في انتظار الثورة الصناعية الرابعة

الأحد 22 كانون الأول 2019

يشهد العالم تطورًا ملحوظًا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والحساب الكمي وتكنولوجيا النانو. وتنعكس هذه التطورات في مختلف مناحي الحياة، من أنظمة الترجمة الآلية وأنظمة التعرف على الوجوه إلى السيارات ذاتية القيادة والطباعة ثلاثية الأبعاد. ويتنبأ البعض أن هذه التغييرات تشكل حقبة جديدة للتقدم البشري.

أطلق على التطور في الأدوات التي تستخدم في التصنيع، والتي غيرت حياة الناس جوهريًا في وقت سريع نسبيًا، اسم الثورات الصناعية. ارتكزت الثورة الصناعية الأولى على استخدام البخار والمياه لتطوير عملية الإنتاج، أمّا الثورة الصناعية الثانية فكانت نتيجة إدخال الكهرباء. واتسمت الثورة الصناعية الثالثة بأنها ثورة رقمية اعتمدت على الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات. ويتردد الكلام في السنوات الأخيرة حول أننا بدأنا ندخل عصر الثورة الصناعية الرابعة التي تلغي الحدود بين ما هو مادي وما هو رقمي وما هو حيوي، وتزيل الفروقات بين الآلة والإنسان، لتصير الآلة قادرة على تمييز الوجوه كما الحال مع فيسبوك، وليلعب الإنسان والآلة الشطرنج كما في برنامج «Alpha Zero».

وفقًا لمدير المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب الذي كان من أوائل من روّجوا المصطلح، فإن الثورة الصناعية الرابعة ليست ثورة رقمية فقط كما هي الثورة الصناعية الثالثة، إنما هي إزالة الفروقات بين ما هو مادي وحيوي ورقمي. أي أنها بالإضافة إلى التطور الرقمي تستلزم الدمج مع المجالين الحيوي والمادي، مثل تطوير مواد تتفاعل مع الدماغ البشري.

في تحليل المصطلح بالعودة إلى تاريخ التحوّلات الصناعية يمكن القول إن الثورة الصناعية عملية تدريجية وباهظة، ومدعومة من السلطة ويصحبها استثمار طويل الأمد. فعلى سبيل المثال مع دخول الآلات إلى العمل في بريطانيا في بدايات القرن التاسع عشر، بدأ تخوّف العمّال من أن تحل هذه الآلات محلهم، وظهرت اللاضية (Luddite) (أو حركة تحطيم الآلات) وهي حركة ظهرت عام 1802 وتصاعدت بين 1811 و1813، قام منتسبوها بتكسير الآلات كنوع من الاحتجاج. وردت السلطات البريطانية على هذا الحراك بإصدار قانون خاص بتكسير الآلات عام 1812 وبعقوبات تصل إلى الإعدام. 

أمّا في الولايات المتحدة الأمريكية، فكان من أبرز الأسباب التي ساهمت في التحول الاقتصادي في القرن العشرين إجبار الأطفال في بعض الولايات على البقاء في المدارس حتى السادسة عشر من عمرهم. زيادة عدد سنوات الدراسة للطفل كان قرارًا باهظًا إذ أنه يعني الحاجة إلى بناء مدارس وتعيين مدرسين، وتقليل عدد القوى العاملة، وبالتالي انخفاض الإنتاجية. لكن التعليم لسنوات أطول أدّى لاكتساب الأطفال للمهارات اللازمة للعمل في النظام الجديد، مما نتج عنه تطور اقتصادي فعّال في تلك الولايات.

وفي الوقت الذي منحت فيه الثورة الصناعية العديد من الميّزات للدول الصناعية فإنها جلبت آثارًا سلبيةً على كلٍ من البيئة والعمّال، وكذلك ألحقت الضرر بالدول غير الصناعية. فهي من جهة عززت من قوة وثراء الدول الصناعية، ومن الجهة المقابلة أدت إلى استنزاف الموارد وتلوث البيئة. ووقعت العديد من الدول غير الصناعية تحت استعمار الدول الصناعية التي كانت تسعى نحو السيطرة على المزيد من المواد الخام وفتح المزيد من الأسواق.

