عن الصراع بين المنسف والمقلوبة

الخميس 23 أيار 2019

لازمني شعور دائم طوال حياتي بأن ثمة صراعًا خفيًا بين المنسف والمقلوبة في المجتمع الأردني. ومع أن المنسف هو أول ما يخطر ببال الأردني وغير الأردني عند الحديث عن مطبخنا فإن المقلوبة تشكل منافسا قويًا وعنيدًا للمكانة التي يحتلها. يشكل هذان الطبقان بطاقة هوية لمطبخ مجتمعنا، بتنوعه وتعدد منابته. لا يهم هنا أصل المنسف وكيف جاء ولا جنسية المقلوبة ومن بدأها، فالمجتمع بنظري استدخل هذين الطبقين وانتمى لهما انتماء يتجاوز سؤال الأصول. ورغم أن الثقافة الشعبية الأردنية التي نشأنا عليها تنظر إلى المنسف باعتباره أردني الأصل وإلى المقلوبة باعتبارها فلسطينية، إلا أن غالبية المجتمع تتعامل مع كلا الطبقين باعتبارهما أردنيين وفلسطينيين معًا. سألت العديد من الأردنيين عن المقلوبة وأجابوني أنه لا يخطر في بالهم حين يطبخونها أنها ليست لهم. تلقيت الإجابة ذاتها عن المنسف في المخيلة الفلسطينية. الطريف أن هذا التجاوز لسؤال الأصول لم يحدث مع المسخن مثلًا، رغم أهمية هذا الطبق ولذته. كان يمكن للمسخن أن يشكل مع المنسف والمقلوبة مثلث الرعب في مطبخنا، لكنه، لأسباب لا أزعم معرفتها كلها، ظل مرتبطًا أكثر بأصله الفلسطيني ولم يتحول إلى طبق جامع لكل الأردنيين.

لولا المقلوبة لربما أصبح المنسف كل شيء في الأردن. حين تدعو أحدًا في الأردن إلى بيتك وترغب في إكرامه فإنك ستتجه نحو المنسف أو المقلوبة. هذان طبقان مكتفيان بذاتهما، يملآن المائدة وحدهما بطريقة لا تحتاج معها إلى مقبلات جانبية أو إلى أصناف أخرى مساعدة. طريقة تقديمهما متشابهة إلى حد كبير. ثمة سدر كبير وسط المائدة يسكب فيه الطبق وانتهى الموضوع. نتحلق حول الطبق قيامًا أو قعودًا لكننا لا ننتظر أن يكون شيء إلى جانبه سوى اللبن في الحالتين (وشيء من السلطة في حالة المقلوبة). ليس ثمة متسع لشيء آخر على المائدة، ولو وجد فلن ننظر إليه. سنستغرب إن أعددنا المنسف وإلى جانبه كفتة مثلًا، أو مقلوبة وقربها ملوخية. لا تتمتع طبخاتنا الشعبية الأخرى بهذا الاكتفاء. لنفكر في البامية مثلًا. هي أرز ولحم ومرق، تمامًا كما هو المنسف، ومع ذلك فإن المخيلة الأردنية لم تطور التعامل مع البامية لتصبح نصًا منفردًا مثل المنسف. وحتى الأوزي التي لا نعرف من أين سقطت علينا والتي يجرؤ البعض على تشبيهها، والعياذ بالله، بالمقلوبة، فإنها في الأغلب بحاجة إلى شيء آخر على المائدة يبرر وجودها. وحدهما المنسف والمقلوبة يرفضان الشراكة ويمنعانها.

لا أريد أن أزعم هنا أن مكانة المقلوبة مساوية تمامًا للمنسف، لكنها بالتأكيد الخيار الأكثر قربًا إليه. الصراع الخفي بينهما قد يعود في واحد من أسبابه إلى الصراع بين لحم الخراف ولحم الدجاج. أعتقد أن القيمة الأسطورية للمنسف تعود في واحد من أسسها إلى أنه يطبخ باللحم، لا بالدجاج. ارتبط اللحم تاريخيا في مجتمعاتنا بالثراء وسعة الحال، وغير المقتدرين لم يكونوا يتناولون اللحم سوى في المناسبات. اللحم أضاف على المنسف قيمة طبقية لا تملكها المقلوبة، وهو ما يفسر السخرية التي تمتلئ بها بعض النكات والأغاني الشعبية الأردنية ممن يتناولون المنسف بالدجاج. منسف الدجاج يهدم القيم التراتبية التي كونها المجتمع، هو ينزل بالمنسف درجة ويرتفع بالدجاج أخرى، فلا يعرف المتلقي لهذا النص العجيب أين يضعه. وعلى الجهة المقابلة فإن المقلوبة في أساسها عمل دجاجي. البعض يعدها باللحم، وهي شهية عند من جربها وأنا منهم، لكن الرغبة في الالتزام بقواعد الصراع بين المنسف والمقلوبة جعل الأغلبية تميل إلى الفصل بينهما عبر ربط الأول باللحم والآخر بالدجاج. المقلوبة درجة ثانية تحت المنسف لأن الدجاج ببساطة لا يصل لمكانة اللحم في الأذهان.

