موت رُبى: كيف خُذلت معلمات المدارس الخاصة؟

الجمعة 17 حزيران 2022
معلمتان في مدرسة خاصة تراجعان جدول الحصص لقطة من فيديو من تصوير محمد حجازي، 2015.

من تصريحات الجهات المعنية بمعالجة الانتهاكات العمالية لمعلمات المدارس الخاصة، على رأسها وزارة العمل التي يُطبّق قانونها على المدارس الخاصة، ونقابة العاملين في التعليم الخاص المعنية بالدفاع عن مصالح هؤلاء، لا يبدو أنه حتى قصة ببؤس قصة وفاة المعلمة ربى مستريحي (34 سنة)، الأم لخمسة أطفال، والحامل في شهرها الثامن، ستساهم في تغيير نهج تعاطي هذه الجهات مع هذا الملف.

ردود الأفعال على الانتهاكات التي كشفتها حادثة الوفاة، تمحورت حول تأكيد أن هناك تشريعات تحمي المعلمات، لكنّ المعلمة المتوفاة صمتت على الانتهاكات ولم تتقدم بشكوى. وهو أمر قاله دون مواربة، تعليقًا على قضية ربى، نقيب أصحاب المدارس الخاصة، منذر الصوراني، الذي قال إن المعلمة التي تتنازل عن حقوقها تتحمل مسؤولية ذلك.

تواصل بذلك، هذه الجهات، نهجَها في تحميل المعلمات مسؤولية انتهاك حقوقهن. وتواصل مطالبتهن بمواجهة أرباب عملهنّ، بحجة أن التشريعات تدعمهنّ، لكنها تتجاهل حقيقة أن التشريعات تعاني من ثغرات كبيرة ما يمكّن أصحاب العمل من التحايل عليها. ومع حقيقة أنه لا آليات لحماية المعلمات في حال اخترن معركة المطالبة بتطبيق القانون، فإن المواجهة مع أرباب عملهن ستؤدي إلى طحنهنّ. والكلام هنا بالتحديد عن المعلمات، لأنهن يمثلن 90% تقريبًا من معلمي المدارس الخاصة البالغ عددها حوالي 3400 مدرسة، يعمل فيها 43 ألف معلمة ومعلم.

ربى: انتهاكات بالجملة

توفيت ربى يوم 22 آذار الماضي، بعد ثمانية أيام من إصابتها بإعياء شديد أثناء دوامها في المدرسة. وانكشف بعدها، بحسب منسقة حملة قم مع المعلم، ناريمان الشواهين، في مكالمة هاتفية مع حبر، أن ربى، التي أصيبت في فترة سابقة من حياتها بجلطة دماغية، كانت تجبر على مرافقة التلاميذ في جولات الباصات من منازلهم وإليها، رغم أن هذا ليس قانونيًا من مهامها الوظيفية. كما كانت تُمنَع، وغيرها من المعلمات من الجلوس أثناء الحصص. إضافة إلى ذلك، ثبت أنها وفي وقت كان يحول إلى حسابها البنكي راتب مقداره 260 دينارًا، وهو المبلغ المدون في عقدها مع المدرسة، فإنها كانت كل شهر تعيد لمالك المدرسة 100 دينار منها. وهذه ممارسة ذهب إليها أصحاب مدارس خاصة بعد أن ألزمهم قرارٌ صدرَ العام 2018، بتحويل رواتب المعلمات إلى البنوك، بدلًا من تسليمها باليد، في خطوة كان الهدف منها ضمان التزامهم بدفع الحد الأدنى من الأجور، على الأقل.

انكشف أيضًا، بحسب الشواهين، أن اشتراك ربى في الضمان الاجتماعي، كان وقت وفاتها موقوفًا من قِبَل المدرسة. فقد أشركتها فيه بداية العام الدراسي في أيلول 2021، وأوقفته بداية الشهر اللاحق. لكن بعد وفاتها، صوّبت المدرسة هذه المخالفة، فأشركتها بأثر رجعي إلى تاريخ وفاتها.

بحسب مؤسسة الضمان الاجتماعي، فإن مجموع اشتراكات ربى الموثقة الآن في «الضمان» هو 23 شهرًا، سبعة منها في مدرستها الأخيرة [مجمع البحرين] و16 في مدرسة أخرى. وهو عدد لا يكفي لتوريث راتبها لأطفالها، إذ ينص القانون على 24 اشتراكًا حدًّا أدنى. لكن بيانًا أصدرته «قم مع المعلم» يثبت أن لربى فترة خدمة سابقة غير موثّقة في السجلات الرسمية، حيث، وبحسب البيان، تثبت سجلات وزارة التربية أن ربى عملت في مدرسة مجمع البحرين الخاصة من بداية أيلول 2018 إلى بداية كانون الأول 2018، قبل أن يرسل صاحب العمل من المدرسة كتاب «انفكاك» لها، أي إنهاء خدمات، من دون أن تكون في الحقيقة قد قدمت استقالتها. لكن شهادة تقدير حصلت عليها من المدرسة، تثبت أنها داومت هذا العام الدراسي بأكمله. تقول الشواهين إن توظيف معلمات من دون توثيق ذلك في السجلات الرسمية لأي جهة، هو ظاهرة منتشرة على نطاق واسع جدًا في المدارس الخاصة في المملكة. يساعد على ذلك ضعف التفتيش من قبل الجهات المعنية. 

تعاني التشريعات التي يفترض بها توفير دعم للمعلمات، من ثغرات تمكّن أصحاب المدارس من التحايل عليها وبالتالي انتهاك حقوق المعلمات.

ومثل قطاع كبير من معلمات المدارس الخاصة، تقول الشواهين، ثبت أن ربى، كانت في المدارس التي خدمت فيها، تُجبَر على تقديم استقالتها مع نهاية العام الدراسي، وذلك لحرمانها من راتب شهريْ عطلة الصيف. ومن العلاوة السنوية ومقدارها 5%. فوفق العقد الموحد، وهو اتفاقية عمالية جماعية، بين نقابة العاملين في التعليم الخاص، ونقابة أصحاب المدارس الخاصة، مدة العقد للمعلمة الجديدة في المدرسة هي 10 شهور. لكن تجديده لسنة تالية، يرفع مدته إلى 12 شهرًا، تصبح معه المعلمة مستحقة لراتب الصيف عن سنتها الأولى في المدرسة. ما يفعله أصحاب المدارس، تقول الشواهين، هو أنهم يجبرون المعلمات على الاستقالة، ويجلبون معلمات جديدات. وهذا أحد أسباب الدوران الكبير للمعلمات بين المدارس الخاصة. وهذا الدوران، في أحيان كثيرة، تقول الشواهين، قد يجريه مالك واحد لمَدرستين أو أكثر، للمجموعة نفسها من المعلمات بين مدارسه. إذ حتى لو عادت المعلمة لتتعاقد مع مدرسة خدمت فيها سابقًا، فإنها بموجب العقد الذي ستوقعه مع هذه المدرسة، ستعامل بوصفها معلمة جديدة، مدة عقدها 10 أشهر فقط. وهذا لا يحرم المعلمات من راتب عطلة الصيف فقط، بل ومن الزيادة السنوية أيضًا. 

تشريعات مصمّمة للتحايل عليها

لم تقع الانتهاكات السابقة على ربى وحدها، ولا هي خاصة بمدرسة واحدة؛ هي ظاهرة مستمرة منذ سنوات طويلة في قطاع واسع من المدارس الخاصة. وقد فُتِح هذا الملف كثيرًا خلال العشرين سنة الماضية. وبلغ النقاش أوجه قبل سبع سنوات تقريبًا، مع بدءِ نشاط حملة قم مع المعلم، وتمخض عن مجموعة من القرارات الحكومية، التي كان من المؤمّل أن تكبح جماح هذه الانتهاكات، منها ربط ترخيص المدارس بتحويل رواتب المعلمات للبنوك، وربط الترخيص أيضًا بالتثبّت من إشراكهن بالضمان الاجتماعي. كما بدأ تطبيق «العقد الموحد»، الذي نصّ على منح المعلمات الحد الأدنى من الأجور، وهو 260 دينارًا، مع عشرة دنانير علاوة تعليم، و5% زيادة سنوية، وثلاثة دنانير عن كل سنة خبرة. لكن هذه الحادثة الأخيرة أثبتت أن لا شيء تغير، بل إن التجاوزات، بحسب نقابة العاملين في التعليم الخاص، زادت

لقد سبق القول إن الثغرات في التشريعات، كان واسعة بما يكفي لأن تعطّلها. ورأينا كيف يتم التحايل على العقد الموحد. أمّا في ما يتعلق بربط ترخيص المدارس بإشراك المعلمات بالضمان الاجتماعي، فقد أصدرت وزارة التربية والتعليم عام 2014 قرارًا بربط الترخيص ببراءة ذمة من «الضمان الاجتماعي»، لكن هذا ألغي في آذار 2021، بحسب علي الزبيدي، وهو ضابط ارتباط لـ«الضمان الاجتماعي» في إدارة التعليم الخاص، في العاصمة. وحلّ محله إجراء آخر هو قيام مؤسسة الضمان الاجتماعي بتدقيق كشوف تعيينات معلمي المدارس الخاصة، وعدم إجازتها إلّا بعد التثبت من أن أصحابها مسجلون في «الضمان». لكن حتى هذا لا يضمن إشراك كل العاملين في المدارس، لأن بعض مالكي المدارس، يقول الزبيدي، لا يضمنّون كشوف التعيينات المرسلة، كل العاملين فعليًا في مدارسهم. 

 في حالة ربى، كان إشراكها لشهر واحد فقط بداية العام الدراسي، وهو الشهر الذي تستكمل فيه المدرسة إجراءات استصدار الترخيص، كافيًا للحصول عليه من وزارة التربية. ولم يعقب ذلك متابعة من وزارة التربية للتثبت من أن اشتراكها في الضمان الاجتماعي قد استمر. ولا متابعة لاحقة من «الضمان» للتأكد من أن إيقاف مالك المدرسة اشتراكها كان لأنها توقفت فعلًا عن العمل. إنه أمر يثبت ضعف التنسيق والمتابعة بين الجهات الرقابية المختلفة المعنية بالمدارس الخاصة. وهو أمر اعترفت به مسؤولة في وزارة العمل قبل خمس سنوات. ومن الواضح أن الوضع لم يتغير كثيرًا.

في ما يتعلق بتحويل الرواتب إلى البنوك، بدأ أصحاب المدارس باستعادة الفرق بطرق عديدة، منها إجبار أصحاب المدارس المعلمات على توقيع كمبيالات بقيمة الفرق، أو احتفاظهم ببطاقات الصراف الآلي للحسابات التي فتحت خصيصًا لتحويل الرواتب. تقول الشواهين إن مالك مدرسة خاصة في إحدى قرى إربد، يدفع حاليًا رواتب 100 دينار فقط. وهو يرسل المعلمات آخر الشهر بباص المدرسة إلى البنك كي يستلمن الرواتب، ثم يعيدهن الباص إلى المدرسة حيث يكون هو في الانتظار لاستعادة 160 دينارًا من كل معلمة. ومع ذلك، لا معلّمة مستعدة للشكوى. 

لماذا تقبلن؟

العامل الاقتصادي هو بالطبع أحد الأسباب الأساسية للرضوخ. الـ100 أو الـ150 دينارًا التي تبدو لمراقب من الخارج مبلغًا تافهًا، لا يستوعب أن تعمل مقابله امرأة بدوام كامل، هو بالنسبة لشريحة واسعة من النساء مساهمة فارقة في دخل العائلة؛ فقد يدفع أجرة الشقة، أو قسط البنك، أو يموّل دراسة ابن أو ابنة في الجامعة. وعندما لا يكون هناك أي بديل، فإن الأمر يصبح كما عبر عنه لي مسؤول سابق في وزارة العمل، كان يتحدث عن علم وزارة العمل بأن مؤسسات معيّنة توظف النساء في مناطق ريفية، ولا تدفع لهنّ الحد الأدنى من الأجور. قال المسؤول إن هذا في النهاية ليس سيئًا، و150 دينارًا بالنسبة لهؤلاء النساء «أحسن من ولا إشي».

مع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن المعلمات ينظرن إلى مسألة العمل في مدرسة لا تدفع الأجر القانوني، بوصفه وضعًا مؤقتًا. فبعد الحصول على شهادة خبرة لسنتين أو ثلاث، تصبح فرصهنّ أعلى للعمل في المدارس التي تدفع الحد الأدنى من الأجور، لكنها تشترط الخبرة. يضاف إلى ذلك أن هذه الخبرة تحتسب عندما تحصل المعلمة على تعيين في مدارس وزارة التربية، إذ سيكون هناك زيادة على راتبها المقرر، مقابل كل سنة خبرة سابقة. وبذلك فإن السنوات الطويلة التي تسبق التعيين لا تكون قد ضاعت هدرًا.

عامل آخر لا يقلّ أهمية وهو العامل الاجتماعي. معظم البيئات الاجتماعية في الأردن تقيّد حركة نسائها. والمسوّغ الأساسي لخروجهن إلى الفضاء العام وحدهن يكاد ينحصر في الدراسة أو العمل. لهذا، فإنه حتى لغير المتزوجات، ممن ليس لديهن التزامات مادية ملحّة، فإن العمل حتى ضمن هذه الظروف، يكون خيارًا أقل قسوة من الحبس في المنزل. 

مطالبة المعلمات بأن يتصرفنّ كمركز قوة، ويواجهن أرباب العمل من خلال تقديم شكاوى، لا يصدر فقط من الجهات المفترض بها مراقبة المدارس الخاصة، إنه طرح أساسي في أي نقاش لهذه القضية. وهو طرح يجهل أو يتجاهل عواقب هذه الشكوى، في ظل غياب آليات تحمي المعلمات اللواتي يقررن الشكوى. 

وفق قانون العمل، يعاقب صاحب العمل، بغرامة لا تقل عن 500 دينار، ولا تزيد عن ألف دينار، عن كل عامل يتلقى أقل من الحد المقرر للأجور. ويحكم للعامل بفرق الأجر. وتضاعف العقوبة في حال تكرارها. ووفق قانون الضمان الاجتماعي، في حال عدم إشراك العامل بالضمان، يلزم صاحب العمل بتأدية كامل الاشتراكات المستحقة بأثر رجعي من تاريخ التحاق العامل بالعمل، إضافة إلى فائدة مقدارها 1% شهريًا، وغرامة مقدارها 30% من قيمة الاشتراكات المستحقة. ويدفع 500 دينار عقوبة عن كل عامل لم يشمله بالضمان.

بغض النظر إن كانت هذه العقوبات رادعة أم لا، المهم هو ما يحدث للمعلمة الشاكية بعد تقديم الشكوى وإيقاع العقوبات؛ هذه المعلمة لن تفقد فقط فرصتها في العمل لدى المدرسة التي شكت على مالكها، هي أيضًا ستفقد فرصتها في العمل لدى كل المدارس الأخرى داخل محافظتها. قبل خمس سنوات، وأثناء إجراء تحقيق عن انتهاكات المدارس الخاصة، أخبرتني المعلمات أن مالكي المدارس ينسقون في ما بينهم ضمن مجموعات واتساب، يتم خلالها تعميم اسم أي معلمة تتجرأ بتقديم شكوى لوزارة العمل بوصفها «مشكلجية»، وهذا كفيل بإغلاق كل فرص التوظيف أمامها داخل المحافظة. ولا يجد أصحاب المدارس صعوبة أبدًا في إيجاد بدائل، نظرًا لأن عدد طالبات التوظيف، أعلى بشكل هائل من عدد الوظائف المعروضة في سوق المدارس الخاصة. ورغم أن وزارة العمل تشدد دائمًا على أنها تتعامل بسرية مع الشكاوى، لكن معلمات من محافظات مختلفة، قلن وقتها إن هذا ليس صحيحًا دائمًا. وإن الأسماء تعرف في النهاية، بسبب «علاقات» أرباب العمل بمديريات العمل في مناطقهن.

بالطبع يمكن للمعلمات أن يشكلن مركز قوة لا يستهان به في حال أخذن موقفًا موحدًا. المسألة هنا أن تنظيم هذا الموقف الموحد من المتوقع أن يتم من خلال الجسم النقابي المفترض أنه قانونيًا يمتلك حصريًا حق تمثيلهن، وهو هنا نقابة العاملين في التعليم الخاص. والحقيقة أنه لا أدل على انفصال هذا الجسم عن مصالحهن من حقيقة أن عدد منتسبي هذه النقابة، بحسب نقيبها مازن المعايطة، هو 3400 عضو، أي أقل من 8% من عدد معلمات ومعلمي المدارس الخاصة. 

 كل هذه عوامل، لا تدفع المعلمات فقط للسكوت على الانتهاكات، بل وتجبرهن على التواطؤ مع منتهكي حقوقهن. في التحقيق السابق، أخبرتني معلمات أنهنّ في الزيارات التفتيشية يكذبن على مفتشي وزارة العمل بشأن الرواتب التي يتلقينها. وقالت أخريات غير مسجلات في الضمان الاجتماعي، إنه عند زيارة مفتشي الضمان يطلب أصحاب المدارس منهنّ النزول إلى التسوية، أو الصعود إلى سطح المدرسة. وواحدة من المعلمات قالت إنه في إحدى الزيارات التفتيشية اضطرت وزميلاتها للتسلل إلى أحد بيوت جيران المدرسة.

بعد وفاة ربى، انطلقت العديد من وسوم التضامن معها على فيسبوك وتويتر، كان أبرزها وسم «كلنا ربى». الحقيقة أن ربى كانت وحدها.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية