أيام الثور الأبيض: قصة اللقاح الأول

الخميس 18 حزيران 2020
جزء من لوحة بعنوان «استعارة» ألوان جواش/ ألوان رصاص على ورق 18.5×14. للرسام الأمريكي مايكل بيرجت 2018

تطول العزلة أكثر، ونتساءل عما سيُسطَر في التاريخ عن جائحة كورونا، بينما لا يجد أكثرنا في يده سوى انتظار انفراج الأزمة، والإعلان عن التوصل للقاح فعال. وعلى خطى أبطال الديكاميرون الذين لم يجدوا في عزلتهم -هربًا من الوباء- تسليةً أفضل من رواية الحكايات والأساطير، حاولنا نحن رواية بعض القصص العجيبة عن الفيروس، واليوم سنحاول رواية قصة أخرى عن اللقاح، والتي ربما يجدها البعض أكثر عجبًا. لكن قبل أن نقول «كان يا ما كان»، علينا ربما أن نعرِّف قليلًا بالبطل الذي ستدور حوله حكايتنا.

ما هو اللقاح؟

تقول الموسوعة البريطانية إن اللقاح مستحضَرٌ يتكون من ميكروبات (كالفيروسات والبكتيريا) مقتولة أو موهَنة، أو أجزاء منها، أو بعض سمومها، أو أجسام مضادة، أو خلايا لِمفاوية، يُستخدَم بغرض الوقاية من الأمراض التي تسببها هذه الميكروبات. وهو كما نرى تعريف يحتاج بدوره إلى المزيد من التعريف، ولهذا سنحتاج إلى الغوص قليلًا في أنفسنا، بالمعنى الحرفي للكلمة أيضًا، لنرى -على المستوى المجهري- ما يحدث في أجسامنا عند استقبال اللقاح.

ما الذي قد يدفع الإنسان أصلًا إلى حقن جسده بالميكروبات الخاملة أو أجزائها؟ إنها دروس التاريخ، ولا أقصد هنا فقط تاريخ الطب والعلم الطبيعي الذي سنأتي عليه لاحقًا، وإنما أعني ذلك التاريخ الآخر الشخصي، الذي يحتفظ كل إنسان بنسخة فريدة منه، مسطورة في خلايا جهازه المناعي. فكرة عمل اللقاح تعتمد في الأساس على استغلال آليات عمل المناعة، وهي الجهاز المسؤول عن تمييز ومقاومة الميكروبات الضارّة التي تغزو أجسادنا. ونقول «الضارة» و«تغزو» لأن الجسم البشري، الذي يضم تقريبًا 30 تريليون خلية (والتريليون هو واحد على يمينه 12 صفرًا)، هو أيضًا موطنٌ لعدد مماثل أو يزيد قليلًا من البكتيريا التي لا يُعتبَر أغلبها عديم الضرر فقط، وإنما -على النقيض- ضروريّ الوجود.

فكيف يميّز الجهاز المناعي العدو من الصديق؟ تمتلك الميكروبات تكوينات بروتينية أو سكرية تبرز من أسطحها، تمامًا مثل تلك البروتينات الناتئة على سطح فيروس كورونا، والتي منحته مظهره المميز واسمه الذي يهيمن على عالمنا اليوم. لكن تلك التكوينات تمنح للفيروسات والبكتيريا ما هو أهم من الأسماء والمظاهر. إنها تعمل مثل مفاتيح تساعد الميكروب على التسلل إلى خلايا العائل، واختراق جدرانها. لكن في المقابل تمتلك المناعة ما يشبه صحيفة سوابق، تتعرف في الحال على أشكال زوائد/مفاتيح كل ميكروب «مُسجَّل خطر»، لتطلق إنذاراتها في الجسد كله وتستدعي جيوش خلايا الدم البيضاء برُتَبِها ووظائفها المختلفة، والتي يقوم بعضها بإنتاج أجسام مضادة متخصصة في تدمير نوع الميكروب المُعتدي، مصممة للإطباق عليه مثلما يُطبِق المفتاح الصحيح على قفله. وبعد انقضاء معركة الدفاع والقضاء على الغزاة، تبقى بعض الأجسام المضادة في الدم، وتتحول بعض أنواع خلايا الدم البيضاء إلى ما يُعرَف بخلايا الذاكرة، تظل تسبح في الدم حتى تتكرر العدوى من نوع الميكروب نفسه. هذه المرة تصبح الاستجابة المناعية أسرع وأكفأ إلى درجةٍ قد لا يشعر الإنسان معها بأية أعراض مرضية أصلًا.

