علم النفس في مواجهة «الهراء النفسي»

الثلاثاء 16 نيسان 2019
رسم جايك فورمان، لمجلة ذا أتلانتيك.

بين الحين والآخر، تطلّ علينا فعاليات متنوعة، نسمع فيها عبارات تطوير الذات وجذب الطاقة الإيجابية، ونسمع عن «علوم» مثل علم الطاقة والتنمية البشرية والبرمجة اللغوية العصبية. ويتم ربط كل هذا بالعلوم، وخاصة بعلم النفس. في هذا المقال أحاول التعريف بعلم النفس والفارق بينه وبين هذه «العلوم»، ولم من المهم لنا أن نعرف هذا الفارق.

ما هو علم النفس؟

علم النفس هو العلم الذي يدرس العمليات العقلية والسلوكات البشرية بكافة أنواعها عبر المنهجية العلمية. وينقسم إلى خمسة مجالات أساسية هي: علم النفس المعرفي، وعلم نفس النمو، وعلم النفس العصبي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس السريري. ويحاول هذا العلم الإجابة على أسئلة مثل: كيف تعمل ذاكرتنا؟ وكيف نتعلّم؟ وما الأمور التي تجعل شخصًا ما أكثر اجتماعيّةً أو ذكاءً أو قدرةً على فعل أمر ما؟ ما هي العواطف والانفعالات؟ كيف تنشأ دوافعنا وضمائرنا؟ وغيرها الكثير من الأسئلة.

ورغم أن هذا التعريف يبدو للوهلة الأولى واضحًا وسهلًا، إلّا أن علم النفس يتميّز عن غيره من العلوم في أنه علم تثار حوله الكثير من الخرافات ويساء فهمه، وربما يعود هذا لعدّة أسباب من بينها اتساع مجالات بحث هذا العلم، وكذلك حداثته، إذ يُعتبر فيلهلم فونت أب علم النفس، حيث أسس أول معملٍ لدراسة السلوكات والعمليات العقلية لدى البشر دراسةً علمية عام 1879، ومن الأسباب كذلك علاقة علم النفس بالطب والعلاج النفسي.

ومن أشكال إساءة فهم علم النفس ربطه بأشياء من قبيل التنمية البشرية، البرمجة اللغوية العصبية، علم الطاقة، وقانون الجذب، و«اللايف كوتشنج» وغيرها من المجالات التي يسمّيها البعض علمًا زائفًا، ويدعوها آخرون بعلم النفس الشعبي (Popular Psychology)، أو حتّى (Psychobabble) وتعني الهراء النفسي، أو الهراء الذي يدّعي أنّه علم نفس حقيقي.

وأيًّا تكن التسمية، فإن ما يجمع هذه المجالات ظاهريًا هو أنها تهدف إلى تطوير الإنسان وزيادة فرص نجاحه في تحقيق ما يريد في عمله وحياته الشخصية، عبر تعلّم مهارات وعبر ممارسة سلوكات معينة. لكن ما يجمعها حقًا، هو أنّها لا تعتمد في أساساتها على مبادئ أو مقاربات علميّة، بل كل واحدة منها أقرب ما تكون إلى فلسفة خاصّة لها مسلّماتها وطريقتها التي قد تستخدم بعض العلم أو تتقاطع معه، وفي أحيان كثيرة تغيب الطريقة أو المنهج أصلًا، أو يكون مختلفًا عليه إلى درجة الضبابية الشديدة.

عن الفارق بين علم النفس والعلم الزائف

رغم أن النقاش حول ماهية العلم، وما يُفرّق به بين العلم وغيره مثار جدل بين العلماء أنفسهم، إلّا أن المساحات التي تتموضع فيها بعض «العلوم» تمكننا من وسمها على أنها علوم زائفة، بحسب مختلف المدارس الفلسفية، وهذه حال أغلب المجالات التي أتحدث عنها هنا.

يمكن الاعتماد على مبادئ فلسفية نظرية أو عملية لتوضيح الفرق بين العلم وغيره، بحسب آراء المقاربات المختلفة في فلسفة العلم. ومن أهم المبادئ التي تستعمل للتفريق بين ما هو علم وما يدعي كونه علمًا، مبدأ «قابلية التخطيء» (Falsifiability). جاء بهذا المبدأ كارل بوبر، وينص باختصار على أن النظرية العلمية يجب أن تتوافر بذاتها على شروط تخطيئها عبر الاختبار، أي أن تقترح حالة أو حالات معينة تكون فيها خطأً لو حدثت، وهو ما يحدث فعلًا في الأبحاث العلمية. يمكن ملاحظة عدم توافر المقاربات الأخرى على هذا الشرط بشكل واضح جدًا، فهي تؤوّل أي حادثة كنسقٍ مغلق وفقًا لمبادئ داخلية فيها، وتلقي بعبء فشلها على الآخر.

إضافة إلى هذه المشكلة، يشيع عند الكثير من مزاولي هذا النوع من الممارسات الادعاء باعتمادهم على مصادر علمية، وأن ما خلصوا إليه من نتائج قائم على أبحاث علمية مثبتة وهم بهذا لا يرتكبون فقط خطيئةً أخلاقية بالكذب على الناس وخداعهم، بل يكذبون على العلم نفسه. هذه الممارسات لا تقتصر على الكذب على علم النفس فقط، بل تمتدّ إلى علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم الفلك والطب وغيرها.

لكن في الوقت الذي نشير في إلى عدم علمية المجالات التي ذكرتها هنا، وإلى انتسابها إلى العلم الزائف، من المهم أن ألّا ننجرّ خلف بعض الآراء التي تصوّر العلم على أنّه مثاليّ وموضوعيّ تمامًا ولا ينطوي على إشكالات منهجية وعمليّة.

