«كإنه الحياة بدون ألوان»: عن فقدان حاسة الشم والتذوق بسبب كورونا

الأربعاء 21 تشرين الأول 2020
تصميم ندى جفّال.

لم تتخيل صفاء الجيوسي (34 عامًا) أن تفتقد يومًا رائحة شعر طفلها البالغ من العمر عامًا واحدًا، ولم يخطر لها أن حاسة الشمّ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمشاعر الأمومة، إلا حين فقدت حاستي الشم والتذوق بسبب إصابتها بفيروس كورونا المستجد، منذ ما يزيد عن 19 يومًا.

«أحلى شعور تحضني ابنك وتشمّيه، أنا مش قادرة أشمّه لهلأ»، تقول صفاء. «ما كنت حاسة إنه هذا إشي مهم، وقدّيه حلو الشعور غير لما فقدته».

البداية بالنسبة لصفاء كانت منذ نحو ثلاثة أسابيع، حين جلب زملاؤها في العمل وجبات طعام ونصحوها بتجربة طعمها اللذيذ. «ذقت أول لقمة وجرّبت الثانية مش عم يبيّن معي الطعم، لا عم بشم ولا عم بذوق، حكيت أكيد في إشي غلط وما بدّي أخوّفهم فقلتلهم كتير زاكية»، لكنّها أدركت أنها قد تكون مصابة بفيروس كورونا المستجد، فأخبرت إدارة عملها وأجرت الفحص وتبيّن أنها مصابة فعلًا، لتعزل نفسها في المنزل.

لا تتوفر إحصائية محلية حول عدد المرضى الذين فقدوا حاستي الشم والتذوق في الأردن بسبب إصابتهم بفيروس كورونا المستجد، وهو ما أكدته وزارة الصحة لحبر، لكن الأمين العام للمجلس الصحي العالي سابقًا، الدكتور محمد الطراونة، ينقل عن دراسات عالمية أن نحو 40% من مصابي كورونا يفقدون حاستي الشم والتذوق، وقد تستمر الأعراض لما يقارب ثلاثة أسابيع والبعض امتد فقدان التذوق والشم لديهم لثلاثة أشهر، بحسبه.

يشرح اختصاصي الأنف والأذن والحنجرة، الطبيب أسامة حمارنة، أن غالبية من يفقدون حاستي الشم والتذوق بسبب فيروس كورونا تعود لهم الحاستان عند اختفاء أثر الفيروس من أجسادهم، خلال فترة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، ويتدخل الطبيب في تدريبهم على استرجاع حاسة الشم بعد مرور حوالي شهرين على فقدانها.

ويوضح حمارنة أن فيروس كورونا المستجد يصيب مجرى التنفس، والعصب الوحيد الموجود في هذا المجرى هو عصب الشم الموجود في أعلى الأنف. وتعتمد إصابة المريض بفقدان الشم أو عدمه على قوة الفيروس الذي أصابه ومكان الإصابة؛ فعندما يكون تركيز الفيروس في أعلى الأنف، فإن النهايات العصبية للشم تتأثر، «في ناس غالبية الأعراض عندها بتكون بالأنف، وفي ناس بيجي مباشرة على الصدر، وفي ناس بالحنجرة، بيعتمد حسب تركيز الفيروس وقوته».

ويقول تقرير للمركز الطبي الأكاديمي مايو كلينيك إن فقدان حاسة الشم والتذوق يستمر عادة بين 9 إلى 14 يومًا، وقد يكون هذا العرض مؤشرًا مبكرًا على الإصابة بفيروس كورونا المستجد، إذ تظهر أعراض الإصابة بالفيروس خلال فترة تتراوح بين يومين إلى 14 يومًا. كما اعتمد عرض فقدان حاستي الشم والتذوق عالميًا كدليل على الإصابة بكوفيد-19 في أيار الماضي.

شعور بالملل وفقدان للشهية

«غريب كتير الشعور كل إشي نفس الطعم، كله زي المي»، هذا إحساس صفاء تجاه الطعام الذي تتناوله، وهو شعور تشترك فيه مع مصابين آخرين تحدثت معهم حبر عن تجربتهم.

تقول صفاء إنها لم تقس وزنها، لكنها تعتقد أنه بدأ يتناقص لقلة تناولها الطعام، فقد أصبحت تأكل صحن طعام واحد كوجبة غداء، وتوقفت عن تناول الشوكولاتة، كما تمكنت من تناول المقلوبة مع الباذنجان مع أنها كانت تكره طعمها، وكل ذلك لأنها لا تشعر بطعم أي شيء.

«نفسيًا بحس حاله الواحد فقد إشي، وحاسة الشمّ هي أكثر حاسة تلتصق بالذاكرة، رائحة الأشياء لا يمكن تنسيها (..)، إلها علاقة حميمة مع البشر مرتبطة بأحداث وأشخاص وتفاصيل حياة».