على هذه التفاصيل المناعية المذهلة تُبنى فكرة عمل اللقاح، بميكروباته المقتولة أو الموهنة أو أجزائها، التي يُحقَن بها الجسم بغرض استثارة مناعته لإنتاج ما يلزم من أسلحة الدفاع، فيما يشبه التدريبات أو المناورات العسكرية، تصبح ساحة الجسم بعدها أكثر استعدادًا لخوض الحرب الحقيقية عندما ينجح الميكروب في التسلل إليها.

كيف بدأ اللقاح؟

بالطبع لم تكن كل هذه التفاصيل السابقة قد انكشفت للعلم البشري حين ظهر اللقاح الأول، لكن الحضارات البشرية كانت قد اطلعت على بعض أسرار المناعة، تحت ضغط التهديد المستمر من عدو قديم جدًا للبشر، وهو مرض الجدري (smallpox) الذي حصد ملايين الأرواح منذ عصور الفراعنة، ومنهم على الأرجح الفرعون رمسيس الخامس نفسه، وحتى العصور الحديثة. الكابوس الذي دفع البشر إلى ممارسة عادة تبدو أقرب إلى الجنون: التجدير (variolation) الذي كان إجراءً وقائيًا -عرفته لقرون شعوب الصين والهند- ويمكن وصفه بأنه انتحاري في الوقت نفسه. اعتمدت فكرة التجدير على تجفيف بعض بثور المصابين بالجدري، وتقديمها إلى الأصحاء -عن طريق الاستنشاق غالبًا! في مقامرة شبيهة بلعبة الروليت الروسي المميتة. فإما يصيب التجدير هدفه ويقى صاحبه من الجدري، وإما يخطئ فيصيبه بما عاذ به منه، وقد حدث بالفعل أن تسبب التجدير كثيرًا في نشر عدوى الجدري، وإزهاق الكثير من الأرواح، ومنهم أحد أبناء جورج الثالث ملك إنجلترا.

بملاحظة خصائص المناعة خرج البشر بسلاح التجدير المخيف ذي الحدين. ملاحظة واحدة جيدة هي كل ما كان يحتاجه الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر، وقد ألقاها القدر أمامه حين طرقَت سمعه معتقداتٌ شعبية تقول إن الجدري كان يجد مقاومةً خاصةً من فئة محدودة، هن العاملات في حلب البقر، حيث كُنَّ يتباهين بأن وجوههن محروسة أبدًا من تشويه مخالب الجدري. تصاب الأبقار بمرض جدري البقر والذي يمكن أن ينتقل إلى مخالطي الحيوانات المصابة، مثل الحالبات اللاتي كُنَّ يعانين عند الإصابة به من بثور تظهر في أيديهن الملامِسة لضروع الأبقار. وهي إصابة كانت تُشفى سريعًا، بعكس الجدري البشري الذي كان يحصد أرواح ثلث ضحاياه تقريبًا ويترك على الناجين ندوبه المروعة، لكن الأهم أنها كانت -فيما يبدو- تحمي بشكلٍ ما من الإصابة بفيروس فاريولا الفتاك الذي يسبب الجدري البشري.

سرعان ما قرر جينر المجازفة، ووضع هذا الاعتقاد الشائع على محك الاختبار العلمي، فأخذ عينة من إفرازات بثور جدري البقر، من يد فتاة كانت تعمل في حلب الأبقار -تُدعى سارة نِلمِز– ليلوث بها جرحين صغيرين صنعهما في ذراع الطفل ذي الأعوام الثمانية جيمز فيبس -ابن البستاني- في الرابع عشر من أيّار عام 1796. سجَّل جينر أنه في اليوم السابع من التجربة شعر فيبس بألم بسيط تحت الإبط، وبعدها بيومين بات ليلته وهو يعاني من فقدان شهية وصداع وإعياء عام، لكنه استيقظ في اليوم التالي مباشرةً سليمًا معافىً. ثم كانت المجازفة الأكبر -بعد ستة أسابيع تقريبًا- عندما أحدث جروحًا جديدة في ذراعي الصبي ليلوثها هذه المرة بإفرازات «طازجة» سُحبت حديثًا من بثور مريض بالجدري البشري، ما يجعلها أخطر كثيرًا من مساحيق التجدير المجفَّفة والمخزَّنة. لكن أعراض الجدري لم تظهر حينها، ولا عند تكرار التجربة بعد ذلك ببضعة أشهر. وهو ما سجَّله جينر بالتفصيل في تقرير علمي مطوَّل أرسل به فور إتمامه إلى الجمعية الملكية في لندن. كان الحظ -حتى تلك اللحظة على الأقل- يقف بكل ثقله في صف جينر، الذي ستذكره كتب التاريخ -إذا سارت التجربة بخلاف آماله لأي سبب- كواحدٍ من هؤلاء العلماء المخابيل. لكنه الآن قد أثبت لنفسه أنه ليس منهم، ولم يبق على إثبات ذلك للعالم سوى نشر تقريره.