مخاوف مشروعة من الثورة الصناعية الرابعة

التخوف الأكثر انتشارًا من التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي تحديدًا مرتبط بالعمل وتغيير طبيعة الوظائف، إذ أن عمليات الأتمتة تؤدي إلى الاستغناء عن بعض الأعمال التي يمكن للآلة القيام بها. لكنها على الجهة الأخرى تؤدي إلى زيادة الانتاجية وتسهيل حياة الناس، فعلى سبيل المثال كان 41% من عمّال الولايات المتحدة الأمريكية يعملون في الزراعة عام 1900، ولكن مع دخول الآلات وزيادة الإنتاجية أصبح 2% من القوى العاملة قادرين على تزويد احتياجات الغذاء للبقية. وفي قطاع البنوك، كانت عمليات السحب والإيداع تشكّل الجزء الأكبر من أعمال موظفي البنوك، لكن دخول الصراف الآلي قلل عدد الموظفين اللازمين للقيام بأعمال السحب والإيداع، وأصبح التركيز الأكبر على مهام أخرى، مما زاد من أرباح البنوك، ورفع من كفاءتها. وفي بعض الحالات، قادت الأتمتة، وما نتج عنها من زيادة أرباح وتوسّع في الأعمال إلى الدخول إلى أسواق جديدة، مما عنى فتح مجال لوظائف جديدة.

يقول الاقتصادي الأمريكي دافيد أوتر (David Autor) إنه لا خوف من الاستغناء عن العمال في الدول الصناعية المتقدمة، إنما يتوجب القلق على مستقبل العمل في باقي دول العالم. ومردّ ذلك إلى أن جزءًا كبيرًا من العمل في الدول النامية يقوم على تقديم خدمات وأعمال لصالح الدول الغنية مثل أعمال الخياطة والنسيج والإجابة على المكالمات (خدمة العملاء)، بالإضافة إلى تصدير العمالة للعالم المتقدم للقيام بأعمال التنظيف أو البناء أو تقديم العناية. ومع تطور الذكاء الاصطناعي سيصبح العالم المتقدم أكثر اعتمادًا على نفسه وأقل حاجة للخدمات والأعمال التي تقدّمها الدول النامية. لذا فإن عملية الأتمتة تفيد الأطراف الغنية وتستغني عن الأطراف الفقيرة.

أمّا عن دوافع عدم القلق بخصوص العمالة في الدول المتقدمة، فهي عديدة من بينها أن الأعمال التي يسهل للآلات القيام بها هي أعمال يغلب فيها التكرار ويسهل وصف آلية عملها، في حين يصعب حتى الآن أتمتة الأعمال التي تفتقد لآلية واضحة. أسهل الأعمال للأتمتة هي التي تقتصر على بضعة حركات معدودة يقوم العامل بتكرارها ساعات طويلة مثل أعمال اللحام والتغليف وخطوط التجميع بالإضافة إلى جمع البيانات ومعالجتها. إن نسبة كبيرة من الأعمال المكتبية تشمل قضاء ساعات طويلة في تنفيذ مهام بسيطة لا تستلزم قدرًا كبيرًا من التفكير مثل أعمال مهندسي تصميم الأبنية في السنوات الأولى من حياتهم المهنية.

أمّا الأعمال التي يصعب أتمتتها فتشمل أعمال الإدارة والأعمال التي تستلزم خبرة مثل التخطيط واتخاذ القرار والأعمال الإبداعية. إن الأعمال التي تقدمها الدول الفقيرة هي أعمال مرتبطة برواتب قليلة نسبيًا ويسهل أتمتتها، بينما الأعمال التي تصعب أتمتتها حتى الآن هي أعمال ترتبط بمرتبات عالية وتنتشر بالدول المتقدمة أكثر من الدول النامية.

