«لا حس ولا صوت ولا أولاد يلعبوا بشوارعها»: قرية الخناصري في ظل كورونا

الخميس 14 أيار 2020
جنود يقفون على حاجز أمني في قرية الخناصري في المفرق. تصوير صلاح ملكاوي، قناة المملكة.

في السادس من أيار، كان الأردن على موعد مع تسجيل إصابات جديدة بفيروس كورونا المستجد، بعد غياب الإصابات 8 أيام على التوالي، إذ أعلن وزير الصحة سعد جابر عن تسجيل حالتين مصابتين بفيروس كورونا، الأولى لسائق شحن من جنسية عربية كان قادمًا إلى الأردن، والثانية لسائق شاحنة أردني من محافظة المفرق عاد من الخارج بتاريخ 22 نيسان.

أبو محمد سائق الشاحنة، الذي يقطن في قرية الخناصري، أجرى فحصًا حال دخوله المملكة، في مركز حدود العمري (منفذ الحديثة البري)، الذي يربط بين الأردن والسعودية، وجاءت نتيجة العينة سلبية، ووقع على تعهد بعزل نفسه في المنزل لمدة 14 يومًا. بعد يومين شعر بأعراض دوار وسعال وحرارة، وراجع بنفسه مستشفى الرمثا الحكومي، حيث كان يعاني من هبوط بالضغط، دون اكتشاف إصابته بفيروس كورونا. ثم شعر بألم في صدره، وذهب إلى مستشفى الملك طلال العسكري بمحافظة المفرق، ولم يتم اكتشاف إصابته، وفق تصريحه لقناة المملكة.

مع استمرار الأعراض عاود أبو محمد بعد يومين الذهاب إلى مستشفى الأمير راشد بن الحسن العسكري، ثمّ عاود دخول مستشفى الملك طلال العسكري، للمرة الثانية، وتم تشخيصه بوجود التهاب في رئتيه، دون اكتشاف إصابته بفيروس كورونا.

بعد نحو 13 يومًا، زار سائق الشاحنة قريبته، الطبيبة سوسن الرواشدة التي تعمل في مستشفى الملك طلال العسكري، وطلبت منه إجراء فحص الكشف عن فيروس كورونا، من جديد، لتظهر النتيجة إيجابية، وتسجّل أول إصابة في محافظة المفرق، شمال شرق الأردن.

فجر السابع من أيار، أعلن محافظ المفرق ياسر العدوان عزل قرية الخناصري، ودخول أربعة فرق تقصٍ وبائي لأخذ عينات عشوائية من القرية بوجه العموم، ومن جيران سائق الشاحنة تحديدًا، حسب حديث أحد سكان القرية، محمد الرواشدة لـ«حبر»، «ليلة والله ما تنساها القرية كلها، ما حدا نام حتى بعد الفجر، الكل على أعصابه، شيء غريب، مرة وحدة أعلنوا العزل وأنه أبو محمد مصاب وبدهم عينات عشوائية، الكل خاف وصرّنا ندعي أنه يعدي هالأيام على خير».

يضيف بكر الرواشدة، أحد أبناء القرية، «لحد هسه أنا مش مصدق اللي صار كله، القرية كلها من شهرين تقريبًا وكل شيء فيها عادي والحياة طبيعية، بس فجر هظاك اليوم كان غير، ولحد هسه وأنا بحكي معك مش مصدق كل اللي صار».

منذ دخول أزمة جائحة كورونا الأردن، وإعلان فرض حظر التجوّل العام، التزمَ أهالي قرية الخناصري بالتعليمات، دون حصول تهافت على البقالات أو الدكاكين الموجودة فيها، بحكم قلة أعداد قاطنيها كما يوضح أهالي القرية.

ماذا نعرف عن قرية الخناصري؟

الخناصري، واحدة من أربع قرى (إلى جانب الحرش، وفاع، وبريقا) تتبع بلدية الباسلية، ضمن قضاء حوشا، الذي استحدث عام 1996، ويضم سبع قرى أخرى، في لواء البادية الشمالية الغربية، في محافظة المفرق.

