رغم الحظر: قريب على العين، قريب على القلب

الأربعاء 06 أيار 2020
صورة مايا عامر.

يتثاءب القط السمين بخمول في بيت الجدة شديد الهدوء على غير عادته في أيام الخميس، مرتاحًا من أيدي الأحفاد المتطفلة التي تحاول مداعبته واللعب معه. وعوضًا عن أصوات الأحاديث والضحكات التي تتداخل معها النداءات من المطبخ للتجمع على الطعام، يخيّم الصمت على المكان ويقطعه بين الحين والآخر صوت إشعارات تطبيق الواتساب الصادرة عن جهاز الجدة التي ترتدي نظارة القراءة وتحدق مبتسمة وبكل تركيز بشاشة هاتفها الخلوي. 

سعاد سيدة سبعينية تعيش في شقة مستقلة في عمارة تضم اثنين من أبنائها في جبل الحسين، تصف نفسها بزهو بأنها «جدة متطورة»، فهي تتواصل مع بناتها وأحفادها الذين يسكنون بعيدًا عنها عبر هاتفها الذكي مستخدمة تطبيقات مثل واتساب وفيس تايم. تقول حفيدتها زينة (20 عامًا)، إن الجدة نشيطة فعلًا، وبالإضافة إلى المنشورات ومقاطع الفيديو الجاهزة التي يتناقلها الناس، ترسل لهم جدتهم صورًا للأطباق التي تعدّها وتَعدهم بورق الدوالي والكبّة بعد انتهاء الحظر. تقول زينة مازحة: «تيتا ملكة الإيموجي» وتضيف قائلةً إن التفاعل مع ما ترسله الجدة إلزامي، فهي تغضب إن لم يتفاعل أفراد العائلة مع ما تشاركه من صور لوضعيات قطها النائم في الشمس، أو مع المنشورات المتعلقة بفيروس كورونا، والتي تتفاوت بين الجد والهزل. 

في ظروف الحظر، ومع التعليق الاستثنائي لنسبة هائلة من التجمعات والفعاليات الاجتماعية، فُرض على الكثيرين إيجاد طرق مختلفة للتواصل مع أحبائهم. وبينما عنى ذلك تفعيل البعض لشتى خيارات التواصل التي تتيحها التطبيقات الحديثة، ما زال البعض الآخر يبحث عن طريقة للتكيف، للحفاظ على علاقاتهم من التأثر بالبعد.

عالية (30 عامًا)، والتي رزقت بطفل منذ بضعة أشهر، ترى من تجربتها ومشاهداتها أن الأحفاد يشكّلون الدافع الأكبر للجدات لاستخدام مكالمات الفيديو للتواصل بشكل دوري، ففي سبيل مواكبة نمو الأطفال، والرّضع منهم على وجه الخصوص، تصرّ العديد من الجدات على إجراء مكالمات من هذا النوع باستمرار. تقول عالية: «حماتي تكاغي ابني هاشم عبر سكايب». وعندما سُئِلتْ عن سبب اختيار الحماة لسكايب قالت عالية إنها معتادة على استخدامه من الآيباد للتواصل مع أبنائها المغتربين في دول الخليج.

لا تمتلك كل الجدات نفس الحماسة لمكالمات الفيديو. وفاء (60 عامًا)، على سبيل المثال، لا ترى في مكالمات الفيديو قيمةً مضافة، وتتواصل مع أبنائها داخل الأردن وخارجه عبر المكالمات الصوتية. تعيش وفاء مع زوجها وأحد أبنائها في عمان، وترى أن مجموعة العائلة على الواتساب كافية لتبادل مقاطع الفيديو الحديثة لحفيدها، وصور لما طبخ ابنها الذي يعمل في العقبة، والاطمئنان على ابنها الأصغر الذي يدرس في هنغاريا، وتضيف: «كل هاد بالنسبة اللي ما بعوّض عن شوفتهم والتواصل معهم وجهًا لوجه». بالنسبة لها التواصل عبر الواتساب والفيسبوك كافي حتى تعود المياه لمجاريها.

جارك القريب ولا أخوك البعيد

مع وجود قيود على الحركة في ظل حظر التجول، افتقد الكثيرون لرؤية الناس من أقارب وزملاء عمل وحتى غرباء في الأماكن العامة. لذلك تشجع الكثيرون على تجديد العلاقات مع الجيران، وشعر البعض بالواجب لمساعدة كبار السن من جيرانهم. 

يتفقد مهند (46 عامًا) جارته أم محمود التي تسكن في الشقة المقابلة لشقته في حي نزّال بين الحين والآخر. يتواصل الموظف في إحدى الوزارات والذي يعيش مع زوجته وأطفاله الثلاثة مع السيدة الثمانينية التي تعيش بمفردها ويصرّون خلال فترة الحظر على إحضار حاجياتها الأساسية عندما يخرجون للتسوق. 

