رأي

وردة وصلاح والتستر على التحرش: نحن أيضًا نستحق العدل

الأحد 30 حزيران 2019
لاعب كرة القدم المصري عمرو وردة في تدريب للمنتخب في 29 حزيران 2019، بعد عودته للمشاركة في كأس أمم أفريقيا عقب استبعاد مؤقت. أ ف ب.

منذ فترة طويلة، يروج محمد صلاح لنفسه على أنه داعم لحقوق المرأة ويرى «أننا يجب أن نغير الطريقة التي نعامل بها النساء في ثقافتنا». الحديث عن المرأة تحدٍ صعب للاعب كرة من «الشرق الأوسط» يحترف في الدوري الإنجليزي، ويتطلب قدرًا من الذكاء، كما أنه ورقة رابحة لكسر الصورة النمطية عن الرجل البني، وملائمة لميل الصحافة العالمية المناهض للعنف الجنسي بعد حملة MeToo. لكنها، في الوقت ذاته، ورقة مكلفة واقعيًا، تطالبه بإعلان مواقف واضحة، وتضعه في موضع مساءلة عندما يحين استخدامها في موقف حقيقي وقريب منه.

يكتب محمد صلاح على تويتر تغريدتين بخصوص اتهامات تحرش لعمرو وردة اللاعب في المنتخب الوطني المصري في البطولة كأس الأمم الأفريقية، لكنه يكتبهما بلغة إنجليزية وبمصطلحات لا يعرفها أغلب متحدثي الإنجليزية في مصر مثل «guillotin» و«shunning». يتحدث محمد صلاح عنّا، لكنه يخاطب الجمهور الغربي بموقف بدا له غالبًا داعمًا للمرأة، لإنه يبدأ بإقرار قاعدة «لا تعني لا» المناهضة للانتهاك الجنسي. ثم يكمل صلاح أنه يجب علينا أن نعطي الناس فرصة ثانية، ولا يجب إرسالهم للمقصلة بسبب خطأ؛ لأن هذه ليست الطريقة الصحيحة لحل الأمور. 

جمل دبلوماسية كادت أن تنجح في مسك العصا من المنتصف، لو لم يتبعها توسط محمد صلاح في اجتماعات اتحاد الكرة المصري لعودة وردة للمنتخب الوطني في اليوم ذاته، بالضبط مثل شيخ قبيلة غير معني سوى بفرض السلم العام.

من يحدد سقف العقوبة؟ وبأي حق؟

كلما تردد أمامي جمل عن ضرورة التسامح وإعطاء فرص أخرى لمرتكبي التحرش أفكر أنني بالفعل ضد أحكام الوصم الأبدي، ضد الاغتيال النهائي وغلق أبواب العودة. مبادئ الرحمة والعدل تقتضي ألا يعاقب الفرد على الجريمة الواحدة أكثر من مرة، ولا يعاقب بعقاب أكبر من الجريمة، وأن يكون العقاب تأديبيًا للردع، وليس الانتقام. في الوقت نفسه تحاول المنظومة الحقوقية تطويع القانون لتكون العقوبة للإصلاح بالأساس، بحيث يخرج الناس من عقوبتهم أفضل مما كانوا عليه. تفترض العقوبة حقوقيًا أن العفو هو الطريقة الأصلح لبناء وتطور المجتمعات، ودون ذلك يتحول المجتمع لمجموعة من القضاة يحاكمون وينهون بعضهم باستمرار.

لكن العفو لا يُقدم بشكل مجاني، ولا يمنحه من لم يقع عليه الضرر نيابةً عن الضحايا. هنالك ضريبة للأذى في جرائم الحق العام والخاص، ثمن يحقق العدالة ويضمن عدم التكرار. يتضمن ذلك تحقيقًا قانونيًا في الوقائع المقدمة ضده، ويندرج تحته استبعاد وردة من تمثيل مصر في المنتخب، والاعتذار الصريح لضحاياه، والالتزام ببرنامج علاج وتأهيل نفسي. يفرض المجتمع الحقوق بالعدل ثم العفو، ويفتح الباب للأفراد أن يكونوا النسخ الأفضل من أنفسهم عن طريق تحملهم مسؤولية أخطائهم وفهمها وتخطيها. كل ما عدا ذلك هو كارت أبيض للإيذاء. 

لا يعيب المنتخب المصري اتهام أحد لاعبيه بالتحرش، ما يعيبه فعلًا هو التستر عليه.

أنكر وردة كل محتوى التسريبات، وسخر من الفتيات اللواتي اتهمنه، ثم اضطر للاعتذار بعد صدور محادثات جديدة من فتاة مكسيكية وفيديو جنسي له. اضطر للاعتذار في النهاية بعد استبعاده من المعسكر، لكنه اعتذر للمنتخب والجهاز الفني وأهله والجميع فيما عدا ضحاياه. لا لأنه أخطأ، بل لأنه «جابلهم الكلام». 

