علم اجتماع الوباء: عن النصف الآخر من القصة

الإثنين 27 نيسان 2020
مسافرون يرتدون كمامات خلال جائحة كورونا في محطة قطارات في برلين. 27 نيسان 2020. تصوير أود أندرسن. أ ف ب.

إنه عالم جديد. العالم ما بعد انتشار فيروس كورونا لن يكون هو نفسه؛ هكذا تخبرنا تقارير عديدة، ومعلومات يتناقلها خبراء عبر الصحف وشاشات التلفزيون. رؤساء حكومات يخرجون في خطابات قصيرة وطويلة، يتحسرون على قيم الحرية والديمقراطية أو يتبجحون بأن القمع صار ضروريًا، لكنهم في الحالتين، ينبئون الناس أن الكارثة على الأبواب، وأن عليهم أن يستعدوا لخسارة أقاربهم وأصدقائهم.

كلها مشاهد متفرقة من زمن الوباء، حيث يظهر الخوف مما هو غامض ومعتم وغير معرّف، ويكتشف الناس أن ثقتهم بالانتصار على الطبيعة وعلى الموت، أو على الأقل تعريفه بوضوح، بدأت تهتز. إنه موت لا يظهر بوضوح في شاشات الأطباء، ولا صورة دقيقة له تحت أجهزتهم وأشعتهم السينية، ولا اصطلاحات جاهزة لوصفه في المعاجم الطبية والبيولوجية. إنه موتٌ كان عالم الاجتماع الأمريكي الراحل، زيجومنت باومان، ليطلق عليها ربما موتًا سائلًا، ينبئ بنهاية عصر جديد من الثقة العمياء بالإنجاز البشري، والوعود العلمية الطوباوية، ويخبرنا أن الخوف من الموت، وربما من فناء النوع البشري جميعه، سيبقى حاضرًا سواء أحببنا أم كرهنا.

علم الاجتماع وخدعة العالم الجديد

إن كان العالم سيتغير فعلًا، فالقول إنه سيتغير ليس كافيًا. كما أن جلوس علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا أو الباحثين في الحقول الإنسانية الأخرى في بيوتهم، منتظرين تطوير مصل أو دواء ليعودوا إلى مكاتبهم وجامعاتهم، ليس أفضل الخيارات. وبالتأكيد، لا يقتصر دور العلوم الإنسانية على استعادة ما كُتب في أزمنة ماضية، عن أوبئة انتهت، كما تفعل الصحف في كل مكان اليوم، وكأنها تقول بحسرة إننا لا نزال هناك. وعلى أهمية المناظرات الفكرية التي يجريها مفكرون مثل جورجيو أغامبين، وسلافوي جيجيك، فإن التفكير الاجتماعي في الوباء لا يقتصر على التعامل معه باعتباره موضعًا لاختبار الطروحات السابقة أو المواقف الأيديولوجية من الدولة والنيوليبرالية، حتى يبدو الوباء كأنه «أيدولوجيا الجميع»، أو كأنه «متجر أدلة» على كل شيء؛ يستفيد منه مناصرو اليمين المنغلق والرافض للهجرة، كما ينتفع به أولئك الذين يتحدثون دائمًا عن انهيار الرأسمالية «الوشيك»، أو من يتحدثون عن ضرورة الديمقراطية، أو عن نجاح الدولة المركزية.. إلخ. 

إن كان العالم سيتغير، فلا بد لعلم الاجتماع أن يكون شاهدًا، لكن هذا ليس كافيًا أيضًا. فلعلم الاجتماع دور أكبر من أن يبحث عن «سبق تاريخي» كما أشار بيار بورديو مرة بسخرية من تزمت المؤرخين للحقائق. فدور عالم الاجتماع ليس تسجيل الصدمة أو المشكلة ولا تدوين الآثار المحتملة لها على الحياة الاجتماعية، وإنما التعامل مع المشكلة العلمية كمشكلة علمية، كما يشير بورديو مجددًا في كتابه «عن الدولة»، أي وضعها في سياقها الشامل.

