روتين مُفتقَد: عن اضطراب طيف التوحد في ظل حظر التجول

الخميس 02 نيسان 2020
طفل من ذوي اضطراب طيف التوحد في معهد تعليمي-صحي في فرنسا. تصوير فرانك فيف، أ ف ب.

يجلس علي* أمام الحاسوب على طاولة السفرة، إلى جانب غرفة المعيشة في بيته، يستمع ويشاهد باهتمام طوال 50 دقيقة تقدمها معلمته باستخدام منصة تعلّمية إلكترونية.

بدأ علي (15 عامًا)، وهو من ذوي اضطراب طيف التوحد، هذه الجلسات الإلكترونية بعد أن اُغلق المركز الذي كان يرتاده إثر قرار الحكومة بإغلاق كافة المؤسسات التعليمية في 14 آذار الماضي، ضمن إجراءاتها لمواجهة فيروس كورونا المستجد. 

تقول والدته علا* إن علي انخرط في هذه الجلسات لاستكمال الخطة التي وضعها مركزه لتطوير مهاراته منذ بداية العام، وتضيف «إحنا ما بندخل أبدًا بالحصة إلا إذا كان في مشكلة تقنية، ممكن نساعده في حلها». 

علي متعلقٌ بزملائه ومعلميه في المركز، لذا حين جمعتهم معلمتهم على المنصة التعلّمية، «كثير انبسط لما شاف صديقه، وهو أكتر حد بحبه من صفّه. اطّمنوا على بعض وبعدين كمّل جلسته لحاله»، تقول والدته.

يقدم عدد من مراكز التربية الخاصة لمنتسبيها جلسات تعليمية كالتي يتابعها علي، في محاولة لتقليل آثار حظر التجول على الأطفال من ذوي الإعاقة، تحديدًا من ذوي اضطراب طيف التوحد. «هي صحيح بس ساعة واحدة باليوم، بس على الأقل علي بظل من الصبح يستنى معلمته، وبعد هيك ممكن يكون عنده واجب يعني يومه مليان تقريبًا»، تقول الأم.

في سبيل تخفيف الحركة والسيطرة على الأطفال في ظل عدم تمكنهم من قضاء أوقات في حدائق اللعب، تحاول علا تقليص كمية السكاكر في نظام أطفالها الغذائي. «بستخدم وصفات معينة بالأكل لحتى ما يزيد الطاقة والنشاط عند طفلي. هذه المنتجات [أي السكاكر] ترفع من طاقة الأطفال ولا يوجد متنفس لديهم لتفريغ طاقتهم». 

يوصف اضطراب طيف التوحد بأنه إعاقة تؤثر على كيفية تواصل الطفل وتفاعله مع الناس والعالم من حوله، وفق مؤسسة أمينا المعنية بالتوعية بحقوق ذوي اضطراب طيف التوحد. كل طفل فريد من حيث درجة الأعراض، وبعضها أكثر حدة من الآخرين ويتطلب نهجًا مختلفًا للتدخل التربوي والسلوكي، كما قد يؤثر على التطور اللغوي وفهم اللغة وإنتاجها.

تقول نسيبة سلام، وهي مدربة معتمدة لدى منظمة هانن الكندية في برامج التدخل المبكر وتطوير اللغة لذوي اضطراب طيف التوحد، إن التنظيم اليومي لنشاطات الطفل يُبنى مع الشخص من ذوي اضطراب طيف التوحد فور الكشف عن إعاقته، لملء وقت الطفل بأنشطة وفعاليات مفيدة، وقتل أوقات الفراغ التي قد تتسبب بسلوكيات غير مرغوبة. وبحسب سلام، يستفيد الأهل والاختصاصيون من التنظيم اليومي في التدخل التربوي والسلوكي للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد في العديد من الجوانب، لا سيما التواصل واللعب والتعليم، ليتحول ذلك إلى روتين يومي بالنسبة للطفل.

«تِعِب وإحنا تعبنا معه»

بعد إعلان قانون الدفاع وفرض عدم التجوال في الأردن، يواجه أولياء أمور أطفال من ذوي الإعاقة تحديات في ظل حاجتهم الخاصة للاستمرار في «روتين» يشعرهم بالأمان.

