فقراؤنا في الأزمة: «مهارة البقاء» والخطط الرسمية

السبت 04 نيسان 2020
عمان في الليلة الأخيرة قبل فرض حظر التجول، 20 آذار 2020. تصوير أحمد سلامة.

بشكل مبكر نسبيًا، ومع اليوم الأول لتفاقم ما صار اسمه «أزمة كورونا»، وفور تفعيل قانون الدفاع، شكّل مجلس الوزراء عدة فرق لمتابعة التداعيات المتوقعة. من بين تلك الفرق، واحد حمل اسم فريق الحماية الاجتماعية برئاسة وزيرة التنمية الاجتماعية، وعضوية ممثلين عن كل من: الهلال الأحمر الأردني، وصندوق المعونة الوطنية، والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وتكية «أم علي» والهيئة الخيرية الهاشمية، ووزارة الشباب، ومتطوعي القطاع الخاص.

في التفاصيل اللاحقة، أُدرِجت الخطوات والإجراءات والأعمال الاعتيادية لعدد من هذه الجهات العاملة في مجال تقديم المعونات النقدية والعينية، ضمن عمل الفريق الجديد، كما أُعلِن عن خطوات جديدة استثنائية خاصة بظروف الأزمة الحالية. إذ من المعروف مثلًا، أن صندوق المعونة الوطنية يقدم معونات متكررة لـ105 آلاف أسرة، كما يقدم ضمن برنامج «الدعم التكميلي» معونة لـ50 ألف أسرة بواقع 136 دينارًا للأسرة شهريا تدفع كل ثلاث شهور. وقد عملت الوزارة على تجاوز معيقات توصيل هذه المعونات بسبب إجراءات حظر التجول الأخيرة، فتم تكليف موظفي الصندوق بالتوزيع المباشر للمستفيدين بالتعاون مع الحكام الإداريين في مختلف المناطق. وسارعت الوزارة إلى إنجاز قائمة جديدة بـ60 ألف أسرة إضافية ممن تضرروا وتوقفت دخولهم نتيجة الأزمة. كما واصلت تكية أم علي توزيع معوناتها الغذائية لـ30 ألف أسرة، وأعلنت مؤسسة الضمان الاجتماعي عن برنامج لتوزيع طرود تموينية، وحصل ذلك بالتعاون مع القوات المسلحة بحكم انتشارها الحالي.

الواقع أن قضية الفئات المعرضة للضرر بسبب الأزمة أثيرت فورًا وعلى نطاق واسع في النقاش العام، ممثلًا بوسائل الإعلام ونقاشات التواصل الاجتماعي، وخاصة ما يتصل بالفئات التي يحصل أفرادها على دخلهم بشكل يومي. وفي الأيام الأخيرة، أعلن عن إنشاء صندوق يحمل اسم «صندوق الخير» لاستقبال التبرعات الموجهة لهذه الفئات المتضررة، وأعلنت الوزارة أنها تستهدف دعم 200 ألف أسرة إضافية ضمن برنامج الدعم التكميلي بموازنة مستهدفة قيمتها 82 مليون دينار يفترض أن يوفرها الصندوق من التبرعات. 

لحسن الحظ، أنه ومنذ سنة تقريبًا، يتوفر لدى صندوق المعونة الوطنية (التابع لوزارة التنمية الاجتماعية) سجل وطني تفصيلي لمجمل الأسر الأردنية، ووفق وزيرة التنمية الاجتماعية، بسمة إسحاقات، في حوار تلفزيوني، فإن هذا السجل يحتوي على بيانات تفصيلية لحوالي مليون ومئة ألف أسرة (يشكلون 70% من عدد السكان) وقد رتبت هذه الأسر وفق مستوياتها المالية، من الأفقر إلى الأغنى، مما يسهل عملية التعرف على الفئات التي يمكن أن تتضرر والتي تحتاج للدعم والإسناد. 

وبالفعل، خلال الأيام الماضية عرضت وسائل الإعلام العديد من الأخبار عن نشاطات تخص توزيع الطرود التموينية قامت بها جهات متعددة في محافظات مختلفة في المملكة. ولعل هذا الإجراء الملموس يعد الأسهل لغايات التغطية الإعلامية، كما تحرص الجهات التي تتولى التوزيع على نشر مثل هذه الأخبار.