سواء كان هذا لمصلحة السلطة، أو لأسباب أخرى، فإن ثمة ميل عام لتصوير الوباء باعتباره أمرًا مفاجئًا، طفرة خارجة عن المسار العقلاني والمرتب والخطي للتاريخ، والذي نستطيع فهمه.

وهكذا، فإن وضع كل ما لا نفهمه في خانة الصدمة والمفاجأة، يعني رفع العبء عن أكتافنا، وانتظار انقضاء هذا «الاستثناء»، والعودة مجددًا إلى «الحياة العادية» وأدواتنا النظرية القديمة. لكن دور علم الاجتماع، وباستعارة من عالم الاجتماع الفرنسي مرة أخرى، هو إفساد «حفلة التنكر» الجماعية تلك، والتمرد على الاعتقاد الراسخ بأن ما حدث هو مجرد قفزة ستنتهي، مهما ارتفعت، إلى أرض راسخة مجددًا. وربما دور عالم الاجتماع هو التشكيك بتلك الأرض الراسخة نفسها.

إن الاعتقاد بأن ما حدث لا يتعلق بما قبله، ولا بما يتزامن معه، وأنه خروجٌ استثنائيٌ عن السياق وعن القواعد التي تحكم العالم، هو بمثابة تبرئة مجانية لتلك القواعد.

إن الاعتقاد بأن ما حدث لا يتعلق بما قبله، ولا بما يتزامن معه، وأنه خروجٌ استثنائيٌ عن السياق وعن القواعد التي تحكم العالم، هو بمثابة تبرئة مجانية لتلك القواعد. أي كأننا نقول بأن العالم كان يسير على ما يُرام، قبل أن تحل كارثة الوباء ويتغير كل شيء. لكن، لم يكن العالم بالتأكيد يسير على ما يرام، إلا إذا أردنا أن تعطي «الكارثة» شرعية للحياة «العادية» قبلها، التي كانت مليئة بالمجاعات والإبادات والحروب التي يموت فيها أضعاف من يموتون في الوباء.

على عكس الجملة الديستوبية التي استخدمها كثير من الصحف المرموقة كافتتاحية، فإن العالم ما بعد وباء كورونا ليس عالمًا جديدًا كليًا، كما أن ما حدث ليس شذوذًا كليًا عن القواعد، لكنه بمثابة كشف للطريقة التي يسير فيها العالم فعلًا، حيث لم تعد الصحة أولوية، وحيث تنتهي ميزانيات البحث العلمي إلى مختبرات تطوير الأسلحة، وتتخلى الدول عن مسؤولياتها، ويتفكك شكل العقد الاجتماعي، وتدعم الدول «المتقدمة» الديكتاتوريات والميليشيات المسلحة في أماكن بعيدة، قبل أن تكتشف أنها ليست بعيدة بما يكفي لتجنب آثار ما يحدث فيها، وأن النظام الصحي المهترئ في دول «جنوبية» قد يحدد مصير العالم جميعه. وقد نكتشف أيضًا أننا، ويا للمفاجأة، نعيش في عالم واحد، حيث إن أمورًا من قبيل «المصلحة الإنسانية المشتركة» لم تنته تحت وطأة الافتراضات القومية. باختصار، إن من دور علم الاجتماع بالتأكيد، فضح كيف يتورط هذا «العالم القديم» بما يحدث من كارثة، بدلًا من القول إن ما صار هو عالم جديد.

نحو علم اجتماع للأوبئة؟

في عدد خاص أعدته مجلة «علم اجتماع الصحة والمرض» بالإنجليزية، بعنوان «لماذا علم اجتماع للجوائح؟»، يوضح الباحثون في الحقل روبرت دينجوال، وليلي هوفمان، وكارين ستانيلاند، كيف أنه وفي عصر تتقاطع فيه العولمة المتزايدة، مع التصاعد في الخطاب القومي في نفس الوقت، لا بد من أن يكون لعلم الاجتماع دور في دراسة قضايا على غرار البناءات الاجتماعية للأمراض، وتطور أنظمة الرقابة وإدارة الصحة العامة، وتأثير الأنماط العلمية والتقنية على الشعور الإنساني بالخطر واللايقين. وبطبيعة الحال، فإن الوباء هو منطقة تتداخل فيها وتتفاعل مفاهيم مثل الأمن القومي مع الصحة العامة والمرض.

إن التركيز على الطب والعلوم البيولوجية لا يخبرنا سوى بنصف القصة، عندما يتعلق الأمر بالأوبئة والاستجابة لها.

ورغم أن العدد نُشر قبل سبع سنوات من انتشار فيروس كورونا، أي في عام 2013، فإنه قد يجيب عن أسئلة غاية في الأهمية، فيما يتعلق بضرورة تطوير علم اجتماع للأوبئة، وهي دعوات بدأت بالفعل تتطور على يد باحثين عديدين. يوضح الباحثون الثلاثة أن الادعاء بأن الأوبئة هي مساحات تتعلق حصرًا بالعلوم الطبية والبيولوجية، يقوم على مغالطة كبيرة، وينكر حقيقة أن الأوبئة وآليات التعامل معها وانتقالها تتم في مسارات اجتماعية. حيث يتم مثلًا التعامل مع الوباء أو محاولة احتوائه، من قبل أشخاص يحظون باعتراف اجتماعي باعتبارهم يحوزون على الكفاءة، ومن قبل مؤسسات اجتماعية، وتقسيم عمل وآليات تفاعل اجتماعية، وبالتالي وكما يقول المؤلفون، فإن التركيز على الطب والعلوم البيولوجية لا يخبرنا سوى بنصف القصة، عندما يتعلق الأمر بالأوبئة والاستجابة لها.

لا يرتبط الأمر في حالة الوباء فقط بحقول مخصصة من علم الاجتماع، مثل علم اجتماع الصحة والأمراض أو حتى علم الاجتماع البيو- طبي، ولكنها قد ترتبط أيضًا بالدراسات الأمنية. على سبيل المثال، فإن المفاهيم الأمنية التقليدية تهتز في زمن الوباء، ويصبح مفهوم الأمن القومي مرتبطًا بقطاع الصحة أكثر مما هو مرتبط بوزارة الدفاع أو بمؤسسة الجيش، وتتخلق خارطة المخاوف والتهديدات الاجتماعية من جديد. وحتى تلك الخطابات الأمنية التي تستخدمها السلطة عادة من أجل فرض الخوف لضبط المواطنين أو تبرير الحروب أو سياسات معينة، مثل التهديد من الإرهاب، أو رهاب الأجانب أو المثليين، فإنها سرعان ما تدخل في تقاطع شامل مع التهديد الجديد، ويتم ربط الأوبئة مثلًا بالسود، أو المسلمين، أو المثليين، أو المهاجرين أو الإرهاب نفسه، إلخ.

قد تكون الأوبئة فرصة أيضًا لعلماء الاجتماع، لاختبار كيف تتشكل أنساق اجتماعية عادة ما تكون أكثر غموضًا، مثل الخوف والهلع، والعار الذي يتم بناؤه كنمط اجتماعي دفاعي ضد المرض، عن طريق وصم وتهميش المصابين، كما أن تلك الكوارث قد تكون فرصة لدراسة أشكال الاستجابة المجتمعية والتكيف. ومن جهة أخرى، فإن الأوبئة تجعل من الميزات الاجتماعية، التي غالبًا ما نتعامل معها كأشياء مفهومة ضمنًا، في موضع الفحص، وربما تكون تلك هي الوظيفة الأهم لعلم الاجتماع، أي إعادة التفكير في الأشياء التي نعتقد أنها مفهومة ضمنًا.