الوجه الآخر للصراع يعود إلى طريقة الطبخ وتعقيدها. لو اعتمدت قيمة الطبق على صعوبة إعداده والخطوات اللازمة لذلك لاحتلت المقلوبة المكانة الأولى بالتأكيد، لكن كثيرًا من الشعوب تتخذ هويتها الطعامية من الطبق الأسهل تحضيرًا لأنه يكون في متناول وقت الجميع. ما هي البيتزا الإيطالية مثلا؟ عجين ترمي فوقه كل ما لديك في الثلاجة وتضعه في الفرن. الباييا الإسبانية أرز تضع معه أي شيء تقريًبا، بأي طريقة تقريبًا، وتتركه فوق النار ليستوي. لا يختلف المنسف كثيرًا. لحم وأرز ولبن/جميد. حرك اللبن فوق النار وأضف اللحم وماءه إليه وضع الناتج فوق الرز. ليس هناك تعقيد ولا تفنن، والاحتمال الوحيد لعدم نجاح الطبخة يكمن في التغافل عن تحريك اللبن في المرحلة الأولى من الإعداد مما يؤدي إلى ما يعرف بـ «فرط اللبن». خلافا لذلك فالمقلوبة تحتاج إلى خطوات عديدة، وتستغرق وقتًا أطول، من تقطيع الخضار اللازم إلى قليه ووضعه طبقات تحت الأرز وترك الأرز على النار، وحتى قلب الطنجرة ذاتها في سدر الطعام عملية فنية تحتاج إلى تركيز وتمهل شديدين.

لهذا السبب ربما يشيع بين الرجال في الأردن القدرة على طبخ المنسف والزهو بذلك، فيما طبخ المقلوبة شبه مخصص لعالم النساء. سهولة إعداد المنسف تجعله خيارًا مناسبًا للرجال الذين لا يطبخون عادة في مجتمعنا، وإن فعلوا فإنهم يتجنبون الطبخات المعقدة ويتأففون منها. أذكر في الرحلات المدرسية التي كنا نقوم بها ونحن صغار أن المدرسين كانوا دومًا يعدون المنسف في الخلاء. الطنجرة جاهزة وكذلك اللحم واللبن، والأستاذ الطباخ يجلس فوق كرسي ويتحدث إلينا وهو يحرك المكونات ببساطة مبتسما ونحن معجبون بقدراته. لا يمكن بالطبع تخيل المقلوبة في رحلات كتلك. المقلوبة طبق مدجن، أكثر تعقيدًا، مكانه المطبخ الكامل بأدواته كافة ولا يقبل الوجود في العراء هكذا.

المنسف والمقلوبة كلاسيكو الأردن، تماما كريال مدريد وبرشلونة (..) الفرق هنا أنك في كلاسيكو الكرة يجب عليك الاختيار، فلا يجوز أن تكون مدريديًا برشلونيًا معًا، فيما المنسف والمقلوبة حالة نادرة من صراع لا يوجب نفي الآخر ولا معاداته.

لكن إذا كانت المقلوبة تتفوق على المنسف في فنية تحضيرها وتعقيده فإن طقوس تناول الطبقين تضع المنسف في المقدمة حتمًا. والحقيقة أنه ليس ثمة طقوس لتناول المقلوبة. لا فرق بين أن تأكل المقلوبة أو غيرها من أطباق الأرز. تمسك الملعقة وتأكل من الرز، ثم تتجه نحو قطعة الدجاج فتأكل منها بيدك كما هو مفروض، أو بالشوكة والسكين كما أصبحنا نرى مع الأسف، ثم تعود إلى الملعقة وتأكل اللبن أو السلطة. قد تغير في ترتيب خطوة هنا أو هناك، لكن الفكرة واحدة. ثمة رتابة في تناول المقلوبة، واحترام زائد لشكل الطبق، تفرضه ربما طريقة الطبخة نفسها التي تعتمد على وضع طبقة فوق أخرى من المكونات. في حالة المنسف تختفي كل القواعد ويشعر الشخص بأنه مقدم على حلبة ملاكمة. المنسف يتيح لك التوحد مع ما تأكله: تستخدم اليد إذا استطعت لخلط كل شيء معًا. ليس ثمة فاصل معدني بينك وبين الطعام. اللحم فوق الرز فوق اللبن والمرق يسيل بين الأصابع والكل منغمس في السدر لا ينظر في عيون جيرانه. المقلوبة مداعبة للطعام، والمنسف افتراس كامل له.