سبب آخر هو أنه إن تمّت أتمتة بعض الأعمال في الدول المتقدمة فسيكون توجه العمال نحو أعمال أخرى مثل الأعمال الإبداعية أسهل. كما أن زيادة الإنتاجية والثروة المصاحبة للأتمتة في البلدان المتقدمة قد تتيح تنفيذ حلول مثل الدخل الأساسي الموحد الذي يعني توزيع مبلغ مالي بشكل دوري على جميع الأفراد دون شروط ودون النظر لحالتهم أو ظروف عملهم، ويتردد هذا الحل عند الحديث عن الفقدان المحتمل للوظائف نتيجة الأتمتة.

لمَ ترحب دول نامية بالثورة الصناعية الرابعة؟

خلافًا للتحليل الموضوعي الذي يشير إلى أن البلدان النامية والفقيرة ستكون أبرز المتضررين من عمليات الأتمتة والتطورات التكنولوجية، وخلافًا للدول المتقدمة التي تبحث عن حلول وتضع استراتيجيات للتغيرات المتوقعة، يقف الخطاب في بعض الدول النامية على النقيض. حيث يتم التركيز على مصطلح فضفاض يفتقد الأرضية الواضحة ولا يزال قيد التشكل مثل «الثورة الصناعية الرابعة»، ويتم ترويجه كطوق نجاة وسبيل خلاص بدلًا من التطرّق لآثار تطورات تكنولوجية ذات أساس علمي وارتباط واضح بالواقع، مثل الأتمتة والذكاء الاصطناعي. في الأردن على سبيل المثال، يقدّم الخطاب الحكومي الرسمي مصطلح «الثورة الصناعية الرابعة» على أنه الفرصة للانتقال إلى مستقبل أفضل، وأن استشراف الثورة الجديدة والاستعداد لها قبل قدومها سيمكّن من اغتنام فرصها، كما يسود في مصر خطاب شبيه يبشّر بإمكانية اللحاق بالثورة الصناعية المنتظرة.

الحديث عن مشاركة الدول النامية في «ثورة صناعية رابعة» يستلزم مواكبة التطورات الحاصلة في الثورات الثلاث السابقة قبل التأهل للقفز إلى المجهول في ثورة مستقبلية. إن وجود أجهزة كمبيوتر ومجموعة من الشباب غير كافٍ لإسهام حقيقي بهذه الثورة. ودون وجود استراتيجية مدعومة بتشريعات واستثمارات باهظة، لا يمكننا التحدث عن نية حقيقية للحاق «بالثورة الجديدة». 

إن الثورة الصناعية الرابعة ليست ثورة رقمية فقط، إنما هناك جانب مادي وجانب جسماني يستلزمان التصنيع الدقيق ذا الكلف الباهظة جدًا عند المقارنة بالحسابات الرقمية. كما أن البحث والتطوير حتى في الجانب الرقمي ليس رخيصًا، كما يظنّ للوهلة الأولى، وقد تشكّل كلفة الاستثمار في هذه التكنولوجيا تحديًا أمام صانع القرار في الدول النامية. إن تكلفة تطوير أحد برامج الذكاء الاصطناعي «AlphaGo Zero»، على سبيل المثال، تقدر بعشرات ملايين الدولارات.

يبدو التبشير بثورة صناعية جديدة في بلدان غير صناعية غريبا نوعًا ما، فالدول الفقيرة بشكل عام وذات الاقتصاد الخدمي منها بشكل خاص عرضة للضرر الكبير من عمليات الأتمتة والتطور التكنولوجي. فبالإضافة إلى احتمالية فقدان بعض الوظائف في حال دخول الأتمتة للدول الفقيرة، إن الأتمتة في الدول الغنية ستؤدي إلى الاستغناء عن الخدمات التي كانت تقدمها العمالة الرخيصة من الدول الفقيرة. لذا، فإن الاحتفاء بالثورة الصناعية الرابعة في الدول الفقيرة يبدو رهانًا غير محسوب، فالتعامل مع مستقبل التقدم العلمي والتكنولوجي يستلزم تحليلًا موضوعيًا شاملًا.