عن الفقد والعزاء في ظل الحظر

الثلاثاء 09 حزيران 2020
رسم بيان حبيب.

في الثامن من تشرين الثاني عام 2019، سافر سند الربضي (15 عامًا)، إلى الولايات المتحدة الأمريكية ضمن برنامج تبادل ثقافي تشترك فيه مدرسته، لإتمام دراسته في الصف العاشر، على أن يعود إلى الأردن في 20 حزيران 2020. يشترط هذا البرنامج أن يعيش الطالب في بيت عائلة أمريكية، بالتنسيق مع مشرف في البرنامج يكون مسؤولًا عنه هناك، لكن نتيجة لانتشار جائحة كورونا توقفت المدارس عن التعليم المباشر، وكان على سند العودة إلى الأردن. قام والده ليث الربضي، بحجز تذكرة العودة له على متن الطائرة الأولى المخصصة لإعادة الطلبة الأردنيين من الولايات المتحدة. لكن سند خرج ليلعب، بتاريخ 30 نيسان، قبل موعد عودته المقرر بأسبوع، ليتعرّض لحادث تدهور أفقده حياته. 

خلال فترة الحظر الذي فرضته الحكومة الأردنية ضمن إجراءات الحدّ من تفشي فيروس كورونا، فقدت عائلات بعض أفرادها وفقد أصدقاءٌ أصدقائهم لأسباب مختلفة، ونتيجة إجراءات التباعد الجسدي وحظر التجمعات في هذه الفترة، فقد تغيّر شكل مراسم العزاء عن الشكل التقليدي الذي تعارف عليه الناس. يتناول هذا التقرير قصص بعض من فقدوا أفراد من عائلاتهم لأسباب مختلفة خلال أزمة كورونا، وكيف تكيّفوا مع الإجراءات الجديدة التي فرضتها الجائحة خلال مراسم الدفن والعزاء.

اتصلت العائلة التي يقيم عندها سند بالمشرف المسؤول عنه، وأخبرته بالحادثة، ليتابع المشرف الإجراءات بالتواصل مع القائمين على البرنامج في أمريكا، الذين تواصلوا بدورهم مع مكتبهم في عمّان، وقام المكتب بالاتصال مع والد سند، ليث الربضي -الذي يعمل معلمًا-، ونقل له الخبر.

ارتبك ليث بين صدمته بالخبر الذي لا يستطيع تصديقه، وبين ما يجب أن يقوم به من إجراءات، أخبرنا أنه لم يتصل بأحد، ولم يعلم ما إذا كان بإمكانه إعادة سند ليدفن في الأردن، أم سيتم دفنه هناك، إلى أن ورده اتصال من وزارة الخارجية الأردنية، أخبروه فيه أنهم يعملون على إعادة جثمان سند على نفس الطائرة التي تنقل الطلبة الأردنيين والتي كان قد حجز على متنها مسبقًا، لكن موعد وصول الطائرة لم يكن محسومًا حتى فجر يوم 7 أيار «ما قصروا وجابولنا إياه بالطيارة الأولى اللي كان لازم ييجي فيها، بس إجا بطريقة أخرى».

في هذه الأثناء كانت العائلة تواجه مشكلة أخرى، فوالدة سند، هالة، معلمة تعمل في السعودية، أرادت العودة لوداع ابنها. تواصلت وزارة التربية والتعليم ووزارة الخارجية مع العائلة، لترتيب إجراءات عودتها. واستطاعت هالة أن تصل الأردن قبل وصول طائرة الطلبة بأربعة أيام؛ خضعت لفحص الكشف عن فيروس كورونا وتعهدت بحجر نفسها منزليًا مدة أسبوعين.

بعد أن تأكد موعد وصول الطائرة فجر السابع من أيار، استطاع ليث ترتيب إجراءات العزاء والدفن عبر الهاتف؛ تواصل مع القائمين على المقبرة في عجلون، ومع الكنيسة هناك لإقامة صلاة الجنازة. وخرج من منزله في منطقة مرج الحمام في عمان، لإحضار جثمان ولده من المطار، ثم توجه إلى محافظة عجلون لإقامة مراسم العزاء. 

العزاء يخصّ المعزّين أيضًا

عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أعلن ليث أن الجنازة ستكون في الكنيسة، بلا معزين، على أن يبث الجنّاز مباشرة لمن يريد حضوره. كما أخبر الناس أن تلقي التعازي سيكون هاتفيًا، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يقول ليث أن أقاربهم قبلوا على مضض هذا الشكل من إقامة الجنازة، بعد أن أخبرهم أن عليه الالتزام بالإجراءات، للحفاظ على مراسم العزاء دون حدوث إساءة تمس مناسبتهم، والتزامًا بالتوجيهات للمحافظة على سلامة الجميع. 

ذهب لحضور قدّاس العزاء والدا سند، وأخوه البالغ من العمر 12 عامًا، وجدته، وعمته، وخال ليث وأحد أبنائه، لقدرتهم على أداء الترتيل اللازم في قداس العزاء، بالإضافة إلى الخوري الذي أقام القداس. استطاعوا الحصول على تصاريح فردية لكلٍ منهم، والتزموا التباعد الجسدي طوال المراسم في الكنيسة، تبادلوا السلام من بعيد، وأبقوا على المسافات بينهم، بحسب ليث.

كان على هالة الالتزام بالحجر المنزلي مدة 14 يومًا بعد عودتهم إلى المنزل، وقفت خلالها دورية شرطة بجانب المنزل، لمنع خروج أو دخول أي شخص عليه، الأمر الذي لم يزعجهم كما يقول ليث، فهم يدركون خطورة الجائحة والجهد المبذول من الجهات الرسمية والناس في مساعدتهم. قضت هالة 17 يومًا في الحجر المنزلي، بدأت العائلة بعدها باستقبال المعزين، دون حدوث تجمعات أو سلام. يقول ليث إن الزيارات اقتصرت على مجموعات من ثلاثة إلى أربعة أشخاص، عبر التنسيق هاتفيًا لترتيب المواعيد، مع الحرص على الالتزام بإجراءات الوقاية.

«بدنا نروح لإنه حاسين وجعنا واحد، ممكن نخفف عن بعض، ممكن نعرف نستوعب الحالة لأنه كلنا موجودين سوا»

يقول ليث إن عدم إقامة العزاء بشكله التقليدي، لم تشعره وعائلته باختلاف كبير، فبعد أن فقدوا أغلى ما لديهم، لم يعد يهمهم إلا إتمام الإجراءات بشكل حضاري، عدا عن أن لطف التعازي التي وصلتهم عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب ما أعده وشاركه أصدقاء وزملاء سند من مقاطع فيديو وصور تجمع ذكرياتهم معه، قد دعمهم في محنتهم. كما ظلّت مدرسته في الأردن على تواصل مع العائلة، وأعدت مدرسته في الولايات المتحدة فيديو يجمع صور سند ورفاقه في أنشطتهم. واتصلت إدارة النادي الرياضي الأردني الذي لعب فيه سند كرة السلة ضمن فئة الشباب والناشئين بوالده لإخباره بنيتهم إقامة بطولة باسم سند في العام المقبل. كلّ هذا جعل مشاعر الأب تختلط بين الحزن والاشتياق والفخر والفرح بالأثر الذي تركه ابنه بين الناس. «المشاركات كثير كثير ريحتنا…لما بحكوا معك الناس والكل بقلك إحنا بصلواتنا بندعيلكم في شهر رمضان، فشو بدك أحلى من هيك مشاركات الصراحة، وأستاذه علي من الشباب الي كتبوا مقال كثير حلو عنه، وأثر بكثير من الناس يعني بصراحة خفف عنا كثير».

يقول علي، أستاذ سند الذي عمل في تدريس مادة الكتابة الإبداعية قبل سنتين، إن طبيعة مادته أتاحت بناء صداقة مع طلبته، عدا عن كونه صديقًا لعائلة سند. «بدنا نروح لإنه حاسين وجعنا واحد، ممكن نخفف عن بعض، ممكن نعرف نستوعب الحالة لأنه كلنا موجودين سوا». يعتقد علي أن العزاء يخص المعزِّين أيضًا، إذ احتاج تعزية نفسه بفقد سند، فهو يشارك العائلة مشاعر الفقد والخسارة والحزن، ويحتاج التواجد بقربهم بقدر ما يحتاجون وجوده. كما يساند المعزون أهل الفقيد في لحظات الفقد، عندما لا تتيح لهم الصدمة القدرة على التصرف، فيقوم المعزون بإتمام الإجراءات اللازمة، ليستطيع أهل الفقيد عيش حزنهم دون تحمل أعباء إضافية في ظروف كهذه.

إجراءات جديدة

كانت نجاح 64 عام، تعاني من فشل كلوي، وتذهب إلى المستشفى لغسيل الكلى ثلاث مرات أسبوعيًا، تحتاج فيها إلى خمس ساعات في كلّ مرة. يوم الخميس 14 أيار، تلقت عائلة نجاح اتصالًا من المستشفى يدعوهم للمجيء، وحين وصلوا كانت قد فارقت الحياة. 

جلس أولادها يبكونها في أروقة إحدى المستشفيات الخاصة. بعد وقت قليل أخبرهم أحد العاملين في المستشفى أنهم لا يستطيعون أخذ جثمانها، وأن عليهم نقلها إلى مستشفى البشير لإجراء فحص الكشف عن فيروس كورونا قبل الدفن. وافقوا على ذلك ورافقوها في سيارة الإسعاف إلى مستشفى البشير.

وفق ابنتها إيمان فقد كانت إجراءات إدخالها إلى المشرحة معقدة؛ طُلبت منهم عدة إجراءات ورقية، وسط قلقهم من بقائها في سيارة الإسعاف وقتًا أطول حتى إتمام المعاملة، في ظل ارتفاع درجة الحرارة، «كنّا خايفين جسمها ينتفخ أو شكله يتغير، ما بدنا نشوف أمي بهاد المنظر، وصار في إجراءات غريبة علينا إنه تقرير الطب الشرعي، والمدّعي العام، ما فهمنا كثير بس عملنا الإجراءات».  بعد الانتهاء من كافة الإجراءات وأخذ عينة الفحص، كان الوقت قد تأخر على القيام بإجراءات الدفن، فتأجلت إلى يوم السبت، بسبب الحظر الشامل المفروض يوم الجمعة، وانتظار نتيجة فحص فيروس كورونا. 

عادت العائلة إلى المنزل، وبدأوا الردّ على استفسارات الجيران حول بيت العزاء، بأنهم لن يقيموه. تقول إيمان إنها لامت نفسها لاحقًا لأنها لم ترحب باستقبال جارة قريبة للتعزية بشكل فردي عند استفسارها. كما نشر أولاد نجاح خبر وفاتها، وقبولهم التعزية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمكالمات الهاتفية فقط.

عادت العائلة إلى المستشفى يوم السبت، ووجدت أن نتيجة فحص الوالدة قد جاءت سلبية، فاستلموا الجثّة.

رافقت إيمان ستًّا من نساء العائلة المقربات، عملن على نقل جسد والدتها إلى سيارة الجنازة، وبدأ الأقارب من الرجال بتقسيم أنفسهم على سيارات تبعًا لتعليمات الأمن العام، التي كانت تقضي وقتها بحضور 15 شخصًا فقط للمقبرة، وألا يزيد عدد الأشخاص في السيارة الواحدة على اثنين. 

حضر إلى المقبرة 15 أو 20 رجلًا، جميعهم أقارب من الدرجة الأولى، باستثناء صديق لأحد أبنائها، بينما عادت النساء إلى المنزل. في المقبرة التقى الرجال بمشيّعين لجنازات أخرى، فاتفقوا على الصلاة عليهم جميعًا معًا، لتدفن بعدها كلّ عائلة فقيدها. 

لم تحضر إلى المنزل إلّا العمّات اللواتي يسكنّ البناية نفسها، بالإضافة إلى إحدى الجارات التي كانت صديقةً للأم، وامرأة كبيرة في السن لها مكانة اجتماعية في الحي. 

تقول إيمان إنها لم تنزعج من عدم إقامة بيت للعزاء، بل كانت -في ظرف كهذا- بحاجة إلى الهدوء ولم يكن لها القدرة على التعامل مع الناس

تقول إيمان إنها لم تنزعج من عدم إقامة بيت للعزاء، بل كانت -في ظرف كهذا- بحاجة إلى الهدوء ولم يكن لها القدرة على التعامل مع الناس. أمّا التعزية التي قدمها الناس عبر الاتصال وعرض المساعدة مثل التنقل أو جلب احتياجاتهم أو إعداد الطعام لهم لعدة أيام، فقد اعتبرته وقفة لطيفة إلى جانبهم في ظرف كهذا، «حكيت الله يرحمها أمي حتى بهاي ريحتنا».

إقامة مراسم العزاء رغم الحظر

توفي علي والي البالغ من العمر مئة وخمسة أعوام، مساء الثامن عشر من نيسان، في منزله الكائن في قضاء الأزرق. تقول ابنته انتظار إنه تناول الطعام، وبعد وقت قليل اتكأ على جنبه، فظنّته أختها التي تعيش معه في المنزل هي واثنين من أحفاده، مغمىً عليه، لينقله الإسعاف إلى المركز الصحي الذي أخبرهم أنه فارق الحياة.

للمتوفى 19 ولدًا بين ذكور وإناث بعد وفاة ثلاثة منهم، يعيش بعضهم في محافظة الزرقاء، والبعض الآخر بالقرب من منزله في الأزرق. 

خلص أطباء المركز الصحي في الأزرق إلى أن الشيخوخة هي سبب وفاة الأب بعد فحصه، فلم ينقلوه إلى مستشفى لإجراء فحص كورونا، بل فضلوا التواصل مع مدير قضاء الأزرق، الذي تواصل بدوره مع الحواجز التي كان الجيش يقيمها بين المحافظات، ونسق معهم السماح لأولاده في الزرقاء القدوم إلى الأزرق. ثم تواصل مع ابنه الأكبر طلال، وأخبره أن من الأفضل تغسيل الأب ودفنه بعد صلاة العشاء. لم يقبل طلال وأخوته الاستعجال بالدفن، وفضلوا نقل جثمان والدهم إلى منزلهم، وإبقاءه هناك حتى الصباح. ثم عاود مدير القضاء الاتصال بالعائلة صباح اليوم التالي، لإخبارهم بضرورة عدم خروج أكثر من خمسة أشخاص للدفن، وعدم نصب بيت عزاء أو استقبال مجموعات المعزين في المنزل. 

وضع طلال منشورًا على فيسبوك يفيد بقبول التعازي عبر الهاتف، نظرًا للظرف الذي تمر به المملكة، وأرفق المنشور برقم هاتفه.

كان علي والي شيخ عشيرة آل زياد في الأردن، وبعد أن كبر في السن تنازل عن رئاسة القبيلة لصالح ابنه الأكبر طلال. مقامه في العشيرة جعل أفرادها الذين يقطنون منطقة الأزرق بشقيها الشمالي والجنوبي يرفضون الخضوع لتعليمات مدير القضاء، محاججين بخلوّ منطقتهم تمامًا من فيروس كورونا. «شباب العشيرة والكبار بالعمر ما رضيوا، يعني أبوي بالنسبة إلهم شيخ العشيرة كثير صعب ما يشاركوا». 

قام أبناء المتوفى بتغسيله وتكفينه بأنفسهم، نظرًا لأن الإمام الذي اتصلوا به رفض الحضور، التزامًا بالتعليمات، وكما تقول انتظار، فهو ليس من أفراد العشيرة ولم يكن بالتالي متأكدًا من سبب الوفاة، فربما خاف من العدوى، ثم خرجوا لإقامة صلاة الجنازة والدفن تمام الساعة الثامنة والنصف صباحًا، كما طلب منهم مدير القضاء.

ينقسم قضاء الأزرق إلى حيين؛ شمالي وجنوبي. يقع منزل المتوفى وأهله في الحي الشمالي، بينما تقع المقبرة في الحي الجنوبي، وبسبب الحظر تقف سيارة للأمن بين الحيين تمنع مرور السيارات، لذلك لحق بعض المعزين بموكب العزاء سيرًا على الأقدام، إلى أن قطعوا الحد الفاصل بين الحيين. أقاموا صلاة الجنازة ودفنوا الأب ثم عادوا إلى المنزل. 

تجمع الناس من الحيين عند المنزل لتقديم واجب التعزية، فنصبت العائلة خيمة عزاء تستقبل الناس، وأعدت بنات المتوفى الطعام للمعزين لثلاثة أيام، كما وزعن طعام والدهنّ على أهل المنطقة في أول أيام رمضان. حاولت العائلة قدر الإمكان اتباع تعليمات السلامة، فعملوا على تقديم القهوة في فناجين كرتونية تستعمل لمرة واحدة، وكذلك الماء تم تقديمه في كاسات بلاستيكية. 

 رغم اقتصار المعزين على أهالي المنطقة، وعدم تمكّن كثيرين من الحضور، حتى من مناطق قريبة مثل الخالدية والحلابات، بسبب حواجز الطريق، تقول انتظار إنها شعرت بالعزاء وبأنه قد تم أداء واجب والدهم، فهم استطاعوا -على الأقل- إقامة عزاء صغير، حضره أفراد عشيرتهم وأقاربهم الذين يقطنون المنطقة نفسها. كما تلقوا الاتصالات ممن لم يستطع الحضور من الأقارب في المحافظات الأخرى وخارج الأردن، ما منحهم تعزية كبيرة وآزرهم في مصابهم، «حسينا إحنا مربطين مع إنه إحنا عالأقل قدرنا نعمل إشي، وقدرنا نروح معه وإنه ناس تجي معنا، ونصبنا بيت عزا لأهالي المنطقة اللي عايش بيناتهم، بنضل أرحم من ناس نهائيًا ما قدرت تعمل إشي».