قرصنة المكتبة: من يملك المعرفة بأي حال؟

الإثنين 16 تشرين الثاني 2020
من تصميم ميج أوشاي، لموقع ذا ڤايس.

كان آرون سوارتز سيكمل عامه الرابع والثلاثين في الثامن من نوفمبر هذا العام لو كان بيننا، إلا أنه رحل باكرًا عام 2013 تاركًا إرثًا كبيرًا وسؤالًا أكبر يبحث عن إجابة عادلة. وبينما يعرف البعض سوارتز لدوره في ظهور موقع ريديت، أو لتطويره تقنية آر إس إس (RSS)، إلا أن حملة سوارتز الحقيقية كانت محاربة الاحتكار المعرفي والدفاع عن حق الوصول إلى المعلومات والانتشار الديموقراطي للمعرفة. ومهما حاولنا الابتعاد عن التكهن والتخمين احترامًا لما جرى، إلا أننا لن نتمكن من تجاهل دور الحكم عليه بالسجن لـ35 عامًا ودفع غرامة تقدر بمليون دولار في اتخاذه قرار إنهاء حياته عام 2013.

قد يسأل أحدهم عن الجريمة التي تستوجب عقوبةً هائلةً كهذه، وفي الواقع فإن جريمته كانت تحميل عدد هائل من المقالات المخزنة على موقع جاي ستور (Jstor)، والتركيز على جزئية العدد مهم لأن دخوله إلى قاعدة البيانات تم بطريقة قانونية. ورغم أن جي ستور أسقطت التهم ضد سوارتز، إلا أن المدعية العامة قررت المضي قدمًا بالمحاكمة حينها، لأن «السرقة هي ما هي عليه، أيًا كانت الأداة المستخدمة».

حين حمّل سوارتز الأوراق البحثية، لم يقم بنشرها أو التصرّف بها بأي طريقة، لكن مجمل نشاطه وصياغته لمانيفستو سابقًا كانا يدلّان على مصير هذه الأوراق. لطالما كان سوارتز ضد احتكار عدد من الجهات المهيمنة لسوق المعرفة، وضد تحكمها بمصير هذه المعلومات وسعرها والقدر المتاح منها مجانًا، وإلى من تصل. بدا له الأمر حينها سرقةً لنتاج البشرية الطويل، الذي يحق لها بالضرورة أن تطلّع عليه، وأنها لا تستطيع أن تفعل ذلك بسبب ديناميكية معيّنة تسيّر هذا السوق. 

تورد مجلة ذا أتلانتيك لمحةً عن هذه الديناميكية المعوجة، التي تؤدي نهاية الأمر إلى بيع مواقع مثل جي ستور الأبحاث إلى الجامعات التي أنتجتها ذاتها. فبعد كل عمليات التدقيق والتحرير، التي تتكفّل بها الجامعة، يرسل محرر الدوريّة البحث إلى ناشرٍ يقوم ببيع البحث إلى هذه المواقع، التي لا تدفع أي مقابل للباحث أو المحرر، بل تتكفل بتكاليف التنسيق والطباعة وحسب، أو تطلب هذه الرسوم من المؤلف ذاته أحيانًا.

تغطي هذه المواقع التكاليف، وتبدأ بجني الأرباح، عبر بيع الاشتراكات للأفراد والمؤسسات الأكاديمية، التي ينتهي بها الأمر كمشترٍ لما أنتجته أحيانًا، وبتكاليف تصل إلى 65% من ميزانية مكتبات الجامعات أحيانًا، التي تُغطّى أيضًا بأموال دافعي الضرائب. 

يشبه ذلك إلى حدٍ بعيد النقاش المثار حول شركات الأدوية اليوم وتطوير لقاح فيروس كورونا المستجد، حيث تموّل الحكومة الأمريكية أبحاث الشركات، التي تعود وتبيع اللقاح مراكِمةً أرباحها على حساب المواطن الذي يمول البحث من الضرائب. ولكي نتحدث بلغة الأرقام، فإن شراء حق الوصول إلى ورقة بحثية على جي ستور قد يكلّف أحيانًا ما بين عشرين وثلاثين دولارًا، وهو مبلغ هائل من شأنه تشكيل حاجز أمام الوصول إلى المعلومات الدقيقة. 

مع عجز القانون عن حلّ مشكلة احتكار المعرفة، يبدو طبيعيًا أن يتمّ اللجوء إلى مناطق رمادية للتعامل معها، ومن بينها القرصنة.

