قصص من الحجر: عن رحلة العودة قبل إغلاق الحدود

مشهد عام لأحد شوارع العاصمة عمّان يوم 18 آذار 2020، بعد إعلان الحكومة عن مجموعة إجراءات مشددة لمنع انتشار فيروس كورونا المستجد. تصوير خليل المزرعاوي/أ.ف.ب

قصص من الحجر: عن رحلة العودة قبل إغلاق الحدود

السبت 28 آذار 2020

كان الشارع ضيقًا جدًا على حافلة القوات المسلحة، وهي تحاول الالتفاف في أحد الشوارع الفرعية في الشميساني يوم الثلاثاء 17 من آذار، كي تصل إلى فندق يتوسط حواري كثيرة، وعلى متنها مسافرون قادمون من الولايات المتحدة وكندا، وأنا من ضمنهم.

لم تكن الحافلة الأخيرة التي يستقبلها الفندق، رغم أن رحلة كندا كانت آخر رحلة جوية وصلت الأردن قبل إغلاق المطار أمام حركة المسافرين في نفس اليوم، إذ استمر الفندق طوال ذلك اليوم في استقبال حافلات تقلّ عشرات القادمين عبر الحدود البرية الأربعة للمملكة، السعودية والعراق وسوريا وفلسطين.

بدأت القصة من ظهر السبت 14 من آذار، عندما أعلنت الحكومة الأردنية مجموعة إجراءات جديدة للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد من بينها إغلاق كافة المعابر البرية والجوية للأردن أمام المسافرين بما فيهم الأردنيين، مما كان يعني أن أمام الأردنيين في الخارج فرصة يومين فقط للعودة إلى الأردن، وتوقّع وزير الصحة سعد جابر في مؤتمر صحفي أن يصل العائدون منهم نحو 15 ألف شخص.

صباح الإثنين طلبت الأجهزة الأمنية في المطار من العائلات التي ذهبت لاستقبال المسافرين مغادرة ساحة القادمين بعد أن أعلنت الحكومة أنها ستمنع أي شخص من استقبال القادمين في المطار، وأن جميع القادمين سوف يخضعون لحجر صحي إلزامي لمدّة 14 يومًا. وخلال يومي الإثنين والثلاثاء، نقلت حافلات القوات المسلحة أكثر من خمسة آلاف شخص، قدموا عبر المطار أو الحدود البرية، إلى 34 فندقًا تم تخصيصها للحجر في عمّان والبحر الميّت.

قبل يومين من وصولهم إلى عمّان، كان معظم من قابلناهم في هذا التقرير يحاولون اتخاذ قرار صعب: هل يعودون للأردن ويفقدون أعمالهم أو دراستهم؟ أو هل الأفضل أن ينتظروا في البلدان التي كانوا يقيمون فيها على أمل ألا تطول الأزمة؟

سامح القادم من مدينة ميامي في ولاية فلوريدا الأمريكية قرر أن يبيع سيارته ويخلي شقته ويستقيل من عمله في غضون 24 ساعة ليعود للأردن. وعلى نفس الطائرة عادت حلا، التي كان أمامها نصف ساعة بين حجز التذكرة وموعد مغادرتها منزلها للالتحاق بطائرتها. أما أحمد فأنهى الحسابات المالية للشركة التي كان يعمل بها في السعودية كي تغلق أبوابها ويتجه هو إلى الأردن. بينما تصف أم علاء كيف كانت ترى كوابيس في منامها في تلك الليلة، قلقة من أن تنحجز في فلسطين بعيدة عن أولادها وعائلتها في الأردن.

هذا التقرير يروي قصّة رحلة عدد من نزلاء الفندق الذي أقيم به، وأيّامهم الأولى في الحجر الصحي. لا يغادر أي من المحجور عليهم، البالغ عددهم ما بين 170 إلى 175 بحسب أحد الطواقم الطبية، ولا الأطباء ولا الموظفون الفندق لمدّة 14 يومًا من تاريخ الدخول. جميع المقابلات أجريت عبر الهاتف، باستثناء واحدة، اتخذت خلالها كافة إجراءات السلامة الموصى بها من وزارة الصحة.

من السعودية إلى الأردن: «مين يقطّعنا الحدود؟»

عصر الأحد، كان أحمد (26 سنة) ينهي الحسابات المالية الأخيرة لمكتب الحج والعمرة الذي يعمل به في مكة، بعد أن قرر المكتب الإغلاق وتسريح الموظفين نتيجة وقف موسم العمرة في السعودية بعد انتشار فيروس الكورونا المستجد.

أخبره صاحب العمل أنه لن يتمكن من دفع الرواتب بعد الآن، وشجعه على العودة إلى الأردن، فاتصل أحمد بعائلته، وقال له عمّه: «تعال عند أهلك بكرة بتندم إنك ما نزلت، مش رح تفكّ [قرار إغلاق المعابر] لشهرين».

خلال دقائق اتخذ أحمد قراره بالسفر الى عمّان عبر المطار، وأرسل زملاء له إلى غرفته في الفندق الذي كان يقيم به ليساعدوه في حزم أمتعته في حين ينهي هو حجز تذكرة السفر. «حكتلهم كل شي بتلاقوه ضبّوه بالشنط»، يقول.

استغرق حجز التذاكر نحو ثلاث ساعات بحسبه نتيجة توقف النظام أكثر من مرة، كان سعر التذكرة خلالها يرتفع تدريجيًا، إلى أن تمكّن من حجز رحلة كانت ستنطلق الساعة الواحدة فجر الإثنين عبر طيران «ناس» السعودي.

وصل إلى المطار الساعة العاشرة مساءً ليفاجأ بأن الرحلة ألغيت، لأن الأردن رفضت استقبالها لأنّها تمر عبرها كمحطة توقف قبل إكمال الرحلة إلى مصر وعلى متنها عدد كبير من المصريين، وهو ما يخالف القرار الأردني برفض استقبال أي رحلات جوية لغير الأردنيين.

بعد التواصل مع خط الطوارئ للسفارة الأردنية في السعودية، عرف أنه تم تمديد العمل في الحدود البرية لمدّة 24 ساعة، فاتجه إلى جدة، ومن هناك ركب الباص المتجه إلى الحدود الأردنية، حيث التقى بسالم*، الذي يرفض ذكر اسمه الحقيقي لأن عائلته لا تعرف حتى الآن أنه في الأردن.

يعمل سالم في قطاع التجميل في مدينة جدّة، ويصف الشركة التي يعمل فيها بأنها واحدة من أكبر مراكز التجميل في المنطقة، لكنها أوقفت العمل ورواتب الموظفين. «أعداد المصابين بالسعودية أكثر من الأردن، فأخذت قرار أنزل، أروح على بلدي أحسن لي»، يقول.

سأل سالم العاملين في قطاع السفريات فأبلغوه بأنهم مستعدون لإيصاله للجانب السعودي من الحدود. «حكولي من الحدود إنت بتدبر حالك (..) حكولي في ناس دخلت وفي ناس رجعت، وأنا ترددت».

لم يكن الوصول للحدّ السعودي مع الأردن هو التحدّي الأكبر بالنسبة لأحمد وسالم، إذ أن المشكلة كانت في إيجاد من يمكن أن يعبر بهم المسافة بين الحدّين إلى الجانب الأردني، والتي قدّرها أحمد بستة كيلومترات، يجب أن يكون من يقطعها أردنيًا وأن يملك سيّارة بنمرة سعودية، وذلك بعد قرار الأردن رفض استقبال غير الأردنيين عبر الحدود البرية.

يقول أحمد أنه رغم معرفته بوجود الحجر الصحي في الفنادق قبل أن ينطلق في الرحلة البرية، لكن لقطات فيديوية لأردنيين في المطار وبعض الفنادق بدأت تصله وهو في الباص المتجه للحدّ السعودي، «صرت أحكي لحالي شو الي عملته بحالي، بلشت أندم»، يقول، «بس ما توقعت هذه الرفاهية بعدين».