أمّا في الحي الذي تسكنه رانيا (42 عامًا) في منطقة تلاع العلي مع زوجها وأبنائها الأربعة، فقد نشطت الحياة الاجتماعية بين الجارات. كان لديها بعض التحفظات على المشاركة في تلك الزيارات التزامًا منها بالتعليمات بتجنب التجمعات. لكن في إحدى المرات، أرسلت لها جارتها بعض الخضار وعندما اتصلت لتشكرها قالت لها من باب المجاملة «اتفضلي، بس هي ما صدقت». وتجنبًا للإحراج ولإثارة غضب زوجها شديد الالتزام بالتعليمات استقبلت رانيا جارتها في الحديقة. «الحمد لله كان الطقس كويس» تقول رانيا ضاحكة.

الحب في زمن الكورونا 

كغيرها من العلاقات الاجتماعية تأثرت العلاقات العاطفية بالحجر المنزلي. فقد كان لدى الكثيرين تخوفات عديدة من أن يؤدي التباعد الاجتماعي إلى تباعدٍ عاطفيٍ مع من يعرفونهم. فالمقاهي والمطاعم ودور السينما والمعارض الفنية وغيرها من الأماكن العامة التي يمكن أن يلتقوا بها مغلقة. وحتى الأشخاص غير المرتبطين تأثروا بالظروف التي رأوا أنها أخّرت تعرفهم على أناس جدد، الأمر الذي زاد من وطأة الوحدة التي يشعرون بها. 

كان من الملفت للبعض أن تم التواصل معهم خلال الفترة الماضية من قبل أشخاص من الماضي، تقطعت بينهم السبل لكنهم عاودوا المبادرة وأرسلوا لهم رسائل نصية وحتى في بعض الأحيان اقترحوا إجراء مكالمات فيديو. 

كان غريبًا بالنسبة لياسمين (28 عامًا) أن يعود أحد زملائها السابقين للتواصل معها بعد فترة انقطاع دامت لأكثر من أربع سنوات، حيث تقول: «مش عارفة شو خطر على باله (..) شكله زهقان». لكنها عندما أخبرت صديقتها المقربة أجابتها أنه أمر إيجابي، وعلّقت إن الظروف الراهنة فرصة مواتية لمحاولة تجديد علاقات لم يكتب لها النجاح في وقت سابق، «يلي ما زبط من قبل ممكن يزبط هلا، والوضع الحالي فرصة انه الواحد يرجع يسأل ويتفتح حوار»، تقول صديقة ياسمين. 

أمّا بالنسبة للبعض، فقد كانت الجائحة فرصة للتعبير عن حبهم لشركائهم، كما فعل علاء الذي يسكن في ضاحية الرشيد والذي أراد رؤية خطيبته هلا التي تسكن في خلدا. أخرج علاء دراجته الهوائية من المخزن وقام بعمل الصيانة اللازمة لها، وانتظم بالتدريب لزيادته لياقته البدنية بحيث تسمح له بالتغلب على تضاريس الطريق المؤدية إلى بيت خطيبته. 

تقول هلا أن الطريق استغرق علاء أكثر من خمسين دقيقة للوصول إليها، وعندما وصل كان منهكًا تمامًا. «شعرت بالذنب بس شفته، ما بدي اياه يتعذب هالقد عشان نشوف بعض» لكنها تضيف ضاحكة: «بس الصراحة الحركة كتير رومانسية». 

مع فرض حظر التجول، احتاج الاثنان للتأقلم على الوضع الجديد ولإيجاد طريقة مناسبة للتواصل. فقد كانا يلتقيان يوميًا لمتابعة تجهيزات المنزل وعرسهما الذي كان من المقرر أن يكون بداية الصيف. «علاء ما بحب التلفون أصلًا» تقول هلا، وتضيف: «كان أول اشي غريب، بس شوي شوي تعودنا وصرنا نحكي أكتر تلفونات أو فيسبوك ماسنجر». وعندما سئلت عن موضوع العرس وشعورها تجاه التغييرات قالت إنها ليست قلقة بتاتًا، بل على العكس تشعر بقدر كبير من الارتياح. 

لطالما أرادت هلا أن يكون عرسها بسيطًا، لكنها في الفترة التي سبقت الأزمة كانت تتعرض هي وعلاء لضغوط اجتماعية فرضت عليهم شكل وحجم وتفاصيل لم تتفق مع رؤيتهم لحفل زفافهم. «قبل الأزمة كتير كنت متوترة، لأنه كان في كتير تفاصيل لازم نهتم فيها، مثل قائمة المعازيم ونوع الورد وحجز الكنيسة ومكان العرس، بالإضافة لتجهيزات البيت وشراء الأثاث». تقول هلا إن الكثير من الاعتبارات تغيرت مع الوضع الراهن، وأصبح أهلها أكثر تقبلًا لعمل مناسبة صغيرة للمقربين والتغاضي عن «رد الواجب» لأفراد من العائلة الممتدة أو الدوائر الاجتماعية البعيدة. 

بدون الحاجة للتخطيط للسفر وعمل حجوزات لشهر العسل، وقلة النقاشات حول تفاصيل مثل الصالون والتصوير والزفة، أصبحت هلا أكثر استرخاء وأكثر قدرة على التركيز على الأولويات. «صارت الحياة أسهل» تقول هلا بارتياح. 

رواج جديد لبعض التطبيقات 

بزغ نجم تطبيق زووم (ZOOM) في الآونة الأخيرة واستقطب الكثيرين حول العالم بسبب الحجر المنزلي. فقد وصل عدد المستخدمين إلى 300 مليون مستخدم/ة في الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر نيسان الجاري. لم يقتصر استخدام التطبيق على اجتماعات العمل، وإنما امتد ليشمل حصصًا رياضيةً ودورات تعليمية ولقاءات اجتماعية وعائلية. 

محمد نور (31 عامًا) متزوج ولديه طفلة ويعمل في إحدى المنظمات غير الربحية. بالإضافة إلى استخدامه تطبيق زووم في العمل من المنزل خلال فترة الحجر المنزلي، فهو يستخدمه للتواصل مع الأصدقاء بشكل شبه يومي أيضًا. لاحظ محمد نور أن العديد من الصداقات توطدت بسبب كثافة التواصل، لكنه يتوقع أن يخف التواصل بهذا الشكل بعد انتهاء الأزمة ورجوع الحياة لوضعها الطبيعي، فمشاغل الحياة والالتزامات المهنية والعائلية ستقلل من الوقت المتاح للأصدقاء وسيقتصر الأمر على لقاءات أسبوعية، بالإضافة إلى مجموعات الواتساب التي كانت نشيطة حتى قبل الحجر.

لكن زووم ليس دائمًا بديلًا مناسبًا للقاءات، تقول عبير (27 عامًا) الموظفة في إحدى الشركات الخاصة والتي تعيش مع زوجها وطفلتها، إن عائلتها حاولت الاتصال عبر تطبيق زووم في محاكاة لاجتماعاتهم الأسبوعية في بيت العائلة، لكنه بحسب عبير «كانت تجربة فاشلة بشكل كوميدي»، فقد كان هناك ستة شاشات ضمّت 15 شخصًا من مختلف الأعمار يتكلمون معًا. وتضيف: «من المضحك أننا جميعًا نجتمع في بيت واحد وغالبًا ما يكون الجميع يتحدثون معًا في نفس الوقت، لكن اللمّة ببيت العيلة غير». خصوصًا مع شهر رمضان، تفتقد عبير لموائد الإفطار الكبيرة والتجمعات العائلية كثيرًا. 

اكتئاب ما بعد الحجر

كما أن هناك كثيرين متحمسون لرفع حظر التجول ورجوع الحياة لطبيعتها، هناك شريحة من الناس بدأت تعتاد نمط الحياة الجديد ولديها بعض التخوفات والتحفظات على المرحلة القادمة. 

يقول محمد نور أنها المرة الأولى التي يقضي فيها هذا الوقت الطويل مع ابنته نتالي التي تبلغ من العمر سنتين. «مش عارف إيش رح يصير بس أرجع على الدوام؛ هي اتعلقت فيي وأنا اتعلقت فيها». 

يوافقه الرأي ركان (41 عامًا) والذي كغيره من الآباء قضى معظم وقته في المنزل مع زوجته وابنهما فارس الذي يبلغ من العمر عامًا ونصف. يقول ركان في البداية كان الحجر مملًا لكن بعد بضعة أسابيع تأقلم وفضّل نمط الحياة المستجد، حتى أنه مستعد للاستمرار فيه لأشهر قادمة. ما يقلقه فقط قدرته على رؤية والدته التي لديها وضع صحي معقد لا يسمح لها بالحركة أو التحدث بأريحية، ومقاطعات فارس الصغير له أثناء العمل التي تشتته ولا تمكنه من إنجاز المهام الموكلة إليه. 

عمر، رضيع لم يتجاوز الستة أشهر من العمر، اعتاد رؤية أبيه وأمه فقط خلال الحجر، لذلك عندما خرج مع أمه للجلوس أمام البيت، مر بهما قريب يسكن في الحي. وعندما اقترب للسلام عليهما انفجر عمر بالبكاء. تقول والدته إنه أمر طبيعي فهو لم ير أحدًا لأكثر من أربعين يومًا، الأمر الذي يقلقها قليلًا ويجعلها تتساءل عن المدة التي سيحتاجها ابنها ليعتاد على رؤية الناس مرة أخرى.