«بدهم يفهموا المجتمع»: من الهندسة والإدارة نحو الفلسفة والأنثروبولوجيا

الخميس 20 شباط 2020
من داخل الجامعة الأردنية. تصوير خالد بشير

«إحنا ما بندرس حالنا، دايمًا في حدا غربي جاي يدرسنا، بأجندته وبطريقة تفكيره وبصدّرلنا تصور إحنا بنصدقه، ليش؟ مش لأنه إحنا ما عنا قدرة على بناء تصور، [ولكن] لأنه في عنّا فراغ بيجي الغربي بعبيه».
غفران، حاصلة على بكالوريوس هندسة الجينات من جامعة العلوم والتكنولوجيا، وتدرس حاليًا الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة اليرموك.

بدأت قصة غفران* مع الأنثروبولوجيا منذ كانت يافعة، حيث أبدت اهتمامًا كبيرًا بها، لكنها لم تدرسها في البكالوريوس نتيجة تعليقات اجتماعية سلبية حول هذا التخصص. فكّرت وقتها بدراسة التاريخ، لكن نصائحَ والدتها التي كانت تُوجهها لدراسة أحد تخصصات العلوم الطبيعية لأنها درست الفرع العلمي في الثانوية العامة وتحصلت على معدل مرتفع فيه، جعلَتها تقرّر دراسة تخصص قريب من علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، ولذا اختارت هندسة الجينات. خلال سنوات دراستها، أحبّت غفران هندسة الجينات، وقرّرت أن تستمر في هذا التخصص في دراستها العليا، لكنها، وخلال أربع سنوات، بعد التخرّج، سعت فيها لتوفير أقساط الماجستير، بقيت شغوفة بالأنثروبولوجيا. 

طرحت الانتفاضات العربية وما صاحبها من تحوّلات جوهرية شهدتها المجتمعات العربية العديدَ من الأسئلة الكبرى على المستوى الشخصي والعام. أسئلة لا تجيب عليها العلوم الطبيعية والتطبيقية وتخصصاتها مثل الطب والهندسة ولا العلوم الإدارية كالمحاسبة والإدارة والتسويق بل تكمن إجاباتها أو على الأقل محاولة البحث عن إجاباتها في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، ما جعل أي محاولة للفهم والاشتباك أو الرغبة في التأثير تستلزم التقرّب أكثر إلى علوم يكون موضوعها الإنسان، بصفته فردًا، أو بصفته جزءًا من جماعة ومجتمع. في فترات التغير والتحول تنتج الكثير من المفاهيم، يقول الدكتور حسين الخزاعي أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية: «بعد الثورات العربية، [الشباب] صار عندهم حب لدراسة علم الاجتماع، همه بالعلوم الطبيعية كانوا يدرسوا المادة وبعيدين كل البعد عن ما يجري في المجتمعات من حركات وتغيرات، كل الحركات اللي صارت والتغيرات اللي صارت بعد الربيع العربي هي دافع رئيسي لأنه بدهم يفهموا المجتمع».

في هذا التقرير، قابلنا عددًا من الطلبة الذين انتقلوا من دراسة العلوم الطبيعية والتطبيقية إلى مجال العلوم الاجتماعية، لنسمع منهم أسبابهم الشخصية التي دفعتهم إلى خوض هذه التجربة، وتقييمهم لها. 

من العلوم الطبيعية إلى العلوم الإجتماعية

يَعود حضور العلوم الاجتماعية والإنسانية في الجامعات العربية بشكلها الحالي إلى النصف الأول من القرن الماضي. وتشمل هذه العلوم، الفلسفة، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والتاريخ، وعلم النفس، والاقتصاد والعلوم السياسية، إضافة إلى دراسات أخرى كدراسات المرأة والدراسات الحضرية والأدب المقارن وغيرها. وتقوم العلوم الاجتماعية على فرضية أساسية وهي أن الواقع الاجتماعي بكل تعقيداته وتشابكه قابل للفهم العلمي. يرصد التقرير الأول للمرصد العربي للعلوم الاجتماعية، الذي أعده محمد بامية، أستاذ علم الإجتماع في جامعة بيتسبرغ عام 2015، حضورَ العلوم الاجتماعية في العالم العربي. ويشير التقرير إلى أن أكثر من نصف الجامعات في البلدان ذات التاريخ الجامعي الطويل نسبيًا كمصر والعراق والسودان وتونس والصومال تضم في جامعاتها أقسامَ علوم اجتماعية بينما تقلّ هذه الأقسام في الجامعات الأحدث. وبشكل عام، 48% فقط من الجامعات العربية يوجد فيها أقسام علوم اجتماعية من ضمنها تخصص الاقتصاد الذي يشكل النسبة الأكبر من أقسام العلوم الاجتماعية في الجامعات العربية بنسبة 26% بينما تشكل الأنثروبولوجيا مثلًا 2% الأمر الذي يفسّره بامية بأن الجامعات العربية معنية بتدريس التخصصات التي تعتبرها ذات صلة بالحداثة أكثر من كونها معنية بتدريس ما يحظى باهتمام اجتماعي وسياسي في المنطقة العربية، إضافة إلى نظرة السلطة العربية لهذه التخصصات على أنها أداة من أدواتها.[1]