لكن جوزيف بانكس، رئيس الجمعية الملكية حينئذٍ، ردَّ باعتذار مهذب عن نشر التقرير، مع تلميح إلى أنه يجدر برجل في مكانة جينر أن يكون أكثر حرصًا على هذه المكانة بين أقرانه. لكن جينر، بعد كل هذه المجازفات، كان فيما يبدو على استعدادٍ تامٍّ للمجازفة بسمعته أيضًا. وفي عام 1798 نشر بنفسه نتائج أبحاثه -بعد ما أضاف إليها المزيد من التجارب أخضع لإحداها ابنه نفسه- في كتيب قصير بعنوان طويل حقًّا، ظهرت فيه للمرة الأولى لفظة «لقاح» المأخوذة من الكلمة اللاتينية (vacca) والتي تعني بقرة.

البقرة التي لا تضحك

أمضى جينر صيف عام 1798 في لندن، ساعيًا لتشجيع زملائه من الأطباء على تجريب اكتشافه، وأصبح الدكتور جورج بيرسون -في مستشفى سانت جورج- من داعمي لقاح جينر، وبدأ بالفعل في تطبيقه. لكن زميلًا لبيرسون، هو الدكتور بنجامين موزلي، كان له رأي آخر. لم يكن موزلي فقط طبيبًا حاذقًا، وإنما كان أيضًا متحدثًا لبقًا ذا موهبة لافتة في مخاطبة الجماهير. وقد أثار حفيظته -فيما يبدو- أن يأتي قرينٌ له -من داخل المجتمع الطبي الإنجليزي نفسه- بما «يهدم قواعد جالينوس العجوز ذاته»، ويبتدع فكرة «حقن البشر بإفرازات البهائم دون اعتبار يُذكر لما قد تعانيه أجسامهم بسبب ذلك على المدى البعيد»، و«يفترِض -في هذه الحالة التي خلقها من الجنون البقري- أن الجدري البشري وجدري البقر متماثلان، بينما يختلفان في الواقع عن بعضهما بصورة جذرية»، بحسب تعبيرات موزلي التي لقَّم ألفاظها بخليط ممتاز من السخرية والتخويف، قبل أن يناشد زملاءه بالتدخل «لكبح حماس العوام  للمخاطرة بحياة فلذات أكبادهم وتقديمهم كضحايا لتلك التجارب المدفوعة بالتعجل والخالية من المسؤولية والتعقُّل».

وفي الثالث عشر من تشرين الثاني من العام نفسه (1798) أرسل الدكتور بيرسون إلى جينر خطابًا ينسلخ فيه من دعمه للقاحه، «لا يمكنك أن تتخيل حتى قلق الناس المتصاعد من موضوع جدري البقر هذا. يقول البعض إنه من المشين حقًّا أن نأخذ علاجنا من أظلاف الماشية، بينما يقول آخرون إن لدينا بالفعل ما يكفي من أمراضنا الخاصة، ولا ينقصنا إطلاقًا أن نضيف إليها بعض أمراض البهائم أيضًا!».

واستمرت حملة موزلي على جينر، فنشر مع مطلع القرن الجديد تقارير أشد لهجةً وأكثر جرأةً، حذّر فيها من «طاعون بقري Lues Bovilla» -بتلاعب لفظي يستحضر أحد أسماء مرض الزُّهْرِي (Lues Venera)، والذي كان يُعرَف حينها أيضًا بلقب (great pox) في مقابل الجدري (smallpox)- استحدثه لقاح جينر، و«طائفة جديدة من الأمراض» ظهرت أعراضها المخيفة على الأطفال الذين أخضعهم ذووهم للقاح، ما بين طفح جلدي «شنيع وقذر»، والتهابات في البشرة تذكِّر بالجرب والسعفة (Tinea). 