فعلم النفس أحد أكثر العلوم ضبابيةً وإشكالًا نسبيًا لأسباب كثيرة، من أهمّها أنّ الدارس والمدروس فيه واحد، حيث يدرس فيه الإنسانُ الإنسانَ نفسه وكأنّه ظاهرة مستقلّة، ويسعى جاهدًا لضبط عوامل كثيرة لا يمكن إحصاؤها موضوعيًا لكي يضبطها أصلًا. هذا يخلق تحديات صعبة للعلم ومحدّدات لإمكاناته. كما أن علم النفس، ومعه الطب النفسي أيضًا، يتعرّضان للكثير من التأثيرات الاجتماعية والسياسية التي توجّههما بل وتتدخّل في نتائجهما أحيانًا، فتطوّر علم النفس الاجتماعي متعلق كثيرًا بما حدث في الحرب العالمية الثانية وموقف الطب النفسي من بعض الاضطرابات متأثر بحركات اجتماعية وسياسية ضغطت عليه، وتمويل الأبحاث ونشرها يخضع أحيانًا لمصالح خارج العلم نفسه، وتفسير النتائج نفسها قد يختلف من ثقافة لأخرى.

لكن هذه الانتقادات وغيرها لا تنفي التقدير والاهتمام الكبير اللذين يحظى بهما علم النفس بشكل متزايد تبعًا لتطوّر قدرته على الوصف والتفسير والتوقّع. هو علمٌ قادر على نقد ذاته، ويفعل ذلك باستمرار. وهو مجالٌ له منهجه الذي يحاول مقاربة الحقيقة ولا يدّعي الوصول إليها تمامًا، وإنّما يعترف علماؤه بقصورهم وبتحيز دراساتهم ولا يقينيّتها، ويسعون لتطويرها باستمرار لقياس وتفسير وتوقّع الظواهر كما هي، كما في أيّ علم.

إشكاليات أخرى

إضافة إلى مشكلة العلمية التي تعاني منها مجالات علم الطاقة والتنمية البشرية وغيرها، فإن فيها مشاكل على المستوى السياسي والأخلاقي، خاصة في بلداننا.

أولًا، يشكّل استغلال الناس وحاجتهم أهمّ المآخذ الأخلاقية على هذه المجالات، فهي تَعِدُ الناس بالكثير من الأمل والنجاح والتغيير نحو الأفضل وامتلاك زمام الأمور وغيرها من الوعود البرّاقة، متعمّدةً بشكل رئيسي على كاريزما المتحدّثين ومهارات التواصل والإقناع. وهذا يدفع الكثيرين للتصديق والاتّباع، وإنفاق أموالهم وأوقاتهم وجهودهم لتحصيل هذه النتائج المتخيّلة. فمثلًا، أقيمت في عمّان قبل فترة دورة بعنوان «مدمن نجاح»، كان سعر المقعد العادي فيها 425 دينارًا.

وإضافة إلى مشكلة الاستغلال المادي للناس يمكن أن يمتد الأثر إلى تعريض الناس لأذىً نفسي بجعلهم فريسةً للأوهام وخيبات الأمل والتصورات غير المنطقية عن الحياة والواقع، خاصة في ظل غياب أي رقابة على هذا النوع من النشاطات، وعلى مؤهّلات المدرّبين واعتماداتهم.

ثانيًا، من مشاكل هذا الخطاب هو استخدامه أحيانًا من قبل السّلطة السياسية لرفع اللوم عنها. فالكثير من «أدبيّات» وفعاليات التنمية البشرية و«علم الطاقة» و«قانون الجذب» تتحدّث بيقينيّة وتختزل مشاكل البشر في الفرد نفسه أو في عوامل محددة فيه، فأنت لا غيرك مناط التغيير وطريقة تفكيرك هي كل شيء وكل مشاكلك تبدأ منك أنت، وكل شيء تريده لا يقف في طريقه سواك أنت وانضباطك الشخصي بغض النظر عن الظروف.

ربما ليست هناك مشكلة كبيرة في قول ذلك لشخص ما كنصيحة محفّزة، لكن المشكلة في خطاب عامٍ من هذا النوع أنه تبسيط مخلّ جدًا لمشاكل الإنسان ولظواهر الحياة المعقّدة، ويُعفي السّلطة والبُنى السلطوية والاجتماعية بكافة أشكالها من مسؤولياتها.

هذا التصوّر مغاير تمامًا للمقاربة التي يعتمدها علم النفس، وطب النفس كذلك، في تفسير الظواهر، فالطبّ النفسي مثلًا في تفسير مشاكل الإنسان يأخذ بعين الاعتبار العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية، بل ويعطي الأولوية أحيانًا للمحيط في التسبّب بمشكلة الفرد. هذا أيضًا مما يجعلنا نفهم لماذا تفشل هذه المجالات في حلّ مشاكل الكثير من الناس، ولماذا يقف الكثيرون منها موقفًا صارمًا مدفوعًا أحيانًا بردّة فعل عاطفيّة بسبب خيبة الأمل التي تعرّضوا لها بعد تبنّيها.

يمكن لنا في الأردن على سبيل المثال أن نلمس تسويق السّلطة للخطاب «الإيجابي الريادي» الذي يحثّ الشباب على أخذ زمام المبادرة وعدم الانتظار لتأمين فرصة عمل. هذا، وإن كان بعضهم يدافع عنه لكونه جزءًا من التوجّه الليبرالي الذي يحاول تحرير الأفراد من الدولة الريعية، إلا أنّه خطاب لا يأخذ بعين الاعتبار التعقيد الكبير للظروف الاجتماعية والسياسية والبُنى التي تقف عائقًا كبيرًا أمام هذه الريادة الفردية والتفكير الإيجابي.