تعمل باقي قواعد البيانات الشبيهة بنفس الطريقة، إذ تطال الانتقادات ذاتها مكتبة إلسفير (Elsevier) التي تدعي أنها تنشر حوالي 25% من الأوراق البحثية في العالم، ووصلت أرباحها عام 2019 إلى 982 مليون جنيه إسترليني، بارتفاعٍ يقدر بـ3% عن عام 2018، وهو ما يدفع العديد من الجامعات إلى إعادة النظر بتجديد اشتراكاتها مع المكتبة.

بعيدًا عن الأرقام، يمكن لهذا الاحتكار المعرفي أن يودي بنا إلى نتائج كارثية تطال قطاعات عدة في حياتنا. قد يكون دونالد ترامب قد خسر الانتخابات منذ أيام، إلا أننا لن نمحو مفردات ازدادت شعبيتها مع صعوده مثل «ما بعد الحقيقة» أو «الأخبار الكاذبة» من قواميسنا قريبًا. وفي عصرٍ كهذا، ومع الرقمنة الهائلة وتوافر مصادر المعلومات، بات المعيار الطبيعي والمطلوب من الصحفيين مرتفعًا وصار من يعملون بهذا المجال أمام مسؤولية مضاعفة فيما يتعلّق بتحري دقة معلوماتهم ومصادرها. لا داعي للحديث مطولًا عن وضع الصحفيين اليوم، والتحديات الهائلة -التي قد يكون بعضها بمثابة تهديد وجودي لحرفتهم ذاتها- لكي نرسم الصلات بين تدهور هذا الحال وانعكاسه على المردود المادي، الذي لا يتحمل ببساطة تكاليف إضافية معظم الوقت. 

ينطبق الأمر ذاته على الأكاديميين وطلاب الجامعات، الذين لا يكونون قد دخلوا بعد في حالة العمل بدوام كامل ويصعب عليهم تأمين تكاليف الاشتراك ما لم تغطِّ جامعاتهم هذا الأمر. وفي الحقيقة فإن مشكلةً كهذه تتوضح في منطقتنا بشكلٍ صارخ. إذ يزخر واقع معظم الجامعات العربية بالمشاكل التي تضعف أداءها وتبعدها عن التصنيفات العالمية، كضعف التمويل وسوء الإدارة وانعدام مناخ الحريات، ومما لا شك فيه أن كل ذلك ينعكس على مكتبات هذه الجامعات، الفقيرة من حيث المحتوى والمؤلفات. 

لا يصعّب كل ما سبق على الطالب سعيه وراء التحصيل العلمي وحسب، بل ينتج على المدى الطويل ممارساتٍ تعليمية تتلاءم مع هذا الفقر المعرفي وعلى تضادٍ مع العرف الأكاديمي، الذي لن يصمد طويلًا دون ارتكازه إلى بنية تحتية متينة.

وما دمنا في معرض حديثنا عن هذا العصر، فإن أعظم ما يمكن أن يوفره لأبنائه هو إشباع الفضول. لا يمكننا في هذه الحالة تجاهل حالة «الإنسان الفضولي»، ذاك الذي لا يربطه التزامٌ مهني او أكاديمي بالبحث، ويهوى معرفة المزيد بكل بساطة.

أخلاقيات القرصنة

ومع عجز القانون عن حلّ هذه المشكلة، يبدو طبيعيًا أن يتمّ اللجوء إلى مناطق رمادية للتعامل معها، ومن بينها القرصنة.

يعرف معظمنا هذه الفكرة، إن لم يكن معتمِدًا عليها. وفي حالة منطقتنا العربية قد يكون «علي مولا» أول اسمٍ يقفز إلى المخيلة، رغم تخصصه برفع الكتب لا الأوراق البحثية، فضلًا عن بضعة مواقع أو أسماء أخرى. إلا أن أهم المقاصد الأولى -غير القانونية- عالميًا قد تكون مواقع ساي-هب (Sci Hub) ولايبراري جينيسيس (Library Genesis)، اللتين نالتا حظهما الوفير من الجدل والشهرة. 

ترتكز فكرة ساي-هب على توفير ما يمكن توفيره من الأوراق البحثية والعلمية للجميع بشكلٍ مجاني. وفي الحقيقة، يذهل متصفح الموقع حين يعلم أن غالب هذا المشروع يستند إلى جهد مبرمجة واحدة وحسب تدعى أليكساندرا إلباكيان. تختلف المكتبة التي أنشأتها الباحثة الكازاخية الشابة عن المواقع الأخرى التي توفر المحتوى، من حيث التنظيم وسهولة الاستخدام، والأهم عدد الملفات الهائل الذي تخزنه ودقتها العالية. 