يقطن القرية نحو 964 نسمة، وفق تقرير دائرة الإحصاءات العامة لعدد السكان المقدر لعام 2019، غير أن أحد مخاتير القرية، تركي صالح الرواشدة، أكد لـ«حبر» أن عدد سكان القرية الحالي أكثر من ألف شخص. وتضم القرية تل الخناصري الأثري، الذي كان بمثابة نقطة مراقبة في الدولة العثمانية، إضافة لوجود برك ماء أثرية من العهد الروماني، كما تقع على حدود القرية شركة كهرباء محافظة إربد.

القرية الريفية مترامية الأطراف، متباعدة البيوت، يعمل أغلب سكانها في القطاع العسكري والزراعي وتربية المواشي، وبعضهم في مجال التعليم، وينتمي أغلب السكان لعشيرة الرواشدة، ومنهم من ينتمي لعشيرتي الشرعه والسليم، وهما جزء من قبيلة بني صخر، غير أنهم جميعهم أقرباء، حيث يربطهم النسب إن لم يربطهم الدم، كما يقول محمد الحماد، أحد سّكان القرية.

من قرية الخناصري. تصوير صلاح ملكاوي، قناة المملكة.

تعاني الخناصري من سوء البنية التحتية في الطرق الرئيسية والفرعية، وتتوفر فيها الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء، بشكل دائم، وفيها ثلاث مدارس (أساسية مختلطة، وثانوية للبنين، وثانوية للإناث)، واستمر التعليم عن بعد فيها خلال فترة حظر التجوّل، وفق حديث الأهالي، الذين يصفون الوضع الاقتصادي لأغلب السكان بالمتوسط، إذ يعتمدون على الراتب الشهري.

ويمر وينتهي خط الغاز «الإسرائيلي» في محطة قرية الخناصري، التي بنيت منذ خمس سنوات، ويعمل بها عدد من أبناء القرية كعمال، بعد احتجاج بعض الأهالي على عدم توظيف أبنائهم، ويؤكد أحد أبناء القرية لـ«حبر»، «بيع الأراضي تم بعد ما دفعوا فيهن مبالغ عالية جدًا».

تبعد قرية الخناصري عن القرى الثلاث الأخرى ضمن بلدية الباسلية مسافة ثلاثة كيلومترات، ولا يتوقع سكان القرى المجاورة أن ينتقل فيروس كورونا إليهم بعد عزل القرية الأولى.

ماذا حدث للقرية؟

صباح الخميس السابع من أيار، ومع استمرار فرق التقصي الوبائي، بأخذ عينات عشوائية من قرية الخناصري، كانت النتائج تظهر تباعًا، لدى مديرية صحة المفرق، وسط ترقب وخوف كبيرين من أهالي القرية. مساء الخميس، أعلن وزير الصحة سعد جابر عن تسجيل 11 إصابة بفيروس كورونا، جميعهم مخالطون لسائق الشاحنة، ومعظمهم من أقاربه وأبناء عمومته، حسب تصريحه.

«كنا نتابع الأخبار عادي، بس أنه إحنا نصير الخبر مصيبة كبيرة والله».

كانت تلك الصدمة الكبيرة، التي وقعت على أهالي القرية، وهم يتابعون تفاصيل المؤتمر الصحفي لوزير الصحة والإعلام، «المؤتمر الساعة ستة والله في كثير من بيوت القرية ما أفطرت يومها، خبر مزعج جدًا، كنا نتابع الأخبار عادي، بس أنه إحنا نصير الخبر مصيبة كبيرة والله»، بهذه الكلمات يعبر محمد سليمان الرواشدة عن لحظة معرفتهم بنتائج الفحوصات، وأن القادم سيغير تفاصيل القرية إلى وقت ليس معلوم.

لم تكن القرية وأهلها وحدهم في مواجهة فيروس كورونا، القرى المجاورة القريبة من الخناصري مسافةً وقرابةً، بدأت تنتظر القادم، خاصة أن الإصابة انتقلت إلى الحرش. توجهت 14 فرقة من التقصي الوبائي للقرى يوم الثامن من أيار لعمل فحوص عشوائية للمواطنين، بهدف رصد وتتبع الحالات التي لم يتم الكشف عنها، إضافة إلى بقاء الحجر في منطقة الإصابة لأربعة عشر يومًا على الأقل.