قبل الحدود بخمسة كيلومترات توقف الباص الذي كان يقل الشابين. «عمري ما شفت الحد هيك، ولا سيارة»، يقول أحمد، الذي اتصل بأشخاص يعرفهم يعيشون قرب الحدود أحدهم طلب مبلغ خمسة آلاف ريـال سعودي ليوصله إلى الحدّ الأردني. لم يوافق أحمد وانتظر ساعتين، بتقديره، وصل خلالها سبعة آخرون أخذوا ينتظرون معًا سيارات تقلهم.

في الأثناء كان أبو عمر في الطريق الى الحدود بسيارته، يريد الذهاب إلى الأردن في زيارة قصيرة ليتمم خطبة ابنته ويزور العائلة ومن ثم يعود إلى عمله في السعودية في مجال العقارات، والذي بدأه قبل خمس سنوات. «ما حد بلغني إغلاق الحدود ولا غيره، لو كنت بعرف ما باجي»، يقول. ولم يكن يعرف عن الحجر الصحي كذلك.

مرّ أبو عمر بسيارته عن المجموعة التي تنتظر في الطريق، فاتسعت سيارته لاثنين منهم، ثمّ مرّ أبو محمد وحمل السبعة الآخرين وضمنهم أحمد وسالم، وقطع الجميع الحدود نحو الساعه 10.30 صباحًا.

وسط جو بارد، «ولا أكل ولا شرب ولا أي شيء» بحسب سالم، انتظر الجميع من ست إلى سبع ساعات بحسب تقديراتهم حتى سمح لهم الباص بالصعود، خلالها كان أردنيون آخرون يعبرون الحدود، وهو ما يعتقد سالم بأنه السبب في الانتظار، حتي يتم نقل الجميع دفعة واحدة. لكن ذلك الانتظار الطويل جعل أحمد يعتقد أن الأردن بدأت في بناء المخيمات للقادمين عبر الحدود البرية كي يتم حجرهم صحيًا فيها. «مهو وأنا بالحد طلع خبر بناء مخيم، ففكرت بأخروا فينا حتى يبنوه». خلال تلك الساعات أخذ طبيب من وزارة الصحة حرارة الجميع.

انطلق الباص من حدود العمري لعمّان نحو الساعة الثامنة مساءً بتقدير أحمد وسالم، وصلا أولًا أحد الفنادق في منطقة الشميساني، ليتضح عدم وجود غرف كافية، فانتقلوا إلى فندق آخر، وصلوه الساعة 11:30 ليلة الثلاثاء.

من سوريا إلى الأردن: «ما عمري بنسى هذا اليوم»

أم حسين وأم هشام وأم ناصر، ثلاث شقيقات تعيش عائلتهن في درعا، وهنّ متزوجات في الأردن. ذهبن إلى درعا يوم الجمعة الماضية للمشاركة في عزاء أحد أقاربهن، ومعهن الرضيعة ابنة أم حسين، وابنا أم هشام التوأم اللذان يبلغان أربعة أعوام، والعشريني حاتم، ابن أم ناصر.

تقول أم هشام أن أخبارًا كثيرة متضاربة كان يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول الحدود البرية جعلتهم مشتتين، لا يعرفون تحديدًا متى عليهم السفر، وبعد نصيحة أخذوها من سائقي سيارات السفريات قرروا العودة إلى الأردن صباح الثلاثاء.

عندما وصلوا الحدود أُخبروا أن عليهم الانتظار كي تأخذهم حافلة للحجر الصحي. تصف النساء الثلاث الساعات ما بين وصولهم إلى المعبر الساعة 8.30 صباحًا ومغادرتهم له الساعة الثالثة عصرًا بأنها كانت عصيبة على الجميع، حيث بكاء أطفالهن نتيجة الجوع والعطش والانتظار تحت الشمس. «لما أم تضرب ابنها من الجوع بتعرفي شو بتكون حالتها؟» تقول أم ناصر، وهي تصف شقيقتها أم هشام عندما فقدت السيطرة على أعصابها أمام بكاء أطفالها من الجوع.