أي الطبقين ألذ؟ لا جواب فاصلًا هنا والمسألة أذواق. المغتربون مثلًا يحنون للمنسف الحقيقي بالجميد وخبز الشراك أكثر من حنينهم للمقلوبة نظرا لتوافر أغلب مكونات الأخيرة بسهولة حيث يعيشون. في فترة حياتي الأمريكية كان المنسف الحقيقي حلمًا صعب المنال. أذكر مرة عام 2007 أنني قضيت تسعة أشهر في نيويورك بلا منسف، وهي أطول فترة في حياتي أبتعد فيها عن هذا الطبق. حين ذهبت إلى شيكاغو لزيارة بعض الأقارب سألوني عما أحب أن آكله. نظرت وقلت: منسف أرجوكم. ذهبنا لمطعم أردني وسألنا مديرته إن كان لديها منسف. قالت إننا محظوظون لأنها أعدت كمية هائلة من المنسف لحفلة عرس أردني في المدينة. سألتنا إن كنا نريد المنسف في صحون أم في سدر. قلت لها إن هذا السؤال بحد ذاته إهانة لنا. فهمت علينا كأي أردنية نبيلة وأحضرت لنا سدرًا من المنسف، وكنت على وشك أن أنشد شعرًا وأنا ألتهمه.

أشعر أحيانًا أن المجتمع يعمل بشكل مقصود على خلق الفروق بين المنسف والمقلوبة وإدامتهما بهدف إدامة الصراع. لماذا لا يوضع على رز المنسف بهارات المقلوبة مثلًا؟ لماذا لا تحضر المقلوبة بالرز الأبيض كما هو حال المنسف؟ ثمة وعي كامن في النفوس بالمساحات المستقلة للمنسف والمقلوبة التي لا يجوز لأحدهما تخطيهما ولا التعدي على حرمات الآخر. المنسف والمقلوبة كلاسيكو الأردن، تماما كريال مدريد وبرشلونة. المنسف هو الريال برأيي. هو هوية الأردن الأولى طعاميًا والشكل الأكثر نجاحًا لمطبخه أمام العالم رغم عدم تعقيده. وكما أن ريال مدريد لم يطور تاريخيًا أسلوبًا كرويًا خاصًا به، بل اعتمد على مهارات نجومه في تحقيق إنجازاته، فإن المنسف لا يعتمد على طرق خاصة في تحضيره. أحضر لحمًا جيدًا وجميدًا ممتازًا واحصل على منسف. برشلونة في المقابل هو مقلوبة إسبانيا، بالحسابات الكثيرة التي تبذل في تحضيره والخطوات اللازمة لإعداده. برشلونة هو امتداد الكرة الهولندية الشاملة منذ أن وصله الأسطورة الهولندية يوهان كرويف لاعبًا في السبعينيات ومدربًا في التسعينيات، تلك الكرة التي لا تعتمد على المكونات الفردية بقدر اعتمادها على خطة محكمة لإدارة لاعبي الفريق وكأنهم كتلة واحدة، مع وجود مهارة خارقة بينهم تحميهم من التشتت على أرض الملعب (كرويف وروماريو ورونالدينيو وميسي على اختلاف أزمانهم). بالمثل فإن المقلوبة لا تعتمد على طعم الدجاج وحده ولا على نكهة الخضراوات المستخدمة، بل هي المزيج من كل هذا معا بطريقة يصعب إتقانها إلا على أصحاب المواهب العليا. وحتى في شكل القمصان فإن قميص الريال الأبيض ذي البعد الواحد يناسب المنسف، فيما يناسب قميص برشلونة المخطط المزركش المقلوبة أكثر. المنسف/الريال عظمة البساطة، والمقلوبة/برشلونة جماليات التعقيد. الفرق هنا أنك في كلاسيكو الكرة يجب عليك الاختيار، فلا يجوز أن تكون مدريديًا برشلونيًا معًا، فيما المنسف والمقلوبة حالة نادرة من صراع لا يوجب نفي الآخر ولا معاداته.