العودة للحياة اليومية: كيف تتكيف دول العالم مع الموجة الثانية من كورونا؟

السبت 12 أيلول 2020
إعادة الفتح بعد كورونا
تعقيم حافلة ضمن إجراءات مكافحة انتشار كوفيد-19 في البرازيل. تصوير دانيال كاستيلانو. أ ف ب

يشترك معظم سُكان العالم اليوم بتغطية وجوههم بكمامة، إما طوعًا، أو تحت طائلة المسؤولية، في محاولة للتعايش مع كوفيد-19 والاقتراب من حياة يومية تُشبه تلك التي كانت قبل الجائحة بممارسات أكثر أمنًا. نظرًا لأن اللقاح ما يزال بعيدًا، ما تزال معظم الدول تطور المعادلة المناسبة التي تستطيع عبرها التعايش مع الجائحة دون اللجوء لسيناريو الإغلاق الشامل، كما حدث في الموجة الأولى، الذي لم يعد من الممكن تحمل تبعاته الاقتصادية. وهذه المُعادلة سريعة التغيير وفقًا لتطور الوضع الوبائي، ففتح الحدود وعودة الطلبة للمدارس وحتى تناول وجبة بالمطاعم، كلها يمكن أن تتغير خلال أيام. 

رغم المصفوفة التي طورها الأردن لتحديد إجراءات فتح وإغلاق القطاعات بحسب تطور الوضع الوبائي، أدركت الحكومة حاجتها لتعطيل بعض بنود المصفوفة بعد زيادة الحالات في الأردن. إذ أصرت الحكومة على فتح المدارس والجامعات بالرغم من أن الأردن لم يصل لمرحلة «منخفض الخطورة» بعد، وهي المرحلة التي تسمح بفتح المدارس والجامعات، بحسب المصفوفة. مرونة قرارات فتح وإغلاق القطاعات المختلفة هي عنوان المرحلة في العديد من الدول التي تُحدّث إجراءاتها وتدابيرها على مستوى يومي أحيانًا. لكن بعض الدول ذات الأنظمة غير المركزية تركت هذه القرارات للإدارات المحلية الأعلم باحتياجات الوضع الوبائي في مناطقها، كما في الأرجنتين والهند وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا. 

في هذا المقال نراجع أوجه العودة للروتين في الدول المختلفة، على مستوى فتح القطاعات الخدماتية والمطارات والمدارس، برصد مختلف الإجراءات والتدابير المختلفة المعتمدة، حتى تاريخ النشر، لمواجهة الموجة الثانية من الفيروس في ظل العودة للحياة اليومية.

التنقل وفتح القطاعات

أجبرَت معظم دول العالم سكانها على ارتداء الكمامات في الأماكن العامة المغلقة وفي المواصلات العامة، وألزمت القطاعات العاملة بفرض مسافة من متر إلى متر ونصف بين روادها، كما في المولات. فتحت الدول الأوروبية التي كانت الأكثر تأثرًا بالوباء، مثل إيطاليا وإسبانيا، مرافقها السياحية، ولكن شروط التباعد الاجتماعي سرت أيضًا على شواطئها وحدائقها العامة التي قُسمت مساحاتها لأماكن محددة للتشمس يقودك إليها موظف معين، حسبما تفيد مواقع زيارة إيطاليا وإسبانيا، وهي مرجع السياح لمعرفة آخر تحديثات قواعد كوفيد-19 بالبلاد. في معظم الدول الأوروبية، يجب ارتداء الكمامة من اللحظة التي تخرج فيها من البيت، ويمكن إزالتها عند جلوسك في مطعم. أما في ألمانيا فتفاوتت إلزامية ارتداء الكمامة على مستوى المحافظات الألمانية، فمنها من يجبِر على ارتدائها فقط في الأماكن والمواصلات العامة.

بالرغم من زيادة حالات الإصابة حول العالم، اختفى منع التجول الكلي كوسيلة لمواجهة الموجة الثانية.