عند اختيار تخصص الأنثروبولوجيا، تقول غفران، إنها كانت في حيرة بين الأنثروبولوجيا الطبيعية والأنثروبولوجيا الاجتماعية، ورغم أن الأولى كانت ستكون أفضل على المستوى الذاتي لكونها مكمّلة لدراستها لهندسة الجينات، وستوفر لها سيرة ذاتية ممتازة لسوق العمل، إلّا أنها اختارت دراسة الأنثروبولوجيا الاجتماعية. تقول غفران إن الاختيار لم يكن ذاتيًا فقط، وإنها ارتأت أن المجتمع يحتاج هذا النوع من الدراسات لأنها هي التي تُمكنها من البحث في سؤال الهوية ودراسة المجتمع: «حسيت إذا بروح على فيزيكال أنثربولوجي إشي منيح لإلي وبجنن، بس بعدين؟ شو عملت أنا؟ شو غيرت؟ إذا فعلًا أنا هدفي إني أغيّر أو أعمل أي شي لمجتمعي». 

محمود تخرّج من الجامعة مهندسًا مدنيًا، وعنده رأي يقارب رأي غفران، فبعد الربيع العربي بدأ بالتفكير بسؤال «أين تكمن المشكلة؟». وكان عمله في الإنشاءات عاملًا مساعدًا دفعه للتفكير في المفاضلة بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية وجدوى هذيْن المجالين لمجتمعاتنا العربية. يعتقد محمود أن العمل في المشاريع الإنشائية له فوائد على المستوى الخدمي، لكنه لا يتيح له سوى القيام بدور إداري في حدود الموقع الإنشائي، وإن كان هذا العمل أتاح له الاحتكاك مع واقع اجتماعي مغاير تعرّف من خلاله على عمال المياومات الذين يتعرّضون لانتهاكات كثيرة من قبل مرؤوسيهم. قرر محمود دراسة العلوم الاجتماعية التي يعتقد أنها المجال الذي تحتاجه مجتمعاتنا، وهي التي ستخدم هدفه في إمكانية التغيير بعد حالة الإحباط والاكتئاب الذي عاشها الشباب العربي. «توجّهي للعلوم الإنسانية جاء كنتيجة لاهتمامي بالمجال العام خاصّة بعد الربيع العربي، طبعًا العوامل الأكثر حضورًا هي غير الشخصية». بينما اتجهت غفران إلى الدراسة الأكاديمية داخل الأردن، اعتمد محمود على البحث الذاتي، ريثما يتمكن من الذهاب لدراسة علم النفس في الخارج. 

يقول ربحي،** الذي أنهى دراسة الهندسة واتجه بعدها نحو الفلسفة ويعمل حاليًا في مجال البحث إن الوضع السياسي ذو علاقة مباشرة في توجه الشباب نحو دراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية، وبرأيه أن هؤلاء الشباب يقدّرون هذا التوجه لدرجة أنهم يعتبرونه ثورة موازية لثورات الربيع العربي السياسية، دون الاعتقاد بأنهم سيحصلون منها على أجوبة مباشرة، لكنها على الأقل تُبقي أمل المساهمة بالتغيير قائمًا.

تدريس العلوم الاجتماعية في العالم العربي: خضوع للسلطة السياسية

وفقًا لتقريري المرصد العربي للعلوم الاجتماعية 2015 و2017 تعاني الجامعات العربية بشكل عام من سوء في الوضع التعليمي للعلوم الاجتماعية والإنسانية، بالرغم من أن هذه الجامعات لا تعاني من نقص في الإنتاج المعرفي كميًا، إلا أن مضمون هذا الإنتاج يتأثر بعوامل عديدة، منها القصور في عمليات التشبيك والتواصل فيما بينها على المستوى العربي، وإغفال أهمية تراكمية المعرفة وأثرها على التقدم العلمي، مما يؤدي إلى ضياع الكثير من الجهد البحثي، عدا عن أن مقدار الحرية المتاح في البحث والتفكير ضيق لأن الجامعات تمتثل لمواقف وأوضاع سياسية تبعًا لطبيعة السلطة في المجتمعات العربية، مما يجعلها تسخّر في أحيان كثيرة لخدمة هذه السلطة، والعمل ضمن حدودها ولأجلها.

درس ربحي ماجستير الفلسفة في الجامعة الأردنية، وقبل الالتحاق ببرنامج الماجستير، كان قد توصّل إلى ثلاث خلاصات، أولها أنّ الدراسة الجامعية ليست أفضل أشكال التحصيل المعرفي، بل كثيرًا ما تكون مُشتّتة ومضرّة، وفيها قدرٌ خانق من التخصّصية، وفيها واجبات شكليّة وأعراف في أساليب الكتابة والتفكير تحدّ من الإبداع وتحدّ من الاتصال بالشكل الأكثر خصوبة من الأسئلة، ولكنه أراد الالتحاق بالدراسة الأكاديميّة لغرض مهني يتعلّق بتحصيل الشهادة وتعزيز فرصه في العمل في هذا المجال وإيجاد وسيلة للتفرّغ البحثي. وثانيها أنّ جامعاتنا العربيّة تضاعف آفات الأكاديميا ولكنّها قد تكون بوابة للدراسة في الخارج، وثالثها أنّ رحلة المعرفة ليست أسئلةً وإجابات بالمعنى الدقيق، فيها اتساع مستمرّ وتثقيف للأسئلة وتحسين لنوعيّتها ومراكمة مستمرّة في التفاصيل. 

عبّرت غفران عن هذه الخلاصات الثلاث بعد صدمتها بالمستوى العلمي الذي وجدته في دراسة الماجستير في تخصص الأنثروبولوجيا، حيث كانت تبحث عن فهم للعلم الذي تدرسه بشكل أعمق وأكثر تنظيمًا، وأن تكتسب مهارات البحث الأنثروبولوجي الضرورية، بصفته علمًا يغلب عليه طابع البحث الميداني، بينما لم تتحصل في الجامعة سوى على معلومات يتم تقديمها بطرق تلقينية، ولم تتح لها دراستها الأكاديمية أن تشكل مهاراتٍ تمكنها من العمل البحثي في مجالها، فلجأت لمصادر لا منهجية في تحصيل المعلومات، وبحثت عن مؤسسات خارج الجامعة لتعلّم المهارات اللازمة للعمل. لتصل إلى قناعة مفادها أن الإجابات على استفساراتها يلزمها جهد وبحث ذاتي. وقد يكون هذا الإدراك قد جعل الدراسة الجامعية مجرّد طريق نحو تحصيل شهادة تُمكنها من العمل لاحقًا أو إكمال الدراسة للوصول لمرحلة تستطيع فيها أن تنخرط بمجالات البحث العلمي، والعمل على التغيير الذي ترى أن أهم جزء فيه هو تغيير بنية النظام التعليمي: «مكملة دراسة لأنه عندي حلم إنه عشان يصير تغيير لازم يصير في أنثروبولوجيا عربية مش عشان الشهادة بحد ذاتها، بس هي طريق لحتى أكمل دكتوراه».

تتفق عبير مع غفران وربحي حول الضعف العام في تدريس العلوم الاجتماعية في الجامعات الأردنية. درست عبير التمريض في مرحلة البكالوريوس في الجامعة الأردنية، وعملت في مركز الحسين للسرطان ثلاث سنوات، ثم تركت العمل ثلاث سنوات، اتجهت بعدها لدراسة الماجستير في تخصص دراسات المرأة في الجامعة الأردنية. «بالنسبة إلى الدافع الشخصي والدافع العام متصلين، غير منفصلين عن بعض»، تقول عبير التي تعتقد أن دراسات المرأة والنسوية بشكل عام من المفترض أن تكون غير مقتصرة على المطالبة بحقوق النساء، بل هي مجال معرفي وسياسي يطرح وجهة نظر بديلة عن الفكر السائد بالعالم كُلّه.

48% فقط من الجامعات العربية يوجد فيها أقسام علوم اجتماعية من ضمنها تخصص الاقتصاد الذي يشكل النسبة الأكبر من أقسام العلوم الاجتماعية في الجامعات العربية بنسبة 26% 

ترى كلٌ من عبير وغفران أن أحد أسباب ضعف العلوم الاجتماعية في جامعاتنا هو سلطة الدولة في أنماطها التي تتجلى في كل العلاقات القائمة في المجتمع، بدايةً من أنماط السلطة داخل الأسرة وليس نهاية بتجليات هذه السلطة في المنظومة التعليمية. وتعتقدان أن السلطة السياسية لا تريد لهذه العلوم أن تتقدم، ولا أن يكون لها دور في سياساتها، وتشريعاتها، الأمر الذي يستغربه الدكتور حسين الخزاعي فيقول: «في عنّا علماء بينتجوا علم وبيدرسوا ظواهر وفي منتج علمي، ولكن مين بتابع هاي الدراسات؟ مين بيهتملها مين بحطلها حلول ما حدا؟ عالمستوى الرسمي طبعًا الحكومات والدول ما بتهتم (…) ولا حدا مستعد يرجع لرسالة دكتوراه تحدثت عن أسباب الطلاق بالأردن يعرفوا شو أسباب الطلاق بالأردن، البطالة في الأردن، بالرغم من إنه عنّا مؤشرات خطيرة جدًا بس ما حدا بيتطلع عليها».

أنجبت عبير طفلًا بعد تركها العمل، وبعد أن أصبحت أُمًّا زادت رغبتها في دراسة العلوم الاجتماعية. وتقول إن هذا الدور الجديد جعلها تفكر في ذاتها، ودفعها لقراءة نصوص في النسوية وكتبٍ تساعدها على فهم ما تشعر وتفكر فيه بوصفه حالة وعي خبرتها وعانت منها هي ونساء أخريات. شغل عبير عددٌ من مواضيع مثل العنف، والطلاق، والنظرة الدونية. ولمزيد من الفهم قررت التخصص في دراسات المرأة. تنتقد عبير الطريقة التي تسير بها العملية التعليمية والفصل بين الحقول المختلفة داخل العلوم الاجتماعية. لهذا، لجأت مثل الآخرين لمصادر غير مقررة في المناهج التعليمية، على أمل تحصيل ما تصبو إليه من معرفة تمكنها من التحليل والفهم، وهو ما يمّكنها من الانخراط في مجال العمل العام وهو الطريق الذي تراه أفضل مما هو موجود في المنظمات والمؤسسات المدنية القائمة حاليًا في الأردن، والتي تراها ذات طبيعة مطلبية أكثر من كونها ثورية: «أنا بشوف اني أشتغل بإشي بحثي لازم يكون في جماعة علمية أنتج من خلالها عمل بحثي، وهون أغلب المنظمات النسائية بتشتغل على مواضيع التمكين الاقتصادي، أو المشاريع الصغيرة، يعني هي طرق أثبتت تقريبًا قصورها، فيعني أرى إنه نحتاج لشكل آخر للجماعات أو الجمعيات النسوية».

شكّل الشأن العام بأحداثه في مرحلة الربيع العربي وما بعده، عاملًا رئيسًا في توجهات هؤلاء الشباب، ومن خلال علاقات تشابكية مع شؤونهم الذاتية التي يرونها جزءًا منه، تشكلت لديهم رؤية حول ما يمكن القيام به، بهدف الفهم وإتاحة إمكانية التغيير، واتفقوا على أن دراسة العلوم الاجتماعية داخل المؤسسات التعليمية هي طريق نحو تحقيق هذا الهدف رغم المشكلات التي تعانيها هذه المؤسسات.

تسعى غفران لإكمال دراستها في الجزائر والعودة للعمل ضمن كادر أكاديمي في جامعة أردنية بهدف تغيير طريقة تدريس الأنثروبولوجيا، ويرافقها حلم تكوين جماعة علمية مختصة في الأنثروبولوجيا على مستوى الوطن العربي. أمّا محمود فيحاول إكمال دراسته في الولايات المتحدة للعودة والعمل في المجال البحثي والأكاديمي، ويفكر في التوجه للتخصص في علم النفس الإكلينيكي والعمل العياديّ، بينما يسعى ربحي إلى إكمال دراسة الدكتوراة في الخارج وأن يعود ليعمل أستاذًا أكاديميًا في بلد عربي، أمّا عبير فلم تحسم توجهها فيما يتعلّق بالمكان الذي ستدرس فيه الدكتوراة، لكنها تطمح بعد ذلك للانضمام لجماعة علمية تنظر بطرح مختلف عمّا هو موجود في الأردن داخل المؤسسات المدنية القائمة حاليًا.

يطمح من قابلناهم في هذا التقرير لإحداث تغيير في أساليب التدريس والبحث العلمي، لكن هل سيكون هذا الطموح الفردي كافيًا لإحداث نقلة في العلوم الاجتماعية وتدريسها في العالم العربي، أم أن المسألة بحاجة إلى تغيير في السياسات الكلية على مستوى الدولة كي يصبح طموحهم ممكنًا؟


* تم الاكتفاء بالأسماء الأولى، حفاظًا على خصوصية أصحابها.
** اسم مستعار.
1) تقرير العلوم الاجتماعية في العالم العربي، أشكال الحضور، 2015، الصفحة 107.