الملاحظة الرئيسية على هذه الإجراءات المشار إليها فيما سبق، أنها تنقسم إلى قسمين: أحدهما يضم إجراءات فورية من بينها ما كان يقدم اعتياديا في السابق، والثاني على شكل استهداف على مدى زمني غير معلن لكنه يتحدد وفق توفر الأموال اللازمة. وبالتالي فإن الحكم عليه في جانبه العملي التنفيذي يبقى مؤجلا بانتظار الأيام والأسابيع القادمة. فصحيح أن وزارة التنمية حددت منذ الآن دائرة الاستهداف في المرحلة المقبلة، بواقع 200 ألف أسرة إضافية تقع في السجل الوطني في مراتب تتلو مباشرة الأسرَ التي تتلقى المعونة فعلًا، وعددها 155 ألف أسرة، غير أنه يتعين على الوزارة البحث عن طريقة تختصر الزمن اللازم للبدء بتنفيذ صرف الدعم، فالتعليمات المتبعة لغاية الآن تحتاج لزمن طويل لكي تتحول إلى إجراءات فعلية. ووفق تصريحات وزيرة التنمية فإن قائمة الأسر الجديدة (200 ألف) تشمل العاملين بشكل يومي وغير الخاضعين للضمان الاجتماعي وليست لديهم أملاك، وقد أشارت الوزيرة بالتحديد إلى فئتي السواقين والحلاقين التي تضم 45 ألف شخص. وعلى ذلك فإن شمول 355 ألف أسرة بالدعم (الدائم أو المؤقت)، إذا تحقق فعلًا، سيكون خطوة كبيرة في سياق تحقيق هدف الحماية الاجتماعية.

وبالإجمال، فإن النقاش الذي دار في البلد حول حالة الفئات الفقيرة، جاء مترافقًا مع الروح الإيجابية العامة التي سادت وتسود مجمل معالجات الأزمة في شتى المجالات وخاصة الصحية والأمنية، لقد حرصت الحكومة هنا أيضًا، على أن توجه رسالة اجتماعية مناسبة للجمهور حول الفئات التي تضررت او يحتمل أن تتضرر.

ماذا يحصل في الميدان؟

بالتوازي مع كل هذا، وكما هي العادة في القضايا ذات المساس بحياة الناس ومعيشتهم اليومية، فإن دوائر أخرى «في الميدان» تنخرط في النشاط والعمل واتخاذ الموقف المناسب. وكالعادة، فإن ملاحظة غياب التواصل الفعال بين مستويي النشاط الرسمي والشعبي تتكرر الآن أيضًا.

ينقسم النشاط الميداني «الأهلي» بدوره إلى قسمين: الأول يضم نشاطات الجهات الأهلية المسجلة، كالجمعيات والنوادي والروابط والبلديات، والثاني يضم المبادرات اللحظية الخاصة بالحدث المحدد التي يقوم بها أفراد في المجتمع المحلي أو على مستوى الحي أو على المستوى القرابي. وفي بعض الحالات يتداخل القسمان معًا وفق الظروف الاجتماعية في الموقع المحدد.

الملاحظات التالية مبنية على اتصالات مع نشطاء ومواطنين، في مواقع مختلفة، هدفت إلى الحصول على عرض سريع لما يجري، وشملت: مدينة معان، وبلدة مريغة جنوبًا، وقرية راسون في عجلون، ومخيمي النصر والبقعة، وبلدة الرويشد ولواء المنشية في المفرق، ومدينة الرمثا، وبلدة الحلابات، وذلك كعينة اختيرت بلا معايير محددة، ولكنها قد تسمح بتقديم بعض الملاحظات، وبالطبع حالت صعوبة التنقل دون القيام بزيارات ميدانية تستقصي ما يجري مباشرة.

لعل الملاحظة الإيجابية الأبرز أن المتحدثين من كل هذه المواقع أكدوا أنه لا توجد حالات (أسر أو أحياء مثلًا) غائبة بشكل كامل عن نظر المجتمع المحلي، فهناك مستوى من التواصل معقول لغاية هذه اللحظة.

في معان مثلًا، وبحكم أن مجتمع المدينة مرّ بأكثر من تجربة في إدارة أزمة محلية، فإن المبادرات كانت فورية، وجرى تقسيم المدينة إلى أربعة مناطق، لكل منطقة لجنة لها مسؤول معروف، وحصل في المدينة تواصل بين المبادرات الأهلية الآنية وبين المؤسسات القائمة وخاصة غرفة التجارة والبلدية، كما يجد المقتدرون ماليًا من أبناء المدينة وسيلتهم للإسهام في مثل هذه الحالات. ومن اللافت أن كل أنشطة الدعم تشمل المقيمين في المدينة من خارجها، وأحيانًا ما تستهدفهم بشكل خاص. وهناك مبادرات فردية مثل التسامح بأجور مساكن ومحلات وخلافه، أو تقديم معونات خاصة.

تجربة مماثلة تقريبًا في شمولها تحصل في مخيم النصر شرق عمان، ولكن هنا اعتمد الأمر على جمعية خيرية قائمة منذ عام 2015 وينشط فيها حوالي 110 متطوعين من شباب المخيم. تعمل الجمعية في المجتمع المحلي وجزء من المنطقة المحيطة، وهي متخصصة أصلًا في مجال رعاية الأطفال وحمايتهم، ولكنها بادرت هذه المرة إلى توسيع نطاق عملها، بحيث تعرفت على احتياجات الأسر المختلفة، وجمعت التبرعات مما وفر لها إمكانية تقديم معونات مالية في بعض الحالات، إلى جانب توزيع طرود تموينية، والتعاقد مع أحد المخابز الذي غطى -تبرعًا- حاجة كثير من الأسر لفترة محددة، ثم اتفقت معه الجمعية على أن تدفع له ثمن الطحين فقط. في هذه الجمعية وجد الناشطون صعوبة في التواصل والتنسيق مع الجهات الرسمية ومع أجهزة وزارة التنمية الاجتماعية (الوزارة المسؤولة عن تسجيل الجمعيات)، ولكن هذا لم يوقفهم عن عملهم.