معظم هذه الإجراءات بدأت مع الفتح التدريجي الذي رافق انتهاء الموجة الأولى من كوفيد 19، مع نهاية الربيع. لكن لم يتغير الكثير لمواجهة الموجة الثانية في الدول الأوروبية، فاتفقت مثلًا كل إدارات المُقاطعات الإسبانية في منتصف شهر آب على إغلاق الحانات وتحديد ساعات فتح المطاعم للواحدة ليلًا ومنع التدخين في الأماكن العامة. أما كوريا الجنوبية، فتجنبت تطبيق قواعد المستوى الثالث الأكثر صرامة في الإغلاق، فقررت حكومة العاصمة الكورية سول البقاء في المرحلة الثانية ووضع قيود أكبر على قطاعها الخدمي، بمنع ارتياد المطاعم بعد التاسعة مساء وإغلاق رياض الأطفال والمراكز الرياضية، منذ 31 آب. 

وهكذا سلمت العديد حكومات العالم قرارات الفتح والإغلاق للحكومات المحلية في محافظاتها، مثل بريطانيا و إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، بدلًا من أن تكون على مستوى الدولة. وبالرغم من النقاش الحاد الذي دار في الاتحاد الأوروبي حول معايير تطبيق تتبع المُخالطين الذي ستتبناه حكوماته ليسهل من عملية فتح القطاعات، فقد ظل تحميل التطبيق طوعيًا وأوصت معظم الدول المسافرين بتنزيل تطبيق تتبع اعتمدته حكومات الاتحاد الأوروبي للتنقل بين حدودها. دول قليلة جعلت تحميل تطبيق التتبع شرطًا للسماح للمواطنين بدخول الأماكن العامة المُغلقة، مثل المولات والمكتبات أو الخاصة، مثل قطر والأردن والصين. أما في الكويت، فكان تحميل تطبيق «شلونك» أحد شروط عودة المواطنين الكويتيين. 

وبالرغم من زيادة حالات الإصابة حول العالم، اختفى منع التجول الكلي كوسيلة لمواجهة الموجة الثانية، في حين ما زال مطروحًا في الأردن التي لا تزال تلجأ لمنع التجوال الشامل في بعض أيام الجمعة على مستوى المحافظات عند ارتفاع الحالات بها.  قليلًا ما تلجأ الدول إلى منع التجول الجزئي سواء على مستوى الدولة، كما في نيجيريا ولبنان، أو على مستوى المدن كما مدينة ملبورن الأسترالية. ليس هنالك أمثلة على دول تلجأ لاتخاذ قرارات عزل على مستوى بنايات بعينها كما في الأردن، لكن على مستوى الأحياء، كما في الصين وكولومبيا والهند والعراق. أما في المنطقة العربية، فقد رفعت معظم الدول منع التجول الكلي أو الجزئي، كما في الكويت والسعودية. 

المطارات 

سارعت الدول لإغلاق مطاراتها ومنافذها الحدودية عبر العالم بعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية الكورونا جائحةً عالمية في منتصف شهر آذار، فتهاوى متوسط عدد الرحلات من 28 ألفًا في بداية آذار إلى 2000 رحلة في نهايته، بحسب بيانات موقع منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو) التابعة للأمم المتحدة. بعد الموجة الأولى من الوباء، عادت معظم مطارات العالم للعمل ولم يؤثر ارتفاع عدد الحالات في تموز وآب على متوسط عدد الرحلات، فاستمر معدل الطائرات المُقلعة في العالم بالارتفاع ليصل إلى 10 آلاف رحلة إقلاع بتاريخ النشر.

اليوم، تندرج معظم المطارات تحت تصنيف «المقيدة جزئيًا» بحسب تصنيفات موقع اتحاد النقل الدولي الجوي (أياتا)، الذي ينبه أن هنالك نسبة خطأ في تحديث بياناته نظرًا لتسارع تغير الشروط التي تضعها الدول لاستقبال الرحلات الجوية، بحسب الحالة الوبائية. أما المطارات «المقيدة كليًا» فهي المُغلقة أمام الرحلات التجارية وتسمح فقط برحلات العائدين المُنظمة عبر الحكومات وسفاراتها أو رحلات الشحن الجوي أو الطائرات التي تهبط اضطراريًا بسبب عُطل ما. دول قليلة جًدا كانت مطاراتها مغلقة بداية أيلول كما في الأردن، منها المغرب والجزائر وموريتانيا وسوريا وجنوب إفريقيا وناميبيا وموزمبيق. وبالرغم من أن السعودية تستمر بإغلاق مطارها أمام الرحلات  التجارية الدولية، إلا أنها سمحت بدخول مواطنيها وعائلاتهم عبر منافذ حدودية برية بشرط إحضارهم فحصًا نتيجته سلبية وخضوعهم للعزل. 

تهاوى متوسط عدد الرحلات الجوية عالميًا من 28 ألفًا في بداية آذار إلى 2000 رحلة في نهايته.

تستمر الدول التي صنف موقع أياتا مطاراتها بالمُقيدة كليًا بالتناقص، حتى وإن لم يُحدث الموقع ذلك. فخلال شهر آب مثلًا، عدلت دول مثل عُمان وليبيا عن إغلاق مطاراتها كليًا. إذ سمحت عُمان في 11 آب، بعد إغلاق دام خمسة أشهر، لمواطنيها بالدخول والخروج بشرط تمتعهم بتأمين صحي دولي، كما سمحت للمقيمين أو السُياح بالدخول بشرط موافقة من وزارة الخارجية والخضوع لحجر صحي على حسابهم الخاص لمدة 14 يومًا في الأماكن المخصصة للحجر، بغض النظر عن الدولة التي أتوا منها. أمّا ليبيا، فبدأت في منتصف آب بتسيير رحلتين يوميًا بين طرابلس وتركيا. 

حتى دول العالم التي فتحت مطاراتها جزئيًا، فعلت ذلك بدرجات مختلفة من التقييد، كان أقصاها السماح لمواطنيها والمقيمين بها فقط، دون السيُاح، بالدخول إليها والخروج منها جوًا لكن مع شرط خضوعهم للحجر المنزلي لمدة 14 يومًا، بغض النظر عن الدول القادمين منها، كما فعلت كندا وتشيلي. أما بريطانيا ففتحت حدودها للمسافرين والسياح من جميع الدول الأخرى، بشرط الحجر منزليًا لمدة 14 يومًا. وفرضت كوريا والصين الحجر المؤسسي، لا المنزلي، لمدة 14 يومًا لجميع القادمين بغض النظر من دولة التي أتوا منها، إلا الدول التي أبرمت معها اتفاقيات مسار السريع، مثل سنغافورة.

دول مثل الإمارات كانت من أقل الدول تقييدًا لحركة المسافرين، إذ سمحت لمواطنيها ومُقيميها والسياح من كل الوجهات بالقدوم بشرط تقديم فحص PCR نتيجته سلبية أجري خلال أربعة أيام من موعد السفر، وتنزيل تطبيق تتبع المخالطين في المطار. أما لبنان، فاشترطت على المسافرين إليها الخضوع لفحص PCR في المطار والانتظار يومين في فندق العزل لحين خروج النتيجة، باستثناء دول بعينها وجب خضوع المسافرين منها لحجر فندقي ليومين، وحجر منزلي لثلاثة أيام. 

صنفت دول أخرى العالم إلى مجموعتين، خضراء وغير خضراء، بعضها لم يسمح إلا للقادمين من الدول الخضراء بالمجيء إليها إن كانت نتائج فحصهم قبل 72 ساعة سلبية، مثل ألمانيا والصين وقبرص. بعضها اشترط الحجر على المسافرين من الدول غير المشمولة في قائمة الدول «الخضراء»، إما حجرًا ذاتيًا كدول الاتحاد الأوروبي وقبرص، أو حجرًا مؤسسيًا على نفقة المسافرين مثل قطر. أما فرض الحجر المؤسسي والمنزلي معًا على القادمين من الدول غير الخضراء، كما يطلب الأردن في شروط فتح مطارها الأخير، فهو غير شائع. 

العودة إلى المدارس والجامعات

انتهت العطلة الأكاديمية الصيفية للمدارس والجامعات في أكثر دول العالم ولم ينته الوباء. انهمكت وزارات التربية والتعليم ولجان الأوبئة حول العالم بالإجابة عن سؤال أقل الضررين: الضرر النفسي والاجتماعي الذي يسببه غياب الطلبة عن المدرسة لأكثر من ستة أشهر، أم الضرر الصحي الذي تسببه عودة المدارس على الأطفال وأهاليهم والطاقم التعليمي. أغلقت معظم مدارس العالم في منتصف شهر آذار إغلاقًا كليًا بحسب مرصد إغلاق المدارس الدولي على موقع اليونيسكو. مع حلول بداية العام الدراسي، توجهت الدول الأوروبية وروسيا وتونس لفتح مدارسها بالكامل، مع وضع بروتوكولات معينة للحد من انتشار الفيروس وإلزام الطلبة ارتداء الكمامات بين الحصص، للطلبة فوق الـ11 عامًا في فرنسا وتونس، وفوق الستة أعوام في إسبانيا. لم تفرض الصين شرط ارتداء الكمامة داخل الحصص الصفية في بداية فصل أيلول، لكنها شددت من تدابير تعقيم المدارس وقياس درجة حرارة الطلاب بشكل يومي. 

دول أخرى وضعت سقفًا لسعة مدارسها، مثل كوريا الجنوبية التي سمحت لثُلثي طلبتها بالعودة للمدارس واتخذت نمط التعلم الهجين، جامعةً ما بين التعلم عن بُعد وفي الصف، مُنذ استقرار حالات الوباء بها في شهر أيار، أي في منتصف الفصل الأول من السنة الأكاديمية في كوريا الذي يبدأ في آذار ويستمر لآب. أما في الفصل الدراسي الثاني الذي يبدأ في أيلول وينتهي في شباط، فقلّصت الحكومة الكورية سعة المدارس إلى ثُلث الطلبة في مقاطعاتها الكبيرة مثل سيول، وأبقتها محددة بثلثي الطلبة في مُقاطعاتها الأقل اكتظاظًا. يُشبه ذلك النموذج التي تبنته الأردن في عودة طلبتها للمدارس على مستوى الدولة، والذي قسم الحضور في المدرسة لمناوبات بحسب الصف الدراسي لأول ثلاثة أسابيع، وأعطت للمدرسة قرار الدوام الكامل إن استطاعت توفير متر مربع لكل طالب بها. 

تحاول الدول الوصول لأكبر قدر من الاستقرار وخلق روتين يومي في ظل الجائحة، إلا أن وتيرة التغيير على الإجراءات تقول عكس ذلك.

دول أخرى اختارت تأجيل بداية العام الأكاديمي، وإطلاق التعلم عن بعد في الفصل الأول كما في المكسيك، والأرجنتين، والسعودية، أو تقصير الفصل الدراسي والعطلة وتأخير بدايته كما في مصر. ووفرت بريطانيا والإمارات خياري التعلم عن بُعد أو في المدرسة لأولياء الأمور، وطلبت من المدارس التي يُشتبه وجود حالات فيها الإغلاق والانتقال للتعلم عن بعد. 

أما الجامعات، فلم يأتِ بعد موعد دوام الفصل الأول فيها في العديد من دول العالم. في كندا والولايات المتحدة، التي يبدأ فصلها الأول الجامعي في أيلول، انقسمت الجامعات بين التعليم عن بعد والتعليم المدمج الذي يشمل محاضرات ومختبرات في الجامعة بمجموعات أقل عددًا. أما في بريطانيا، تستعد معظم الجامعات لاستقبال الطلبة في أيلول بعد تطبيق بروتوكولات تضمن التعليم الآمن في مرافقها، مثل جامعة أوكسفورد وكلية لندن للاقتصاد

تحاول الدول بهذه الإجراءات الوصول لأكبر قدر من الاستقرار وخلق روتين يومي في ظل الجائحة، إلا أن وتيرة التغيير على هذه الإجراءات تقول عكس ذلك. بشكل عام، لجأت الدول لتحديث آخر إجراءاتها وتدابيرها الصحية عبر نشرها على موقع مركزي حتى وإن كانت قرارات الإغلاقات تُؤخذ على مستوى المُدن والأحياء، كما في بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي.  ففي أوروبا، كانت وتيرة تحديث الإجراءات الحكومية عالية لدرجة أن موقع Re-open EU، الذي يجمع كل البيانات الآنية عن إجراءات كل الدول الأوروبية، لجأ إلى الترجمة الآلية للتحديثات، منوهًا لاحتمال وجود أخطاء في الترجمة إلى الإنجليزية لهذا السبب.