اتهم عمرو وردة عدة مرات بالتحرش والتهديد وتعمد الإهانة عند رفض الفتيات له. تم تغريمه وإيقافه عن اللعب مع الأهلي في 2011 بسبب تهم أخلاقية. طرد من نادي باوك باليونان بسبب «تحفظ المدرب على سلوكياته»، وطرد من نادي فيرينسي البرتغالي لشكاوى تحرش من زوجات زملائه اللاعبين وفتيات في نطاق إقامته. عدد من الحوادث أبدى فيها سلوكًا مهووسًا جنسيًا ومبتزًا وبنمط متكرر؛ إلحاح شديد، يعقبه تهديد وسبّ ثم إلحاح مرة أخرى. في سياق الإصلاح، يجبر صاحب هذا السلوك على العلاج النفسي. أما في الحق العام، فالتحرش جريمة مخلّة بالشرف لا تسقط بالاعتذار ويعاقب عليها القانون المصري بالسجن والغرامة. لا يبدو الحرمان من المشاركة في بطولة الأمم الأفريقية عقابًا قاسيًا بالنسبة لما يفرضه القانون بدءًا، وبالطبع لا يمكن تشبيهه بالموت بالمقصلة. 

الستر على «الولايا» فقط 

شاركت دار الإفتاء المصرية في الدفاع عن عمرو وردة مصرحةً بأن الستر على مؤمن من صفات الأنبياء، وهو ما يبدو كلامًا عاقلًا ومتسامحًا لولا خلوه من أي حديث عن العدل ورد المظالم وحرمة رمي المحصنات في الإسلام. يمكنك أن تطلب من الناس تحري الستر دون العدل في حالة واحدة؛ أن يكون الطرفان مخطئان خطأً رضائيًا تسرب للتداول العام، حينها يصبح الستر هو فعلًا الموقف الإسلامي المتسامح الوحيد. لكن في أفضل الحالات، لا تعترف دار الإفتاء بوجود تهمة التحرش، ربما لأنهم نساء متبرجات يتحدثن مع ذكر غريب على مواقع التواصل الاجتماعي. 

يمكنني حتى تفهم ذلك الموقف المحافظ الداعي للستر، فعلًا، لولا أنه ظهر في حالة عمرو وردة ولم يظهر في حالة تسريب فيديو جنسي بالتراضي لممثلتين مصريتين مع المخرج خالد يوسف، ليُقبض على الفتاتين فقط ويُدمر مستقبلهن المهني والشخصي بعد اتهامهن على أثره بتهم مخلة بالشرف. ولا في حالة الممثلة رانيا يوسف حين قُدم ضدها بلاغ للنائب العام بسبب فستان حضرت به مهرجانًا فنيًا. ولا في حالة الممثلة غادة عبد الرازق حين ظهر جزء من صدرها بالخطأ في فيديو على إنستجرام. في الواقع، أجبرن جميعهن على طلب العفو والاعتذار علانية للدولة والمجتمع والأهل والأصدقاء.

كان الستر في مصر تاريخيًا وشعبيًا من نصيب النساء، الولايا المستضعفات، لأن شرف الرجل في كلمته أو في جيبه أو في المرأة المسؤول عنها، أما فضح فتاة في مجتمع محافظ لا يختلف كثيرًا عن إهدار دمها وفتح أبواب للثأر. اعتدنا أن نرى الستر في الوعي الشعبي عن طريق درء المفاسد في صور الحماية وتزويج الأرامل والمطلقات، بتقديم المساعدات المادية والدعم للمرأة المعيلة والفتيات المقبلات على الزواج، في تحريم الخوض في الأعراض وربطها بالشهامة والشرف، والستر حتى في معناه الحرفي في تغطية أجساد النساء واشاحة النظر عما يظهر منها بالخطأ. ربما كان ذلك الوعي الشعبي هو ما جعل رانيا يوسف تدافع عن نفسها بجملة «بدل ما تصورني نبهني لوجود مشكلة»، قبل أن تتحول الكلمة إلى نكتة تتداول على مواقع التواصل الاجتماعي.

دروس في العار المجتمعي والردح الشعبي

في نهاية يوم شديد الإحباط والفجاجة، ظهرت رانيا يوسف بنفس صورة فستانها القديم، تسأل المحامين: فستاني خدش الحياء والتحرش لأ؟ 

لم يمر عام واحد على حلقة عمرو أديب التي أجبرت فيها رانيا يوسف فيها على اختلاق مبررات واعتذارات بسبب فستان. مستوى من الإذلال العام أوصل النقاش إلى أسئلة مثل هل كان للفستان بطانة قماشية أم لا، هل أدارت ظهرها للمصورين أم لا، هل كانت تتخيل أن ترى صورها هذه في الجرائد والمجلات العالمية؟ باعتبار ما حدث فضيحة، قالت رانيا أنها في كابوس ولا تصدق أن كل ذلك يحدث بسبب فستان. قاطعها عمرو أديب «بس الناس عندها حق»، لترد «أيوة طبعًا، مش هعمل كده تاني».

الخوف يعلم الناس الخضوع، لذا، قدمت فروض الولاء والطاعة أمام تهديدها بالحبس وبوقف مستقبلها الفني. والقهر يعلّم التحايل وتلقيح الكلام، كما نقول في العامية المصرية، لأن من يملك سلطة وحق الحديث غير مضطر لرمي الكلام بالمجازات. فحين أعلنت عودة عمرو وردة للمنتخب مرة أخرى، ظهرت رانيا يوسف بعدة تصريحات عن مناهضة التحرش، بلهجة أنا مش مع حد ضد حد، أنا عندي بنات وعايزاهم يمشوا آمنين في بلدهم.

يشعر الكل بالذنب والتهديد في مجتمعات العار، لأن الكل مذنب في قرارة نفسه، وطلبهم للتستر على الانتهاك هو بمثابة طلبهم بالستر على ولاياهم وذنوبهم الشخصية، حتى المتخيِّل منها. نستطيع أن نرى ذلك الهلع كنساء مشاهدات للموقف عن بُعد، ولا يستطيع أغلبنا في الوقت ذاته أن نخرج مع عمرو أديب لتلقينه هو والمحامي درسًا أن أجسادنا ليست موضوع للنقاش العام.

ترفع المقصلة للنساء طيلة الوقت، مهما وصلت شهرتهن أو مكانتهن أو مستواهن الاجتماعي. تبقى النساء نساءً، وتظل أجسادهن موضوعًا عامًا تُرفع بسببه دعاوى قضائية.

لم يكن التضامن هو السمة الغالبة بين اللاعبين قبل قصة وردة. لم نرَ وقفة التضامن ودعاوى التسامح والإصلاح ذاتها مع لاعبين آخرين دُمر مستقبلهم الكروي بلا رجعة، مثل اللاعب أحمد المرغني حين فسخ عقده واستبعد نهائيًا من الدوري الممتاز منذ أربع سنوات وحتى وقتنا هذا بسبب تغريدة منتقدة للسيسي، ومثل إيقاف أحمد عبد الظاهر عن اللعب وإحالته للتحقيق لأنه رفع إشارة رابعة في المباراة، ولا حتى عند إيقاف أبو تريكة وتغريمه نصف مليون جنيه عند رفضه اللعب احتجاجًا على إقامة مباراة كأس السوبر المصري وبداية موسم جديد الدوري دون القصاص لضحايا مجزرة بورسعيد، ثم إدراجه فيما بعد على قوائم الإرهاب وحرمانه فرصة العودة لمصر حتى لحضور جنازة أبيه. 

لا يعيب المنتخب المصري اتهام أحد لاعبيه بالتحرش، ما يعيبه فعلًا هو التستر عليه. ما يهين المنتخب المصري هو رفع قميص عمرو وردة ورقمه في الملعب في المباراة التي مُنع من المشاركة فيها بأمر من اتحاد الكرة، وتحويله لرمز مظلوم وضحية قبل حتى اعتذاره. سارع اللاعبون لطلب العفو، ومر دعم وردة مرور الكرام، حتى تحول المنتخب في عيون مشجعيه إلى أشبال نادي شباب متواضع يقومون بتسليك جماعي وصريح للمتحرشين.

في المقابل، عاد وردة للمنتخب ورفع علامة النصر في المباراة. لم يعد مهزومًا ولا معاقبًا، وإنما ضحية ومظلوم رافعًا علامة النصر.

يحدث حين نريد تغيير الطريقة التي نتعامل بها في «الشرق الأوسط» مع المرأة، أن ننظر لها نظرة استشراقية متماهية مع خطاب الرجل الأبيض؛ يكون التغيير فيها بالقدر الذي تستحقه كإنسان يعيش في العالم الثالث متخلفًا عن ركب «الحضارة» وليس لكونها على قدم المساواة مع غيرها من النساء والرجال. لا يمكن مجرد التفكير في تصريحات وإجراءات مشابهة من محمد صلاح وزملائه في نادي إنجليزي، لكن في دولنا نطالب بالستر وحماية مستقبل المتحرشين تحت شعار «كلنا فاسدون»، كأننا في خصوصيتنا هذه لا نستحق معايير محاسبة عادلة، ولا يجب علينا السعي لتسمية الأشياء بمسمياتها.

ترفع المقصلة للنساء طيلة الوقت، مهما وصلت شهرتهن أو مكانتهن أو مستواهن الاجتماعي. تبقى النساء نساءً، وتظل أجسادهن موضوعًا عامًا تُرفع بسببه دعاوى قضائية. لذا يبدو أننا ما زلنا بحاجة للقول: أجل، نحن سيدات عالم ثالث ونحن أيضًا نستحق معايير واضحة وعادلة.