لم يتوقف هنا، بل ألهب الأخيلة بحكايات أقرب إلى قصص الرعب، عن سارة برلي التي «انمسخ وجهها حتى صار أقرب إلى وجه ثور»، وإدوارد جي الذي «زحفت القرح على جسده قبل أن ينبت منها ما يشبه شعر البقر»، وويليام إينس الذي «تلقى اللقاح في عمر أربعة أشهر فاجتاحت البثور جسده كله ثم جفت لتظهر في أماكنها بقع من شعر لا يشبه شعره، ولا شعر الآدميين!». لم تكن كلمات موزلي بحاجة إلى مزيد شرح؛ اسمحوا بتلقيح أبنائكم وستشاهدونهم بأعينكم يمسخون إلى أنصاف عجول شائهة تصلى جحيمًا من العذاب ثم تلفظ أنفاسها قبل أن تتم عامها الرابع.

ثم زاد الرجل من الشعر بيتًا فاستحضر الميثولوجيا الإغريقية وذكّر السامعين بأسطورة باسيفاي ابنة هيليوس ملكة كريت التي لعنها بوسايدون فاشتهت ثورًا في بياض الثلج، كان قد أرسله إله البحر الغاضب، ثم أنجبت منه المينوتور بجسد آدمي يعتليه رأس ثور، والذي يظهر في نقش أثري جالسًا على فخذي أمه المأخوذة، ابنة إله الشمس التي هوت إلى حضيض إنجاب وإرضاع المسوخ. يعقب موزلي: «من يدري..؟ بسبب هذا اللقاح، ربما تخاطر اليوم سيدةٌ إنجليزية بأن تصبح باسيفاي العصر الحديث، وتختلس الزيارات إلى الحظائر والمراعي باحثةً عن ثور تعانقه!».

عبء الرجل المثقف

الحقيقة أن مخيلة موزلي الجامحة لم تُلهب أذهان العوام فقط، وإنما قدحت شرر الإبداع في عقول نخبة من أهل الطب والعلم وحتى الفن! فمن لم تصله كلمات موزلي حينئذٍ، لا بد أنه قد رأى أو سمع بما صنعه رسام الكاريكاتير الإنجليزي جيمز جيلراي بسمعة جينر ولقاحه، في لوحته المسماة «الآثار الرائعة للتطعيم الجديد!» والتي تصوِّر طبيبًا (هو الدكتور بيرسون على الأرجح) يقوم بتطعيم سيدة تنطق ملامح وجهها بالرعب والشك، ويحيط بهما أناس يتصايحون في هلع بينما تخرج من أفواههم وأجسادهم الممتلة بالبثور أبقارٌ وثيرانٌ صغيرة! وحول الطبيب تتناثر آنية كُتب عليها كلمات «قيء» و«لقاح ساخن طازج من البقرة»، وعلى الجدار رَسمٌ يمثل -في إشارة غنية عن التوضيح- لوحة الرسام الفرنسي نيكولا بوسان «عبادة العجل الذهبي»!

وهناك لوحة كاريكاتيرية أخرى رسمها تشارلز وليامز صوَّر فيها وحشًا يشبه الثور له فم هائل مصفوف بالأنياب، مفتوح عن آخره بينما يُلقي له بطعامه -من دلاءٍ مليئة بالأطفال- رجالٌ لهم قرون! وعلى جسد الوحش/الثور ظهرت عبارة «صندوق بندورا» في إشارة أخرى إلى الميثولوجيا الإغريقية، تلمح إلى أن هذا اللقاح سوف يفتح على عالمنا كل أصناف الشرور والويلات، ولا يقف بيننا وبينه سوى فرسان (يتقدمهم موزلي) ظهروا في خلفية اللوحة شاهرين سيوف الوعي.

يعتمد عمل اللقاح على استغلال آليات عمل المناعة، وهي الجهاز المسؤول عن تمييز ومقاومة الميكروبات الضارّة التي تغزو أجسادنا.