عماد، والد عمر (12 عامًا)  قرر كسر حظر التجول بعد أن ساءت حالة ابنه وهو من ذوي اضطراب طيف التوحد، نتيجة الانقطاع عن مركز التربية الخاصة الذي يلتحق به. «زادت نوبات الغضب، صار سريع الغضب. تِعِب وإحنا تعبنا معه، رجعنا 100 سنة لورا»، يقول عماد.

لم يتمكن عماد من الحصول على تصريح للخروج بابنه جولة في السيارة، حتى بعد طلب المساعدة من المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. في عصر اليوم الثالث للحظر، قرر عماد كسره: «بدهم يحبسوني؟ خليهم يحبسوني».

يعلم عماد جيدًا تبعات خرق قانون حظر التجول، المتمثلة بحجز السيارة والحبس و/أو الغرامة المالية، إلا أنه لم يجد وسيلة اخرى مع طفله الذي اعتاد على روتين يومي يتضمن الذهاب إلى مركز التربية الخاصة. «كل يوم بصحى وبصير يجهز بحالة بده يروح على المركز. لما ساءت حالته، طلّعته بالسيارة مسافة 200 متر بشوارع داخلية لحتى يرتاح شوي». 

«كل يوم بصحى وبصير يجهز بحالة بده يروح على المركز. لما ساءت حالته، طلّعته بالسيارة مسافة 200 متر بشوارع داخلية لحتى يرتاح شوي». 

توقفت الخدمات التي اعتاد عليها عمر في المركز بعد قرار تعطيل المؤسسات التعليمية. إلا أنه بعد قرار الحكومة بالسماح للمواطنين بالخروج من المنزل حتى السادسة مساءً بدأت عائلته بمساعدته على ملء يومه من خلال أنشطة وألعاب مختلفة، تسهم في تفريغ طاقته وتقليل نوبات الغضب، حسبما يقول والده. 

عمر وعلي ليسا الطفلين الوحيدين اللذيْن اضطرب روتينهما اليومي مع حظر التجول، إذ يبلغ عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن 911 ألف شخص، ويشكلون ما نسبته 15% من إجمالي عدد السكان، وفق بيانات التعداد السكاني لعام 2015. 

لا يوجد في الأردن إحصاءات تفصيلية حول أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة، حسب نوع الإعاقة، حيث أن الإحصاء الوحيد الذي شملهم كان في عام 2015 واستخدم أسئلة «مجموعة واشنطن» التي تقسم الإعاقة إلى (الرؤية، المشي، السمع، التذكر والتركيز، التواصل والعناية الشخصية)، بينما لم تحدد هذه البيانات نوع الإعاقة وشدتها بشكل تفصيلي، مما يجعل الأردن حتى الآن بلا بيانات دقيقة حول ذوي اضطراب طيف التوحد. عالميًا، تقدر منظمة الصحة العالمية بأن واحد من كل 160 طفل حول العالم هو من ذوي اضطراب طيف التوحد.

لا تصاريح للأهالي

تؤكد الناطق الإعلامي في المجلس الأعلى لحقوق الاشخاص ذوي الإعاقة، غدير الحارس، استقبال المجلس اتصالات عبر الخط الساخن في أغلبها يتعلق بإصدار تصاريح خروج لأولياء أمور ذوي الإعاقة، إلا أن المركز يعجز عن تسهيلها نتيجة عدم وجود آلية حكومية لمثل هذه التصاريح. 

اكتفى المجلس بنشر رسائل توعوية تقدم حلولًا بديلة عن الخروج من المنزل بهدف تفريغ طاقة الأشخاص ذوي الإعاقة، وكسر الملل نتيجة الوقت الطويل الذي يقضونه بالمنزل. وتقول الحارس: «هذا ظرف طارئ والمجلس لم يسعفه الوقت في ترتيب آليات الحصول على تصاريح لذوي الإعاقة». 

كما قدم المجلس محتوى توعويًا يتعلق بفيروس كورونا  المستجد والوقاية منه بلغة الإشارة، وتواصل مع محطات تلفزيونية محلية لتوفير نشرات أخبار تصل للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية.