يقول حاتم إنه حاول صنع خيمة بواسطة بعض الفرشات التي كانت معهم للأطفال، لكي يحتموا بها من الشمس، لكنّ موجة هواء قوية ضربت تلك الخيمة وسحبت معها البسط والفرشات.

هناك عرفت العائلة عن الحجر الصحي، مما شكّل ضغطًا آخر، لأنهن جميعًا لديهن أطفال آخرين في المنزل، وبسبب الصورة المرتبطة بالحجر الصحي في أذهانهم.

«حجر صحي يعني عنا مرض خطير، هيك بنعرف»، تقول أم هشام، وهي تصف التوتر والخوف اللذين أصاباهم، ولم يزولا إلا بعد أربعة أيّام عندما زارهم طبيب وزارة الصحة في فندق الحجر وشرح لهم بعض المعلومات. لكن أم هشام ما تزال غير متقبلة لفكرة فصلها عن أطفالها الآخرين. «بحجروني وبخلّوا ولادي وراي ينصابوا؟»، تقول، وهي تخشى على أطفالها من أن يكونوا في الشارع غير ملتزمين بالتعليمات التي أصدرتها الحكومة بعدم الخروج إلا للضرورة، قبل الإعلان عن حظر التجول.

أشخاص آخرون قابلناهم قدموا عبر المعابر البرية من فلسطين والعراق كانت تجاربهم أقل عناءً، حيث كان هناك أماكن للراحة أثناء فترة انتظار انطلاق الحافلة إلى عمّان.

كندا والولايات المتحدة: آخر رحلتين جويتين للأردن قبل إغلاق المطار

على مدار 13 عامًا، تنقّل سامح بين الأردن والولايات المتحدة كثيرًا، يحاول أن يحقق دخلًا مستقرًا في أي من البلدين.

قضى السنوات العشر الأولى في أعمال متعددة في الولايات المتحدة، تمكن خلالها من توفير السيولة اللازمة كي يعود للأردن ويفتح مصنعًا للدهان، وعلى مدار ثلاث سنوات حاول العمل به لكن «الاقتصاد نزِل، شركات كثيرة ومصانع ومحلات سكّرت، بس ضل القوي»، يقول. فقرر العودة إلى ميامي قبل حوالي سنة، وترك زوجته وبناته الثلاث في الأردن حيث تعيش عائلته الكبيرة.

عمل سامح في مطعم وكان يسعى لتأسيس نفسه حتى يتمكن من سحب عائلته الصغيرة والاستقرار في ميامي، لكن انتشار الأخبار حول فيروس كورونا المستجد جعله يتردد كثيرًا حول ما إذا كان عليه العودة إلى الأردن. «بس قبل ما أروّح بيومين عندي بنت صغيرة بتحكيلي على التلفون بابا مشتاقيتلك، حكيت خلص»، يقول.

فجر الأحد، اتصل سامح بالملكية الأردنية فورًا وحجز على متن الرحلة التي تعود إلى الأردن يوم الإثنين. صدم صديق له من قراره السريع، بحسبه. «حكالي إنت مجنون؟ حكيتله والله لو عشر آلاف أكون عند أهلي ومرتي وبناتي، واللي بده يصير عليهم بصير علي».

كان أمامه يوم واحد فقط حتى ينهي تجهيزات السفر، وكان متخوفًا من ترك سيارته وشقته المستأجرة دون أن يعلم متى سيعود مجددًا، فقرر أن ينهي كل ما يربطه هناك في ذلك اليوم.

باع سيارته لصديقه وأخلى شقته واستقال من عمله ووضب أمتعته وحاول شراء معقم يدين وكمامات من أجل الرحلة، دون جدوى. «بالأخير رحت على المستشفى ما لقيت، حكيتلها [موظفة في المستشفى] بدي أطلع على المطار وبدي أحمي حالي، حكتلي مشكلتك»، يقول. لم يجد سامح بعض الكمّامات إلا لدى عمّه في شيكاغو، التي انطلقت منها رحلة الملكية إلى عمّان.