مع تلك البروباجندا الخلّاقة، وتصيُّد أيّ إصابات تظهر على الخاضعين للقاح (وهي حوادث لا مفر منها في عالَم ما قبل التعقيم)، استمر الصراع بين مؤيدي لقاح جينر ومعارضيه طويلًا جدًا، إلى درجة أن ممارسة تقنية التجدير الأولى العتيقة لم تُمنَع حتى عام 1840، حين صدر قانون يجرِّمها ويتيح في الوقت نفسه توفير اللقاح مجانًا -بشكل اختياري- لغير القادرين، قبل أن يصبح التلقيح إلزاميًا لكل طفل خلال فترة ثلاثة أشهر من مولده بقانون آخر صدر عام 1853. لكن الصراع لم ينتهِ بإصدار التشريعات، بل دخل في طور جديد بدعوات التظاهر وتحرير العديد من الكتب والمجلات ظلت تصدر حتى ثمانينيات القرن التاسع عشر! وانتشرت عدوى معاداة التلقيح إلى بلاد أوروبا، لكن إنجلترا احتفظت منها بنصيب الأسد. وقد شهدت مدينة ليستر في عام 1885 مسيرة ضخمة للتظاهر ضد قوانين التلقيح، قيل إنها ضمَّت 100 ألف إنسان، شُكِّلَت بسببها لجنة تولَّت -لعدة سنوات- مهمة استقصاء مزاعم مؤيدي التلقيح ومعارضيه على السواء، وخرجت في النهاية بتوصياتٍ تقول إن اللقاح يحمي بالفعل من الجدري، لكنها طلبت أيضًا -من باب إرضاء المعارضين- أن يُترَك الخيار للناس، وتُرفَع العقوبات عمَّن يمتنع عن الخضوع للتلقيح، وهو ما صدر به تشريع بالفعل -عام 1896، بعد قرنٍ تقريبًا من تجربة جينر- يسمح للأهالي الرافضين لإخضاع أبنائهم للتلقيح باستخراج شهادات إعفاء خاصة.

ربما من أجل جذوة النضال المشتعلة هذه كان على إنجلترا أن تنتظر حتى عام 1934 لتعلن اجتثاث الجدري من أراضيها بشكل نهائي. وبعد حملات تطعيم عالمية مكثفة بتنسيق من منظمة الصحة العالمية عام 1966، رُصدَت حالة الجدري الأخيرة في الصومال عام 1977، وفي عام 1980 أُعلِن القضاء على الجدري عالميًّا، في سابقة أولى في التاريخ البشري. واختفى فيروس الجدري عن وجه الأرض، سوى مُختَبر في أمريكا وآخر في روسيا. ويعود فضل السبق إلى إدوارد جينر في إنقاذ مئات الملايين من الأرواح، ويحمل وزر الإعاقة -لقرون- بنجامين موزلي ورفاقه وأشياعهم الذين ما زالوا ينظمون حتى اليوم حملاتهم لمناهضة اللقاحات عمومًا وتظاهراتهم الرافضة لإجراءات الحماية من فيروس كورونا خصوصًا، في الوقت الذي يتسابق فيه داخل المعامل علماء يسعى كل منهم إلى موضعٍ في كتب التاريخ يجاور فيه اسم جينر، الذي فعل موزلي وأنصاره كل ما بوسعهم ليذهب طي النسيان أو لا يذكر إلا مقرونًا بالخزي، فانقلب السحر على السحرة، في موقفٍ يذكرنا بمشهد الموسيقار سالييري في فيلم «أماديوس»، وهو يرى -في أرذل العمر- أعماله تُنسَى كلها، بينما تصدح موسيقى موتسارت في قلوب الناس إلى الأبد. 

أمّا جينر فقد أهدى قبسه للبشرية ثم تولّى إلى الظل، وعاد إلى منزله الريفي الذي احتفظ في حديقته بكوخ صغير، نذره لإعطاء الناس لقاحه دون أي مقابل. وانسحب مع مرور الأعوام من جحيم الحياة العامة وتناطُح الأقران، إلى ملاذ الريف الذي منحه في الأساس قربًا من الأبقار، وألقى في روعه ذات يومٍ بملاحظةٍ واحدةٍ جيدة، جعلَت الاسم الحقيقي الذي يصح أن يقترن به من بين كل أساطير الإغريق هو اسم بروميثيوس.