وأعلن المجلس يوم الثلاثاء عن إطلاق قناة تعليمية للطلاب الصم، تحتوي على دروس مصورة بلغة الإشارة لطلاب الثانوية العامة الفرع الأدبي، حيث بدأ المجلس بتحميل الدروس الخاصة بمواد الحاسوب واللغة العربية (التخصص والمهارات) والتربية الإسلامية، على أن يتم استكمال المباحث الأخرى تباعًا. 

ليلة الإعلان عن حظر التجول، توجه مصطفى دنو الناشط في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ووالد عبد الوهاب ذي اضطراب طيف التوحد، إلى أحد محلات ألعاب الأطفال في عمان لشراء ترامبولين (أو منطّة). «حسبت حساب إنه ممكن الحظر يطوّل. الترامبولين واحدة من الأدوات التي تساعد الأطفال ذوي الإعاقة على تفريغ طاقتهم». 

لكن خطة مصطفى لم تنجح، فبعد وصوله لبيته، اكتشف أن قطع الترامبولين غير مكتملة، ولم يتمكن من تركيبها. تواصل مع صاحب المحل إلا أنه لم يتمكن من توصيل القطع المفقودة في الليلة ذاتها. «حكالي راحت لبعد الحظر. إن شاء الله إنه ما بطوّل. يا فرحة ما تمت». 

في تلك الليلة، جلس مصطفى مع ابنه عبد الوهاب (6 سنوات ونصف) وشقيقته هيام (4 سنوات)، وأخبرهما بأن الحكومة منعت التنقل لمواجهة مرض الكورونا، وأخبر عبد الوهاب أن منع التجول هذا يشمل الذهاب للروضة. «بسألني كثير بابا متى بدي أرجع على الروضة؟ بحكيله بس يروح الكورونا. قدرت أوصلّه مفهوم إنه في مرض وإحنا بالبيت لحتى ينتهي هذا المرض». 

تحاول عائلة عبد الوهاب دائمًا بأشغاله بألعاب أو وسائل تعلّمية في محاولة لتعويض ما فاته من حصص في الروضة. يقول مصطفى إن معلمة ابنه ترسل له أرواق عمل عبر واتساب، إلا أن حظر التجول يحول دون طباعة هذه الأوراق، فيضطر الوالدان لإعادة رسمها لعبد الوهاب.  

يؤكد مصطفى ضرورة إصدار تصاريح خروج للأشخاص ذوي الإعاقة وأولياء أمورهم. «ممكن يسمحوا لنا بالخروج مثلًا لأقرب حديقة عامة للبيت، بحيث أطفالنا يفرغوا طاقتهم وبكسر الملل عندهم من الوقت الطويل اللي بقضوه بالبيت». 

تقول عائشة عبد اللطيف، مديرة الجمعية الأردنية للتوحد، إن الجمعية استقبلت اتصالات واستفسارات حول مدى إمكانية توفير تصاريح للتنقل للأشخاص ذوي الإعاقة، لكنها لم تتمكن من استصدارها. «أخبرتنا وزارة الصحة بضرورة التحمل والجلوس في المنزل».

تقول عائشة، وهي أم لطفلة من ذوي اضطراب طيف التوحد، إن الحكومة اتخذت القرار دون التفكير بالأشخاص ذوي الإعاقة والتحديات التي تواجههم. «الأصل أن يتم استثناء ذوي الإعاقة المتوسطة والشديدة من قرار الحظر»، تقول عائشة مضيفةً أنه في الأسبوع الأول من الحظر، كان الضغط على أولياء الأمور كبيرًا نتيجة كسر الروتين اليومي لأطفالهم.

«الروتين اليومي هو مثلًا إنه أنا يوميًا لازم آخذ بنتي بالسيارة. كل يوم بنفس الموعد بتسأل عن السيارة وليش ما بدنا ناخدها». كسر هذا الروتين، حسب عائشة، يتم من خلال علاج سلوكي وبحاجة لوقت طويل، «بينما الآن أهالي ذوي الإعاقة يواجهون ضغوطات يومية لا نعلم إلى متى قد تستمر». 

ما الخدمات المتوفرة؟

خصصت منصة «حبايبنا»، وهي منصة تقدم محتوى متخصص يهدف إلى تسهيل دمج الأشخاص ذوي التحديات الذهنية في المجتمع، خدمة مكالمات هاتفية تهدف إلى تشبيك أهالي الأشخاص ذوي الإعاقة مع اختصاصيين لتقديم استشارات وحلول بديلة في ظل حظر التجول. 

تقول ريم فرنجي، مديرة المنصة، إن هذه الخدمة كانت متاحة قبل الكورونا لتقديم استشارات عامة، بينما باتت معظم الاتصالات التي تيسرها المنصة الآن تتعلق بالحجر الصحي وإمكانية تأقلم الأطفال مع حظر التجول، وعن الأنشطة التي يمكن عملها مع الأطفال ذوي الإعاقة. 

«كل شخص من ذوي الإعاقة يواجه تحديات مختلفة خاصة في التعلّم وأساليب التعليم، وهذا لا يتم مراعاته في المناهج الدراسية أو في المناهج التعليمية الإلكترونية».

ومن خلال مشروع التعليم الدامج الذي تعمل عليه منظمة ميرسي كور في الأردن، استمر 115 معلمًا في تقديم الخدمات للطلاب من ذوي الإعاقة في مختلف محافظات المملكة. وتهدف هذه الخدمة إلى عدم انقطاع الأشخاص ذوي الإعاقة عن العملية التعليمية، ومحاولة تيسير المناهج التي تقدمها منصة درسك التعليمية التي أطلقتها الحكومة. 

يقول عبد الرحمن العوامرة، منسق مشروع التعليم الدامج، إن معلمي ظل يقدمون خدمات يومية للطلاب ذوي الإعاقة، من خلال أوراق عمل أو اتصالات فيديو أو هاتفية لاستكمال تحقيق الأهداف الفردية المحددة لكل طالب. ويستفيد من هذه الخدمة الطلبة الملتحقون بمشروع التعليم الدامج، والمسجلون ضمن مشروع المنظمة في المدارس الحكومية، وهم من ذوي الإعاقة الحركية أو الذهنية، ومن درجات مختلفة، وليسوا من ذوي اضطراب طيف التوحد فحسب.

في الأردن يتلقى الأشخاص ذوو الإعاقة الخدمات التعليمية أو التأهيلية من خلال مراكز التربية الخاصة، أو من خلال المدارس الحكومية والخاصة الملتحقين فيها، علمًا بأن عدد الملتحقين في المدارس الحكومية من الأشخاص ذوي الإعاقة لا تجاوز 5% من إجمالي الطلبة. 

هذه الخدمات لم تستمر لدى قيس (9 سنوات) وهو طالب من ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث انقطع قيس بحسب والده عن العملية التعليمية فور إعلان تعطيل المؤسسات التعليمية من قبل الحكومة. 

تقول مريم، وهي معلمة الظل المرافقة لقيس في مدرسته الحكومية بالعاصمة عمان، إن العملية التعليمية للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد تعتمد على الوسائل التعليمية الملموسة التي تسهم في تبسيط المحتوى المقدم للطالب من قبل المعلم الرئيسي في الصف، ولا يمكن ببساطة الوصول إلى الطالب من خلال فيديو قصير يشاهده. «مش صح مقارنة طفل بطفل ثاني. كل شخص من ذوي الإعاقة يواجه تحديات مختلفة خاصة في التعلّم وأساليب التعليم، وهذا لا يتم مراعاته في المناهج الدراسية أو في المناهج التعليمية الإلكترونية، وفي ظل حظر التجول لم أتمكن من الوصول لقيس، وهذا يعني انتكاسة مش رح تكون سهلة نتيجة انقطاعه عن التعليم لفترة طويلة».

وترى سارة إبراهيم، وهي أخصائية تربية خاصة وتعمل في مجال تعديل السلوك، أن التحدي الأكبر هو ذلك الذي يواجه الأشخاص ذوي الإعاقة غير الملتحقين بمراكز تربية خاصة أو مدارس. «هؤلاء لديهم روتين يومي يعتمد [فقط] على أولياء أمورهم، ويتضمن الخروج إلى أماكن اللعب أو الحدائق العامة، أو حتى جولة في السيارة.. وكل هذا غير متاح حاليًا».


*اسم مستعار.