أما أم حسن* (38 عامًا) فتقول إنها تطبخ لزوجها وأولادها الأربعة الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و18 عامًا، الأطباق التي يطلبونها دون أن تتذوقها، منذ 12 يومًا. واللافت أن عائلتها تكاد لا تصدق ما تشعر به، إذ تروي حادثةً صغيرة حصلت منذ أيام حين تركت إبريق الشاي على الغاز المشتعل ونسيته، ثم استيقظ الزوج من قيلولته فزعًا بعد احتراق يد الإبريق، «صحي جوزي بقلي إيش المحروق، الدار بتنحرق وانت مش شامة، قلتله مش شامة شو أعمل؟!». 

لم تعد أم حسن تشتهي الطعام، وأصبحت تطبخه فقط لأجل عائلتها، ورفضت دعوة أحد أقاربها لتناول «الملفوف الذي تفضله»، خشية أن تنقل لهم العدوى، ولأنها لن تتذوقه ولن تشعر بطعمه، وتقول إنها تشتاق بشدة لطعم اللبن. لم تجرِ أم حسن فحصًا يؤكد إصابتها بفيروس كورونا، لكنها شعرت بأعراض الإرهاق ووجع في الصدر، وقررت عدم الخروج من المنزل حتى شفائها، مع أنها تعمل كوافيرة عند الطلب، «كورونا مش كورونا ما بعرف أنا على كل حال قعدت في البيت».

فقد محمد أبو عريضة (60 عامًا) حاسة الشم منذ ما يزيد عن 12 يومًا، لكنه لم يفقد حاسة التذوق، وقد ظن في البداية أن أعراض الإعياء التي يعاني منها سببها تحسس موسمي شبيه بما يحدث معه كل خريف منذ عشرين عامًا، وهو ما دفع بطبيبه المختص بالأنف والأذن والحنجرة لطمأنته، ووصف له أدوية الحساسية المعهودة، لكن بعد أيام، وتحديدًا في الثامن من تشرين الأول الحالي، عندما استخدم مزيل العرق بعد الاستحمام لم يستطع شمّ رائحته، وحاول التأكد مجددًا من رائحة الشامبو ثم صابون اليدين، لكن لم يستطع شمّ جميع الروائح، وتبين بعد الفحص أنه مصاب بفيروس كورونا المستجد.

ومع أن محمد، الذي يعمل كاتبًا ومحررًا صحفيًا، ما زال قادرًا على تذوق الطعام ولم يفقد شهيته، لكنه يتأذى من فقدان حاسة الشم. «نفسيًا بحس حاله الواحد فقد إشي، وحاسة الشمّ هي أكثر حاسة تلتصق بالذاكرة، رائحة الأشياء لا يمكن تنسيها (..)، إلها علاقة حميمة مع البشر مرتبطة بأحداث وأشخاص وتفاصيل حياة». يفتقد محمد رائحة قهوة الصباح، ويشعر أن شربها لم يعد ممتعًا كما في السابق، كما يفتقد لرائحة الطعام وصابون اليدين، ويقول عن القهوة التي اعتاد شربها دون سكر «بشربها كجزء من سياق عام تعودت عليه قهوتي سادة بشربها الصبح أول ما أصحى، بطلبها لكني ما بستمتع فيها بسبب إني ما عم بشم ريحتها».

محاولات لإعادة حاسة الشم والتذوق

قررت أم حسن عدم مراجعة طبيب مختص لمعالجة فقدانها حاستي الشم والتذوق، لعدم قدرتها المادية على دفع تكاليف مراجعة الطبيب، وأنها تجد في تناول الفيتامينات وشراب أوراق الجوافة المنقوعة علاجًا لها، بالإضافة لتدريب حاسة الشم لديها عبر تجربة شم القرنفل وبهار الطعام وتذوق أطعمة لاذعة، «حاسة الشم كانت عندي قوية، لكن يا دوب يوم السبت بلشت أقدر أشم ريحة سيجارة زوجي، وكإنها ريحة جاي من بعيد»، كما أنها جربت تناول البصل والثوم دون جدوى، ومع ذلك فإن لديها أمل بأن تعود الحاستان لوضعهما السابق في أقرب وقت. بينما أخذ محمد بنصائح أطباء أصدقاء له عبر الهاتف حول وضعه الصحي وإجراءات العزل والفيتامينات المفيد تناولها، وبدأ باسترداد حاسة الشم بعد أسبوع من فقدانها لكن بنسبة بسيطة للروائح القوية مثل رائحة الديتول.

نحو 40% من مصابي كورونا يفقدون حاستي الشم والتذوق، وقد تستمر الأعراض لما يقارب ثلاثة أسابيع والبعض امتد فقدان التذوق والشم لديهم لثلاثة أشهر.

أما صفاء، التي لم تسترد بعد حاسّة الشم والتذوق، رغم مرور 19 يومًا على فقدانها، فقررت الاستفادة من نصائح منشورة عبر شبكة الإنترنت، وشاركت عبر حسابها على منصة تويتر تجربتها لتستفيد من مرضى أصيبوا بذات العرض.

على فيسبوك، رصدت حبر مجموعات أنشئت خصيصًا لعرض تجارب من فقدوا حاستي الشم والتذوق، إحدى المجموعات تضم أكثر من ألفي شخص من جنسيات عربية مختلفة، حملت اسم «فاقدي حاسة الشم والتذوق»، عرض فيها مصابون تجاربهم ومشاعرهم واستياءهم من فقدان الحاستين، أو إصابتهم باضطراب في حاسة الشم واشتمام روائح كريهة أو غريبة لبعض الأطعمة مثل البصل والثوم والمشروبات الغازية، في حين يُطمئِن من استعاد حواسه الآخرين، فيقول أحدهم «أنا فقدتها ورجعتلي لا حد يخاف (..)»، ويقول آخر في رده على مصابة «ما تقلقيش كل حاجة هترجع أنا كنت كده وبترجع تاني بس أحيانًا بتاخد وقت (..)».

إحدى المنشورات سألت صاحبتها فاقدي حاستي الشم والتذوق: «إخواني من فقد حاسة الشم والتذوق يوضحلنا من متى، وهل رجعت أي منهما؟»، يتفاعل المشاركون ويروي كل واحد منهم تجربته، فيقول البعض إن الحاسة عادت بعد 10 أيام، ويرد آخر أنه فقدها منذ شهرين ولم تعد، وتقدم أخرى نصائح بتدريب حاسة الشم على الروائح القوية مثل القرنفل. في منشورات لاحقة قال البعض إنهم فقدوا حاستي الشم والتذوق منذ أربعة أشهر وآخرون منذ خمسة أشهر، وبدأوا أيضًا بالحصول على نصائح وتجارب مشابهة تدعمهم، كما عبر مصابون عن اشتياقهم لمأكولات معينة بحسرة خلال فترة فقدانهم الحاستين، يقول أحدهم «كنت اضل مشتهي عصير برتقال وما حس بالطعم». 

هل هناك علاج لاستعادة الشم والتذوق؟

بدأت صفاء بتدريب نفسها على شم بهار الطعام والقرنفل والزعتر وتناول الأطعمة المبهرة. وتطمئنها أحيانًا معلومات متداولة بأن من الطبيعي استمرار فقدان الحاستين لمدة شهر، لكن يعود لها القلق مجددًا، كل صباح تجد فيه أن حواسها الخمسة غير مكتملة وتقول إذا استمر الوضع على حاله فستراجع طبيبًا مختصًا لمساعدتها في استرداد حاستي الشم والتذوق.

يقول الطبيب الحمارنة إن فاقدي الشم والتذوق بسبب الإصابة بفيروس كورونا يلجأون عادة للانتظار، ويضطر قليل منهم لمراجعة الطبيب، لافتًا إلى أن علاج الإصابة بكورونا هو علاج تلطيفي بحسب شدة الأعراض، فعندما تكون الأعراض خفيفة ينصح المصاب بتناول الفيتامينات والمسكنات، وفاقدو حاستي الشم والتذوق عليهم في البداية انتظار زوال أعراض الإصابة بكورونا، فخلال ثلاثة أسابيع يستعيد الغالبية الحاستين المفقودتين. 

لكن وبحسب الحمارنة، إذا طال الأمر عن شهر فمن الأفضل مراجعة الطبيب المختص، الذي ينصح بتدريبات لاستعادة الحاستين، حيث يبدأ بتجربة الروائح القوية مع المريض، مثل القرفة والزنجبيل والليمون. ويبدأ المرضى باسترداد حاستي الشم والتذوق معًا، وبشكل تدريجي، إذ ترتبط الحاستان بعصب مشترك، ويندر أن يفقد أحد المرضى حاسة الشم دون فقدان حاسة التذوق.

ويلفت حمارنة إلى أن بعض المرضى قد يصابون بالهلوسة الشمية، فقد يشمّون روائح غير موجودة أصلًا أو روائح كريهة أو غريبة مختلفة عن الروائح الحقيقية للأشياء، نتيجة اضطراب النهايات العصبية الموجودة في «مركز الشم» أعلى الأنف، وتعود الأمور لطبيعتها بعد مدة، لكن عند نسبة قليلة يقدرها بـ5% من المصابين، قد تظل ملازمة لفترات طويلة جدًا، ويلجأ الأطباء حينها للعلاج بجرعات كورتيزون لمدة تتراوح بين ثلاثة أسابيع وشهر.

إلا أن حمارنة يؤكد أن تدريب حاسة الشم حتى في هذه الحالة أهم من جرعات الكورتيزون، مستذكرًا مريضًا ستينيًا راجعه للعلاج قبل ما يزيد عن أسبوعين لإصابته باضطراب في حاسة الشم، «بشم روائح غريبة» ناتجة عن إصابته بفيروس كورونا المستجد في شهر نيسان الماضي، ويشير إلى أن الأسلوب العلاجي الذي يتبعه معه في المرحلة الحالية يتمثل في تدريب حاسة الشم. 

لكن حمارنة يضيف أن بإمكان المصاب بفقدان حاستي الشم والتذوق بسبب فيروس كورونا العودة لعمله ولحياته الطبيعية بعد انتهاء مدة العزل، حتى لو استمر العرض بملازمته.