«طلّعوا العيال.. النار وصلت»: عن 13 باكستانيًا ماتوا في الغربة

موقع الحريق الذي أودى بحياة 13 شخصًا في بلدة الكرامة. تصوير دلال سلامة.

«طلّعوا العيال.. النار وصلت»: عن 13 باكستانيًا ماتوا في الغربة

الأحد 08 كانون الأول 2019

توفي فجر الاثنين الماضي 13 باكستانيًا، في حريق أتى على عريشة كانوا يسكنونها في بلدة الكرامة في الشونة الجنوبية. كانت هذه هي عائلة علي شير (53 عامًا)، المكونة من زوجته وأبنائه وزوجتي اثنين من الأبناء وأطفالهم، وكانوا جميعًا يسكنون في العريشة، المكونة من ست غرف، ومقامة من الخشب والكرتون والبلاستيك ومسقوفة بالصفيح، على طرف المزرعة التي يعملون فيها.

نجا من الحادث علي وابنه محمد (26 عامًا)، وكان من المفترض أن تكون معهما سدوري (50 عامًا)، التي استيقظت على النار مع زوجها علي، وتمكنت من الخروج معه قبل أن تسدّ النيران المدخل الوحيد للعريشة، لكنها عادت إلى الداخل قائلة إنها ستذهب لتجلب الأطفال. هذه هي الصورة الأخيرة التي يحتفظ بها علي ومحمد لسدوري؛ ثلاثتهم واقفين ينظرون بذهول إلى منزلهم المشتعل، ثم هي تنفلت منهم فجأة باتجاه النيران وهي تصيح «العيال العيال». في تلك اللحظة، كان ما يزال في الداخل 12 فردًا من العائلة، هم خمسة بالغين وثمانية أطفال، عبد الرزاق (28 سنة)، وزوجته زينب (26 سنة)، وريما (25 سنة) زوجة محمد، وأحمد (19 سنة). والأطفال، حنيفة (17 سنة)، وحفيظة (7 سنوات)، وضيف الله (7 سنوات)، وخديجة (6 سنوات)، وعمر (4 سنوات)، والتوأم آمنة وأحمد (4 سنوات)، وعبدالله (8 أشهر).  

يقول علي إنه كان أول من استيقظ، كان الجو باردًا، وقد أمطرت في اليوم السابق. كان تحت الأغطية عندما استيقظ على صوت، اعتقد في البداية أنه صوت سقوط المطر على البلاستيك الذي يلفّ العريشة، لكنه عندما رفع الغطاء عن وجهه، شم الدخان. أيقظ سدوري، وخرجا من الغرفة ليريا النار قد بدأت تأكل باب المدخل الوحيد للعريشة. تلك هي اللحظة عندما اكتشف أن الصوت الذي أيقظه كان صوت احتراق الخشب والبلاستيك، فبدأ بدق بهلع على أبواب غرف أبنائه التي كانت مغلقة من الداخل، لكن أحدا لم يستجب. فخرج مع سدوري من الباب قبل أن تسدّه النيران. وهناك في الخارج استمر الاثنان في المناداة على أبنائهم. 

يقول محمد (26 سنة)، إنه استيقظ على  صوت والده يصيح «طلّعوا العيال، النار وصلت». وعندما خرج من غرفته، وجد النار قد سدّت تمامًا المدخل، وكان الدخان يملأ المكان. ويقول إنه وقتها سمع صراخ أطفال، لكنه لم يستطع العودة إلى أي غرفة بسبب الدخان الكثيف، وكان قريبًا من المطبخ الذي تذكر أن فيه فتحة صغيرة، كانت مخصصة لخروج دخان وروائح الطبخ. فقرر أن يخرج منها، ليحاول فتح منافذ للغرف من الخارج. واستطاع بالفعل إخراج جسمه بصعوبة بالغة من الفتحة. ثم توجه إلى ناحية الغرفة التي تسكنها عائلته، وبدأ يمزق جدارها المصنوع من البلاستيك وألواح الكرتون. ويقول إنه انتبه وقتها إلى أن صراخ الأطفال الذي كان قبل لحظات يملأ العريشة، كان قد هدأ تمامًا. فاعتقد أن أخاه عبد الرزاق قد تمكن من الخروج، وأخذ معه أطفالهما. ولم يكن هو قادرًا على الاستمرار في مواصلة تمزيق الجدار، لأن النار وصلت إليه، فهرع إلى جهة المدخل، وهناك اكتشف أن أحدًا لم يخرج باستثناء والديه، وأدرك أن الصمت لم يكن لأن الأطفال خرجوا، بل لأنهم اختنقوا. تجمد الثلاثة للحظات في أماكنهم. «لما أشوف عيالي وأمي وأخواتي بالنار، ما عندي حيل أسوي إشي». هنا اندفعت والدته إلى العريشة المشتعلة. وبعد دخولها بأقل من دقيقة، انهار سقف الصفيح، لتسوى العريشة بالأرض. 

عبد الله شير (8 أشهر)

 

ضيف الله شير (7 سنوات)

 

خديجة شير (6 سنوات)

 

حفيظة شير (7 سنوات) مع التوأم أحمد وآمنة (4 سنوات)

عبد الرازق شير (28 سنة)

 

عبد الرازق شير مع أحمد (4 سنوات)

أحمد شير (19 سنة)

 

عمر شير (4 سنوات)

 

كانت جميع الهواتف في الداخل، ولم يتمكنوا من طلب النجدة، فهرع محمد إلى عريشة عمته أنوار، أم زوجته ريما، في مزرعة مجاورة، على بعد بضع مئات من الأمتار. ومن هنا بدأ توافد الجيران والأقارب، الذين طلبوا الدفاع المدني. والذي عندما وصل، كانت الجثث، بما فيهم سدوري، متفحمة لدرجة أن أحدًا لم يستطع التعرف علي أي منها. يقول أحمد، ابن خال علي، والذي شارك في نقل الجثث من الموقع، إنهم عرفوا من مات، فقط لأنهم كانوا يعرفون من كان نائمًا في المنزل، ومن نجا. وكان من بين الناجين، حنيف (17 سنة)، ابن علي وتوأم حنيفة، الذي كان للصدفة نائمًا تلك الليلة في بيت عمته أم ريما. 

وفق التحقيقات التي أعلنت بعد يومين من الحادثة، كان سبب الحريق «أحمال كهربائية زائدة على الشبكة الكهربائية (…) ما أدى إلى حدوث تماسات كهربائية في أسلاك ممددة عشوائيًا على السقف، وأعلى الجدران». وهو نوع من التمديدات، يستطيع أن يرى من يتجول بين المعرشات التي أقامها الباكستانيون في المزارع التي يعملون فيها، أنه شائع في معظمها. ففي كل مزرعة، هناك خط كهرباء رئيسي لتشغيل مضخات سقي المحاصيل. ومنه تمدد على الأرض، وفوق أسقف العرائش أسلاك فرعية، لتشغيل الأجهزة المنزلية من ثلاجات ومصابيح وأجهزة تلفزيون.

إنه نمط من التمديدات، ومن قبله نمط من السكن، يحرص الباكستانيون على أن يتوفر فيه أمران؛ أولهما انخفاض الكلفة، لتكون ضمن قدرة أبناء هذا المجتمع من المزارعين، المكون من آلاف العائلات التي وفد أفرادها الأوائل إلى الأردن في ستينيات القرن الماضي، وما زالوا، بعد خمسين سنة، يعاملون بوصفهم عمال وافدين، مطالبين بدفع رسوم إقامات سنوية لكل أفراد العائلة، ورسوم تصاريح عمل سنوية، لكل من تجاوز الثامنة عشرة، مع ما يتبع هذا من غرامات تأخير يضطرون إليه بسبب تعقيدات الحصول على كفيل لعائلاتهم الكبيرة. والأمر الآخر هو سهولة فك وتركيب، هذه العرائش. بما يتناسب مع نمط حياتهم القائم على الترحل من مزرعة إلى أخرى، ومن الغور حيث الزراعات الشتوية، إلى الشفا، حيث الزراعات الصيفية.

علي شير الذي جاء مع والديه إلى الأردن في بداية السبعينات، وكان عمره قرابة السادسة، لم تكن معيشته مع أبنائه المتزوجين وأبنائهم في منزل واحد استثناءً، فالباكستانيون في الأردن، يعيشون، كما يقول إبراهيم هاشم، أحد أبناء عمومة علي، ضمن عائلات ممتدة. ولهذا أيضًا دافع اقتصادي، لأن الحياة ضمن عائلة كبيرة، يتعاون أفرادها، كبارًا وصغارًا، على العمل في المزرعة التي استأجرتها العائلة، ويتشاركون في تأمين مصاريف المعيشة، أقل كلفة بكثير من الانفصال عنها. 

علي شير في بيت العزاء في بلدة الكرامة، وابنه محمد في بيت عمته. تصوير دلال سلامة.

لقد كان هذا نظام حياة عائلة علي شير، كما يقول ابنه محمد. فقد كان هو مع بقية أفراد العائلة يتولون العمل داخل المزرعة، في حين يتولى أخوه الأكبر عبد الرزاق كل التعاملات مع التجار من شراء مستلزمات الزراعة، وتسويق المحاصيل، وعقود الاستئجار، وغيرها. عبد الرزاق كان مع عائلته في مزرعة أخرى تستأجرها العائلة في الشفا، وعاد قبل خمسة أيام من الحادثة، إلى الغور، حيث كانت العائلة تخطط لزراعة البصل. 

يوم الجمعة الماضي، كان اليوم الخامس بعد الحادثة، وثالث أيام العزاء، الذي توّلت الحكومة دفع تكاليفه مع تكاليف الدفن. أقيم عزاء الرجال في صيوان نُصب على بعد أمتار قليلة من موقع الحادثة، التي كانت متروكة من دون أن يحرك أحد فيها شيئًا. كانت رائحة الحريق ما تزال تملأ الهواء في المكان، وبسهولة يمكن تمييز أقسام البيت من بقايا المتاع المحروق في كل قسم: غرف النوم، غرفة الجلوس، الممر والمطبخ والحمام. على مقربة من المكان، كان مجموعة من شباب العشيرة، يطبخون في قدور ضخمة الغداء الذي تقضي العادات أن تقدمه عائلة المتوفى عن روح ميتهم. 

موقع الحريق، ومجموعة من الشبان يعدون الغداء قرب بيت العزاء، وأطفال يلعبون الكرة قرب العرائش. تصوير دلال سلامة.

محمد الذي كان يجلس على الأرض في بيت عمته، حيث أقيم عزاء النساء، قال إنه يعيش في حالة من الضياع. إنه لا يستوعب أن الذي حدث قد حدث. وفي الوقت نفسه غير مصدق أنه انتهى. عندما يذهب إلى بيت عزاء الرجال، يحرص ألا ينظر إلى جهة موقع الحريق، لأنه مقتنع أنه إن فعل فسوف يرى النار ما زالت مشتعلة؛ النار التي يقول إنها قضت ليس فقط على عائلته، بل أيضًا على كل التذكارات التي تمت إليهم، فقد ذهبت في الحريق الهواتف التي كان تحمل صورهم، وكل الأوراق الرسمية التي تخصهم، من جوازات سفر وهويات وإقامات، وكل ملابسهم، وألعابهم. ومن أجل هذا التقرير، كان على الأقارب أن يجروا الاتصالات ببعضهم حتى استطاعوا لملمة صور المتوفين. 

لكنه وسط كل هذا مضطر للتماسك أمام والده، لأنه يعرف أن انهياره يعني انهيار والده. لهذا يتعمد خلال النهار أن يراه والده يمشي ويتحدث مع الناس. «قلبه ما يقدر يحمل. أنا أقدر أحمل».