قصص مصورة: عيون على الحياة في وادي فينان

ثلاثة رعاة يتناولون وجبة الغداء على قمة أحد الجبال القريبة من فينان. تصوير أحمد سلامة.

قصص مصورة: عيون على الحياة في وادي فينان

الأربعاء 17 حزيران 2020

لم يتوقّف الـ«بك أب» عن الاهتزاز بعنف طيلة عشرين دقيقة، هي المدّة التي احتجناها لقطع المسافة ما بين مركز زوار نُزُل فينان البيئي، في قرية فينان الجديدة، والنُزُل الذي يقع في وادي فينان ضمن المنطقة التي باتت تعرف بـ«فينان القديمة»، ضمن حدود محمية ضانا للمحيط الحيوي. 

«ما بدنا يعملوا شارع معبّد»، يقول أبو عمر، سائق البك أب، الذي ينتمي لعشيرة الرشايدة، التي تخلّت غالبيتها عن بيوت الشعر في فينان القديمة وانتقلت إلى القرية الجديدة مطلع الألفينات. كان ذلك عندما أعطتهم الحكومة وحدات أراضٍ في القرية، بعضها اشتمل وحدات سكنية، والبعض الآخر تطلّب أن يقوم كلٌ ببناء بيته على القطعة التي حصل عليها. يبرر أبو عمر عدم رغبة سكان المنطقة بتأهيل الطريق المؤدي إلى النزل والمنطقة الأثرية باستفادتهم المادية من توصيل السيّاح وزوار المنطقة باستخدام سيّارات البك أب الخاصة بهم. 

تبعد فينان عن عمّان نحو 220 كيلومترًا جنوبًا. عندما تترك طريق الغور الأردني لتتبع اليافطة التي تشير شرقًا نحو البتراء والقريقرة وفينان، ستقابلك في خلفية صحراء وادي عربة جبالُ ضانا والقادسية في الطفيلة، وجبال الشوبك وعين البيضا والبتراء الصغيرة. عند الوصول إلى فينان، التي بلغ عدد سكانها 617 نسمة في تعداد عام 2015، تتوقف السيارات الصغيرة أو الحافلات في مركز الزوار، حيث تتنظرهم سيّارات البك أب لنقل الزوار إلى منطقة النُزُل.

في بداية الطريق الوعر، تنتشر على جانبي الطريق أراضٍ زراعية تتبع للجمعية الزراعية في فينان الجديدة، يزرعها سكّان القرية بالبندورة شتاءً والبطّيخ صيفًا، لكن «الشغلة يا دوب جايبة همها»، بحسب أبو عمر. 

بعد أن تتجاوز الأراضي الزراعية، تظهر قطعان الغنم والماعز في الوادي وعلى سفوح التلال والجبال المحاذية، وتتناثر الخيم التي يسكنها عدد قليل من العائلات ممن بقوا في فينان القديمة، غالبيتهم من عشيرة واحدة هي العزازمة، وعدد قليل منهم من عشائر العمارين وبني عطية. «اللي ظلّوا في بيوت الشعر همّه اللي عندهم حلال، واللي بيشتغلوا بالنزل البيئي أو بالمشاريع المرتبطة فيه»، يقول علي الحساسين، أحد أبناء المنطقة والذي يعمل فيها دليلًا سياحيًا إضافة إلى عمله في متحف فينان الأثري. ويضيف علي أن كثيرين من أصحاب الحلال في وادي فينان يتركونه صيفًا ويرتحلون إلى الشوبك، حيث الطقس أقل حرًا.

قبل الوصول إلى النزل البيئي، يمر البك أب بمحاذاة سور المدرسة الأساسية، التي يدرس فيها 67 طالبًا وطالبة من أطفال فينان القديمة، حتى الصف العاشر – معظمهم في صفوف مجمّعة، يلتحق بعدها الذكور منهم بالمدرسة الثانوية في فينان الجديدة (تم إضافة قسم ثانوي للذكور في مدرسة فينان الجديدة العام الماضي)، وتضطر الفتيات ممن يرغبن بإتمام تعليمهن للالتحاق بالمدرسة الثانوية في قرية القريقرة، التجمّع السكاني الأكبر في قضاء وادي عربة بعدد سكّان يبلغ أربع آلاف، التي تبعد عن فينان الجديدة نحو أربعة كيلومترات.

تعد المنطقة من أقدم مناطق الاستقرار البشري المتواصل في العالم، إذ تقع فيها آثار تعود إلى العصر الحجري الحديث قبل عشرة آلاف سنة، مرورًا بالعصر البرونزي والعصر الحديدي، ومن ثم فترة حكم الأنباط وبعدها الرومان والبيزنطيين، كانت خلالها من أهم مراكز استخراج النحاس في المنطقة، إذ شهدت فترة حكم الرومان توسّعًا كبيرًا في استخراجه، توقّف بعدها. في سبعينيات القرن الماضي، أقامت سلطة المصادر الطبيعية الأردنية مخيّمًا لبحث الجدوى الاقتصادية لإعادة التنقيب عن النحاس، واستمرت لمدّة ثلاثين عامًا، قبل أن تقرر التخلي عن مشاريع التعدين في المنطقة. 

أنشأت الجمعية الملكية لحماية الطبيعة النزل البيئي عام 2005 في الموقع السابق لمخيم سلطة المصادر الطبيعية، وصممه المعماري الأردني عمّار خمّاش بشكل مستوحى من خانات القوافل التاريخية التي كانت تشكل نقاط استراحة للقوافل التجارية في رحلاتها الطويلة.

في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، وجدنا في هذا الموقع مقصدًا مثاليًا لتنظيم ورشة للسرد القصصي البصري، التي جمعت عشرة مشاركين ومشاركات لمدّة أربعة أيّام، تحدثنا خلالها عن أساسيات القصص الصحفية والكتابة، وأساسيات التصوير الفوتوغرافي التوثيقي، وكرّسنا الجزء الأكبر من الوقت للتطبيق العملي. نقدّم لكم هنا جزءًا من القصص المصوّرة التي أنتجها المشاركون والمشاركات في الورشة، والتي تعكس جانبًا من الحياة في وادي فينان. كان المخطط أن ننشر هذه القصص في منتصف شهر آذار، لكن جائحة فيروس كورونا المستجد أجبرتنا على تأجيل موعد النشر.

تعرّفت أفنان العلاونة على أم عبد الله، التي لا تعرف كم عمرها، لكنها تقول أنها كانت شابة في فلسطين قبل 75 عامًا، قبل أن تضطر للهرب مع عدد من عائلات البدو إلى وادي عربة في الأردن. وتحدّثت بيان حبيب إلى أم حسين، التي كانت عائلتها تعتمد بشكل أساسي على رعي الحلال قبل أن يضطرها ارتفاع أسعار الأعلاف للبحث عن مصادر دخل أخرى، فلجأت إلى كر الملابس الصوفية وإعادة غزلها إلى منتجات مختلفة. ما لفت انتباه آلاء الردايدة هو شكل الخيم، التي تحوّل بناؤها في السنوات الأخيرة من الاعتماد على غزل شعر الماعز إلى إعادة استخدام اليافطات الإعلانية المقاومة للمطر. أحمد سلامة اختار أن يقضي اليوم مع ثلاثة شبّان يرعون الأغنام بين جبال المنطقة، أمًا غزل حسن فقضت يومها مع الأطفال، تستكشف معهم ألعابهم التقليدية في يوم عطلتهم.