في لواء المنشية في المفرق، لعبت الخبرة الطويلة لأهالي البلدة في مجال إدارة التنمية المحلية الذاتية دورًا ملحوظًا، وبدت ممارسة العمل الآن كاستمرارية لتلك الخبرة، وقد شملت الأنشطة المواقع الأربع التي يتألف منها اللواء، بمعنى أنها تجاوزت الأطر القرابية. وجرت العادة أن المبادرات الأهلية تجري بتنسيق وتفاهم مع البلدية التي تتيح مبناها كمقر لهذه النشاطات التي ينخرط فيها عدد كبير من شباب المنطقة. واليوم من المرجح أنه لا توجد أسرة تعيش في عزلة تامة أو أنها تمر بظروف مجهولة من قبل المجتمع المحلي. وفي الواقع تعد تجربة المنشية في الحماية الذاتية والتي تمتد على سنوات طويلة، نموذجًا جديرًا بالدراسة.

في باقي المواقع التي جرى التواصل معها، توجد ظواهر مماثلة قد تكون أقل شمولًا، وهي قيد النمو والتطور في بعض الحالات. إن الموقف الأهلي يتطور وينمو بالتوازي مع الموقف الرسمي، وبالإجمال فإن المتحدثين من مختلف المواقع أكدوا أن آليات التواصل الاجتماعي لا تزال فاعلة إلى حد معقول.

ضرورة التقاء الرسمي والأهلي

غير أنه يلاحظ أن النقاش الذي ساد خلال الأسبوعين الأخيرين، حول الفئات التي فقدت مصادر دخلها بسبب كونها تعمل في مجالات غير منظمة او بشكل يومي، أعطى انطباعًا بحصول انهيار فوري ابتداء من اليوم الذي أعلن فيه حظر التجول وتعطيل الأعمال. في الواقع يمتاز العاملون في القطاع غير المنظم وخاصة الجادون منهم، بدرجة معقولة من المرونة والقدرة على «التدبير»، بسبب أن انعدام الأمان والاستمرارية هو سمة غالبة في هذا القطاع، وكثيرًا ما يمرون في اوقات تقطع او انقطاع أو منع في المجالات غير المسموح بها، كالبيع في الشوارع. من المفيد أن نتذكر هنا أن قطاع العمل غير المنظم، غير الرسمي، لا يضم بالضرورة طارئين على العمل أو عاملين بشكل مؤقت، فالقطاع كبير، وقسم من العاملين فيه أمضى عمره العملي بأكمله فيه، وهناك توريث لهذا الصنف من العمل، وحتى في مجال البيع المتجول (البسطات)، فإنه في عمان مثلًا، يشهد تتابع أجيال داخل الأسرة الواحدة. إن نظرتهم للعمل قائمة أساسًا على الكدح المستمر والعمل الأسري، وهذا من عناصر المرونة المذكورة أعلاه. إن المطلوب هو مساعدتهم على الصمود بغية تمرير هذه الأزمة التي يتفاقم أثرها لديهم كلما طال زمنها.

من المرجح أن الزمن الأصعب من تداعيات الأزمة على هذه الفئات وفئات أخرى معرضة للضرر، لم يبدأ بعد. ولهذا فإن الدور الرسمي الحكومي سيكون أكثر إلحاحًا وضرورة في المستقبل. غير أن هذا لا يعني التخلي عن خطوات الإسناد الفورية، من جهة بسبب قسوة الأثر الأعلى نسبيًا، ولكن، من جهة ثانية، لأن القطاع غير المنظم لا يختلف، في هذا المجال، عن القطاع الخاص المنظم الذي ناله فورًا بعض أشكال التسهيلات والدعم (مثل بعض إعفاءات الضمان الاجتماعي، وإعفاءات من بعض الرسوم التي حددتها قرارات الدفاع الأولى). 

ولكن مرة أخرى، فإن على الخطط الرسمية أن تسعى الى الالتقاء مع الخبرة الأهلية في منتصف الطريق، بمعنى ان على الجانب الرسمي أن ينزل إلى الواقع الميداني ويتعرف ويدرب نفسه على احترام التجربة الأهلية في المجتمعات المحلية المختلفة. 

هنا على أرض الواقع وفي الميدان، فإن مواجهة الأزمة تأخذ شكل قضية بقاء واستمرار، وهي ليست قضية خطة وبرنامج ينتهي بتقارير عن درجة الإنجاز ونسبته. إن لفقراء بلدنا خبرة طويلة في «مهارات البقاء» كمهارات إجبارية غالبًا، وعلى الحكومة أن تلتقي مع ما لدى الناس وتبني عليه، بالتفاهم معه وباحترامه.