صباح الجمعة، بدا يومًا غريبًا على أهالي القرى الأربع، مع دخول قرار محافظ المفرق بعزل كل قرية على حدة، وعزل بلدية الباسلية الكبرى في لواء البادية الشمالية الغربية، تزامن ذلك مع مباشرة 14 فرقة من التقصي الوبائي عملها، وسط ترقب أهالي القرى النتائج النهائية للفحوصات.

عند الساعة السادسة مساءً من يوم الجمعة، الثامن من أيار، أعلن وزير الصحة عن تسجيل 24 إصابة جديدة بفيروس كورونا، 18 منهم لمخالطي السائق المصاب، فيما سجل السبت 14 حالة إصابة جديدة، 7 منهم من منطقة الخناصري. يشير محمد سلمان الرواشدة أن القرى بدأت تنتظر مصير الخناصري، «كل يوم كان في مصابين، بلشت الإصابات تطلع من خناصري للحرش وفاع وبريقا، حتى الناس اللي بعاد عنا في المفرق، توقعوا أنه يوصلهم الكورونا».

سجلت القرية 12 حالة جديدة بين مخالطي السائق، يوم الأحد العاشر من أيار. يوم الاثنين لم تسجل في قرية الخناصري أو القرى المحيطة بها أي إصابات، بل سجلت إصابتان في منطقة دير ورق التابعة لقضاء منشية بني حسن، في المفرق، ليصل العدد الإجمالي إلى 51 إصابة، موزعة حسب العدوان كما يلي: 31  إصابة في قرية الخناصري، 9 إصابات في قرية فاع، 9 إصابات في قرية الحرش، إصابتان في منطقة دير ورق التابعة لقضاء منشية بني حسن، والتي عُزلت نتيجة ذلك.

«العزل غيّر كثير شغلات، ما توقعنا بيوم الخناصري تكون بلا حس ولا صوت ولا أولاد يلعبوا بشوارعها، كثير اختلفت عن قبل، صح هي جزء من هالعالم، بس بالنسبة إلنا هي كل العالم».

يحاول محمد الرواشدة أن يصف حال القرية مع انتهاء الأسبوع الأول لعزلها، «العزل غيّر كثير شغلات، ما توقعنا بيوم الخناصري تكون بلا حس ولا صوت ولا أولاد يلعبوا بشوارعها، كثير اختلفت عن قبل، صح هي جزء من هالعالم، بس بالنسبة إلنا هي كل العالم، الناس كثير خايفة على أهلها وأحبابها وأولادها، وشعور الخوف مؤذي جدًا».

مع استمرار قرار الحكومة بعزل قرية الخناصري وإغلاق كافة المحال التجارية والمخابز، اتّخذ المحافظ العدوان إجراءات تأمين قاطنيها بمستلزماتهم الأساسية من خضار وأسطوانات غاز وخبز ومواد تموينية، مع منع فتح المحال التجارية في القرية، والاعتماد على المحال في القرى القريبة، وتوزيع المستلزمات على البيوت، بشكل منفرد، غير أن الآلية أزعجت سكان المنطقة؛ بسبب حصرهم في تاجر واحد، يبيعهم بـ«البوّكس» وليس بالوزن، إضافة لعدم تأمين كافة المستلزمات، ومجيئه مرة واحدة على الحي، مما لا يسمح لجميع المواطنين بالشراء، كما يقولون.

يتحدث رئيس بلدية الباسلية ريحان القضاة لـ«حبر»، عن آلية البيع التي تمت في بداية العزل، إذ يقول إن الجهات المعنية اتفقت في بداية العزل مع أسواق محددة، واجبها تأمين احتياجات أهالي القرية، ثم الانتقال لبيعها لكل بيت بشكل منفرد، دون مقابل أجرة، ويضيف،«بعد ما اشتكوا الناس، غيروا التاجر والسوق، ورجعوا اتفقوا مع واحد جديد».

نشرت بلدية الباسلية إعلانًا يتضمن أرقامًا لأحد الأسواق المتفق عليه من قبل الجهات المعنية، للتواصل معه وطلب المستلزمات منه، كما نشرت أرقامًا خاصة لتأمين المستلزمات الطبية، من صيدلية واحدة، تخدم أربع قرى.

صيدلية حريما التي تخدم أربع قرى في قضاء الحوشا.

فيما يعلق محافظ المفرق ياسر العدوان على آلية تأمين احتياجات المواطنين، بأن المحافظة اتفقت مع إدارة أحد الأسواق – الموجودة في قرية البويضة القريبة من الخناصري-، على تأمين الاحتياجات كافة، وبيعها للمواطنين في بيوتهم دون احتكاك مباشر، بحيث توضع الطلبات أمام البيوت ويتم الدفع بعد التعقيم من قبل التاجر والمواطن، ضمن إجراءات تضمن السلامة العامة.

ينوه العدوان خلال حديثه لـ«حبر» إلى أن الجهات الرسمية في المحافظة تقوم بدورها بالتنسيق مع الجمعيات والصناديق الخيرية إضافة لوزارة التنمية الاجتماعية، لتقديم الطرود والمساعدات للأسر الفقيرة وإيصالها بالسرعة الممكنة، مضيفًا، «في شباب كمان عندهم همة عالية وبعملوا مبادرات طيبة».

فيما يسعى محمد حماد ورفاقه لتشجيع الجهات الأهلية والرسمية على مساعدة أهالي قرية الخناصري والقرى الأخرى، وتقديم ما استطاعوا إليهم، لمساندتهم في الظروف الصعبة، «الواجب على كل واحد يعمل بأصله، إحنا جهزنا طرود مواد تموينية فيها زيت وسكر وطحين ومعلبات، من البلديات القريبة من قضاء حوشا، وزعنا جزء منهم وظل شوي كمان رح نوزعهم، وكله بجهود الشباب».

صيدلي لأربع قرى

الصيدلاني عبد الله الشريدة الذي يملك صيدليته الخاصة الموجودة في «مثلث البلد»، لم يدخل بيت عائلته منذ نحو شهرين، ينام داخل صيدليته، خوفًا على والديه من نقل العدوى في حال إصابته بفيروس كورونا، يعمل منفردًا بعد توقف عمل صيدلانية تسكن في الخناصري كانت تعمل معه، قبيل عزل القرية.

استعد منذ بداية الأزمة على البقاء في صيدليته، جهّز غرفة بسرير وغطاء. يدخل اليوم شهره الثاني داخل الصيدلية، غير أنه يتحرك بالنهار لتأمين احتياجات أهالي قرية الخناصري والقرى الأخرى، «برمضان بنام بعد الفجر، بصحى على الساعة 10 الصبح، بشوف الناس شو بحاجة أدوية أو أدوات وقاية، بعدين بطلع بلفلف على كل بيوتهم وهاض هو التعب خاصة أنه ما في حدا يساعدني، (..) الناس متفهمه ومتخوفة بنفس الوقت».

الصيدلي الشريدة قبيل البدء بتوزيع الأدوية على أهالي قرية الخناصري.

لا ينكر عبد الله خوفه على نفسه من إصابته أو نقله العدوى للآخرين، لكنه يتعامل بحذر شديد وفق التعليمات الصحية، يقول عبد الله إن العزل قَلَبَ حياة أهالي حوشا جميعهم، فهناك خوف تراه في الفراغ، ومع ذلك يحاول قدر المستطاع مساعدة أهله في القرى، معتبرًا ذلك واجبًا عليه، «اللي ما معه حسابه واصل، وما فكرت أخذ بدل توصيل».

يحاول الصيدلي تناسي أزمته الشخصية بعد تأجيل زفافه، من خلال خدمة أهالي منطقته، لكنه يتخوف من فكرة أن يصاب بالفيروس، وقد ذهب أخيرًا لإجراء فحص كورونا وينتظر النتيجة. يتحدث عبد الله عن أغلب طلبات زبائنه المتكررة، «الناس صاروا يطلبوا بكثرة معقمات ومنظفات، وحليب وفوط أطفال، والأدوية المزمنة، الحمد لله صرنا ثقة عند أهالي القرى، كانوا يرنوا عليّ الناس من غرف العزل يطلبوا أني أأمن لأولادهم أما دواء أو أغراض لبيتهم».

تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.