في مطار شيكاغو وقّع سامح على ورقة بأنه يوافق على الحجر الصحي، وصعد الى الطائرة، التي كانت على متنها حلا، بعد رحلة لا تقل عناءً عنه.

تدرس حلا (24 سنة) في الجامعة الهاشمية تخصص اللغة الإنجليزية وآدابها، وكانت قد قُبلت ضمن برنامج تبادل من السفارة الأمريكية كي تدرس فصلًا دراسيًا واحدًا في إحدى جامعات نيوجيرسي، يتم معادلة ساعاتها في الجامعة الهاشمية.

وصلت حلا للولايات المتحدة منتصف كانون الثاني، على أن تغادر بعد نهاية الفصل الدراسي في أيار، لكن الجامعة أغلقت أبوابها مع انتشار فيروس كورونا المستجد وتحوّلت محاضرات الجامعة إلى الإنترنت. «فكرت بأهلي مش بأي شيء ثاني»، تقول حلا، فقررت أن تعود وتكمل تعليمها عن بعد.

أرسلت حلا رسالة لمنظمي برنامج التبادل يوم الأحد الساعة الخامسة صباحًا، تسأل عن إمكانية السفر للأردن. «حكولي بنحاولّك»، فبدأت في حزم أمتعتها احتياطًا، على الساعة العاشرة أخبرها مسؤولو البرنامج أنهم حجزوا لها تذكرة على متن رحلة ستنطلق الساعة الواحدة من نيوجرسي إلى شيكاغو ومن هناك إلى عمّان، أي أن لديها نصف ساعة فقط كي تخرج من المنزل.

وصلت حلا المطار، الذي كان مزدحمًا، الساعة 12.30. «الناس كانت خايفة والكل بطلع»، تقول حلا. ولم تتمكن من اللحاق بالطائرة.

تمكنت من حجز رحلة أخرى إلى شيكاغو مفترض أن تقلع الساعة الثالثة، أي بعد رحلتها الأصلية بساعتين فقط، لكنّ عطلًا في محرّك الطائرة أخر إقلاعها، وبالنتيجة وصلت الى شيكاغو قبل 45 دقيقة من إقلاع رحلة الملكية الأردنية إلى الأردن، ففاتتها الرحلة مجددًا.

بعد محاولات كثيرة للتواصل مع مسؤولي برنامجها، نجحت في الوصول إليهم وحجزوا لها تذكرة جديدة موعدها مساء الإثنين، أي بعد 24 ساعة.
صباح الاثنين بدأت الأخبار من الأردن تنتشر حول الحجر الصحي للقادمين من السفر، لكن حلا قررت ألا تشاهد أيًا من الفيديوهات. «حسيت إنه خلص الواحد بالآخر ينحجر جوا بلده»، تقول.

وصلت طائرة سامح وحلا الى الأردن الساعه الواحدة بعد الظهر، ووصلت أنا على متن الرحلة الأخيرة بعدهم بساعة، وانطلقنا في مجموعة من ثلاث حافلات إلى الفندق.

تأقلم على الحجر

في المطار كان كل شيءٍ مغلقًا، تغطي رفوف السوق الحرة أغطية بلاستيكية، توحي بأن الإغلاق سيطول. على الأقل هذا ما شعرتُ به أنا، وكان المطار فارغًا تمامًا سوى من الركاب القلائل القادمين وطاقم طبي وأجهزة أمنية مختلفة من الأمن العام والجيش وقوات الصاعقة. قام الأطباء بفحص حرارتنا جميعًا وخرجنا من باب صغير يختلف عن الذي نخرج منه عادة إلى قاعة القادمين. خرجنا إلى ساحة تصطف بها حافلات الجيش، وينتشر موظفوا شركة «تكرم» الخاصة والتي عادة ما تقدّم خدماتها لقاء مبلغ مادي، لكن موظفيها هذه المرة قاموا بنقل الأمتعة إلى الحافلات دون أي مقابل.

في الفندق تم توزيعنا بشكل سريع على الغرف، بعد توزيع قفازات وأقنعة على الجميع.

الشقيقات الثلاثة القادمات من سوريا كنّ في حالة توتر ما بين التأقلم مع الحياة في الفندق والاطمئنان على أفراد عائلاتهن خارجه، ومواجهة اتصالات الأقارب التي تثبط المعنويات أحيانًا، وهم يتعاملون معهن وكأنهن مصابات بالمرض.

«إحنا مش تاعين فنادق، عمرنا ما دخلنا فندق»، تقول أم حسين، وتشاركها شقيقتها أم هشام بأنه كان على المسؤولين أن يوزعوا على الأقل ورقة إرشادات حول استخدامات الغرفة.

تقول أم ناصر إن أقارب كثيرين اتصلوا بزوجها يصبّرونه على المصاب، وأن عائلتهن في درعا أصبحت تبكيهن. «إحنا بنشوف بالمستشفيات بكونوا كاتبين حجر صحي وبنعرف يعني في مرض خطير، يعني كل الناس تعيط علينا»، تقول أم هشام.

مساء الجمعة، اليوم الثالث في الحظر، فتح أحمد باب غرفته ليعرف مصدر الأصوات في الطابق الذي يقيم به، فشاهد عددًا من الأطباء الذين يرتدون الأقنعة وعددًا من أفراد الأجهزة الأمنية والجيش يقفون على باب إحدى الغرف المقابلة، وطالبوه بإغلاق الباب ولم يعرف بعدها ما كان يحصل.

كان تلك الغرفة غرفة أم ناصر، وكان الأطباء يتعاملون مع إصابتها بما تصفه شقيقتها بأنه انهيار عصبي، بعدما أعلنت الحكومة الأردنية قرار حظر التجول. تقول أم ناصر إن أول ما فكرت به عندما سمعت عن حظر التجول هو بناتها في المنزل، ماذا سيحصل لهن وكيف سيتدبرن الأمر. «شربوها لبن ومي»، تقول أم هشام، ثم جاء طبيب يلبس قناعًا كاملًا، وبعدما دخل الغرفة وعرف أنهن قادمات من سوريا خلع القناع. «حكالنا لو بعرف انكم من سوريا جايين ما بلبس قناع، سوريا ما فيها ولا حالة». ثم جلس يتحدث معهن عن الحجر وأسبابه فارتحن. تقول الشقيقات إنه بعد زيارة ذلك الطبيب أصبحن يتقبلن الحجر الصحي أكثر ويتأقلمن معه ومع والإجراءات الأخرى التي تتخذها الحكومة. «لازم من الأول جابوا حدا يحكوا معنا»، تقول أم حسين.

أم علاء، التي قدمت من قرية عرعرة في فلسطين، تقول إنها لو بقيت في فلسطين وأغلقت الحدود كانت ستصاب بالجلطة، وتصف حالتها في الحجر بأنها مرتاحة كونها على الأقل في بلدها، على الرغم من القدوم السريع للأردن الذي لم يمكنها من جلب كل تنكات زيت الزيتون والزعتر وورق العنب التي كان من المخطط أن تجلبها معها. وتقول إن الكوابيس التي كانت تراها ليليًا منذ بدء أزمة كورونا، بأنها ستبقى بعيدة عن أولادها، قد توقفت أخيرًا بعد عودتها، وهي تقضي وقتها في الصلاة وقراءة القرآن والاتصالات مع الصديقات والأهل.

تقوم حلا بمتابعة دراستها وببعض التمارين الرياضية داخل غرفتها، ويقضي سالم وأحمد وأبو عمر جزءًا من وقتهم في بعض الزيارات في الغرف ومتابعة الفيسبوك وغيرها من المواقع. أما أنا فأمضيت الكثير من الوقت في إعداد هذا التقرير.