جعل كل هذا من الموقع ساحة القتال الرئيسية حول فكرة حرية الوصول إلى المعرفة. فبينما يندد البعض بالخسائر المادية التي يتسبب بها هذا الموقع للمكتبات، ويترجم ذلك عبر الدعوى القضائية التي رفعتها مكتبة إلسفير ضد ساي-هب ولايبراري جينيسيس وربحتها. ويشير آخرون إلى أن واحدةً من الطرائق التي يعتمد عليها الموقع في الحصول على الأوراق هي سرقة معلومات المشتركين بواحد من المواقع ومن ثم تحميل هذه الملفات، معتبرينها طريقة لا أخلاقية وتعرّض الضحايا الغافلين للخطر. 

قد يكون تشكيل موقفٍ متكامل من هذه الظاهرة أمرًا صعبًا بعض الشيء، فبينما يستطيع المرء الموافقة بسهولة على أن تعريض خصوصية أحدهم للخطر أمرٌ غير مقبول ببساطة، لا يمكنه في الوقت ذاته صرف النظر عن أن رد الفعل هذا مرده حاجة طبيعية تقف في وجهها حواجز أسلفنا الحديث عن طبيعتها.

فضلًا عن ذلك، يقول بعض الأكاديميين إنهم، بعد أن باتوا بحاجة اشتراكٍ ليقرأوا أبحاثهم، صاروا هم من يرسلونها إلى ساي-هب بأنفسهم لتوفيرها للقرّاء. كما أن النموذج الاقتصادي الذي تعمل هذه المكتبات وفقًا له لا يترك الكثير من المساحة للشعور بالذنب حيال حقوق المؤلفين، على عكس ما يمكن أن نورده حين يتعلّق الأمر بقرصنة الكتب ربما. فضلًا عن أننا لا نستطيع نقض النظرية القائلة إن هذا النوع من الضغط هو الذي يدفع المكتبات الكبيرة لنشر جزءٍ من عناوينها بشكلٍ مجاني مؤخرًا، وتفضيل بعض المشتركين الاتجاه نحو ساي-هب لتفوّقه حقيقةً من حيث سهولة الاستخدام.

ثمة عوامل جغرافية أيضًا يجب أخذها بعين الاعتبار حين ننظر إلى هذه المسألة، إذ لا يستطيع الباحث أو الطالب في سوريا مثلًا الاختيار حتى، حيث تنعدم طرق الدفع الإلكتروني أساسًا (وذلك إن وُجِدَ من يستطيع تحمّل ثمن الاشتراك) ولا توفر أي من الجامعات مكتبةً تغطي الاحتياجات، وينطبق الأمر ذاته على بلدان مجاورة، إذ تقول إحدى الطالبات في الجامعة الأمريكية ببيروت إن مكتبة الجامعة غير كافية ولا توفر الجامعة اشتراكًا في بعض قواعد البينات الرئيسة مثل جي ستور، وينطبق الأمر ذاته في جامعات أخرى كالجامعة اللبنانية وجامعة القديس يوسف، حيث يؤكد أحد الطلاب المعلومات ذاتها واستعماله لساي-هب. يمكننا القول إذن إن الشريحة المعنية في منطقتنا ستلتفت لا محالة إلى هذا الموقع أو مثائله لممارسة حقٍ تكفله المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما يفترض. 

ربما يكون الزمن الذي تحترق فيه المكتبات وتندثر قد ولّى بلا رجعة، إلا أن هذا لا يعني زوال الخطر المحدق بها بل تغيّر طبيعته. وإذا كان هذا الانغلاق الذي نعيشه هذه الأيّام كفيلًا بحد ذاته بتحجيم دور المكتبة، فإن موجة الشعبوية التي تصم كل شيء حولها بوصم النخبة –معتمدةً على اللعب على الوتر الاقتصادي- ستجد في هذا الانغلاق فريسة سهلة لتغذية الأحقاد ومحاربة المنطق، علاوةً على التحديات الأخرى، كالميل الغالب عند الطلاب للبحث عبر محرك بحثٍ كغوغل عوضًا عن قواعد المكتبات، ليصبح نذير الشؤم الذي أطلقه عالم الاتصال الأمريكي نيل بوستمان أكثر قربًا من الحقيقة، حين قال إن الخطر لن يتمثّل بأخ كبير يمنع الكتب، كما في رواية 1984 لجورج أورويل، بل سيكون عدم الحاجة إلى منعها أساسًا حين تخسر المعركة مع تلك الوسائط الأحدث، كالتلفزيون في زمن صدور كتابه (تسلية أنفسنا حتى الموت)، وثورة الاتصال التي نعيشها اليوم.