قسم الأشعة.

«البشير» المختزل في أخطائه

خلال سنة واحدة تقريبًا، ارتبط اسم مستشفى البشير بفاجعتين، الأولى في أيلول 2020 عندما توفيت الطفلة سيرين في انفجار زائدة دودية. والثانية في أيلول الماضي عندما تكررت القصة مع الطفلة لين التي توفيت أيضا في انفجار زائدة دودية. وفي الحالتين أحاط تقديم الرعاية الطبية للطفلتين الكثير من الاختلالات. وفي حالة لين بالتحديد، أشارت النتائج الأولية للتحقيق في قضيتها إلى مسؤولية الطوارئ، وأعفت وزارة الصحة على إثرها عددًا من مسؤوليه من مسؤولياتهم الإدارية. ولم تكن هذه أول مرة تُفتح فيها النار على المستشفى بسبب اختلالات في تقديم الرعاية تقود إلى فواجع.

يقول أبو يقين إن هناك أخطاء بالتأكيد، لكن هناك أيضًا خدمات ضخمة تُقدم لملايين البشر سنويًا. وفق إحصائيات «الصحة»، أُدخل إلى البشير العام الماضي 80 ألف مريض تقريبًا، وأجريت فيه حوالي 21 ألف عملية جراحية و13 ألف ولادة، وراجع عياداته الخارجية ما يقرب من 440 ألف مريض. ورغم ذلك، يقول  أبو يقين، هناك «تهميش» لهذه الخدمات، بالتوازي مع تسليط للضوء حصريًا على الأخطاء، ما يرسخ في الوعي العام كما لو أن المستشفى لا يفعل شيئا سواها، وهذا ليس عادلًا.

تقول أحلام إن مشكلة الكوادر الطبية هي أنها في موقع المواجهة مع الناس، الناس الذين يأتون ويريدون الحصول على الخدمة المثلى، «وهذا حقهم»، لكنهم لا يدركون أن الكثير من أوجه القصور هو نتيجة عوامل لا سلطة لهذه الكوادر عليها. «هاي الصورة اللي مش راضية توصل للشعب؛ إنه مش إحنا المسؤولين». أو كما يقول العواودة، المشكلة هي أن العاملين في الطوارئ «بدفعوا ثمن أخطاء وزارة الصحة».

لكن أبو يقين يشدد على أن النهوض بـ«البشير» هو شأن «تكاملي» بين مختلف مؤسسات الدولة، وليس محصورًا بوزارة الصحة، إذ يفترض أن تتضافر الجهود لإنجاح وزارة الصحة، لا الاكتفاء باستغلال خدماتها، من دون العمل على رفع كفاءتها.

ليسوا هم المسؤولين، لأن الاختلالات الأساسية في أداء طوارئ البشير هي نتاج سياسات عليا توجه إدارة القطاع الصحي العام، اختلالات تراكمت عبر سنوات طويلة، وضحاياها هم المرضى، والعاملون على حد سواء.

  • هوامش

    [1] التقرير الإحصائي السنوي لوزارة الصحة، العام 2019.

    [2] أنظر/ي المؤشرات الصحية الخاصة بالمستشفيات على الموقع الإلكتروني لوزارة الصحة.

    [3] ينقسم برنامج الإقامة لنيل درجة الاختصاص إلى قسمين؛ الأول هو سنوات الدراسة والتدريب العملي، والثاني هو امتحان البورد. المقيم المؤهل هو الطبيب الذي أنهى القسم الأول من برنامج الإقامة.

    [4] التقرير الإحصائي السنوي لوزارة الصحة، للعام 2020.

    [5] اسم مستعار، لأنها فضلت عدم ذكر اسمها.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية