كيف تسافر من على متن أريكتك

الإثنين 23 آذار 2020
لوحة كارين هولنغزوورث.

نشر هذا المقال بالإنجليزية في صحيفة الفاينانشال تايمز في 17 آذار 2020.

في وقت ما من خمسينيات القرن السَّابع عشر، دوَّن الفيلسوف الفرنسي وعالم الرياضيات بليز باسكال واحدًا من أكثر الأقوال المأثورة معارضةً للحدس على مرِّ الأزمان: «السَّبب الوحيد لتعاسة المرء هو كونه لا يستطيع البقاء بهدوء في غرفته».

حقًا؟ أمِنَ المؤكدٌ أن اضطرار المرء للبقاء في غرفته بهدوء هو بداية لنوع متطوِّر بصورة خاصة من العذاب النفسي؟ ما الذي يمكن أن يكون أكثر تعارضًا مع النفس البشرية من اضطرارها لأن تقيم بين أربعة جدران في حين قد يكون أمامها كوكب بأسره لتستكشفه؟

إلا أن فكرة باسكال تتحدى بصورة مفيدة واحدًا من أعز معتقداتنا: أنه يتعين علينا دومًا الذَّهاب إلى أماكن جديدة لكي نشعر ونكتشف على أشياء جديدة وجديرة بالاهتمام. لكن ماذا لو كان هناك، في الحقيقة، خزنة منها في داخلنا؟

ماذا لو أننا سبق وخزّننا بالفعل داخل أدمغتنا عددًا وافيًا من التجارب الملهمة والمطمئنة والمثيرة للاهتمام، يكفينا على مدى عشرة أعمار؟ ماذا لو أن مشكلتنا الحقيقية لم تكن أننا ممنوعون من الذَّهاب إلى أي مكان، بقدر ما هي كوننا لا نعرف كيف نستفيد لأقصى حد مما هو بالفعل في متناول اليد؟

اضطرارنا إلى البقاء في البيت يمنحنا مجموعة من المنافع البديعة. الأولى هي التَّشجيع على التفكير. بغضِّ النَّظر عمَّا نميل إلى تصديقه، فإن قلة منّا هم من يقدمون على نوع انفرادي وأصلي وجريء من التفكير يستطيع أن يجدد معنوياتنا ويدفع بحياتنا قدمًا. إن الأفكار الجديدة التي قد نتعثَّر بها إذا جُبنا عقولنا بشكل أكثر طموحًا أثناء استلقاءنا على الأريكة يمكنها أن تهدد حالتنا العقلية الراهنة.

على سبيل المثال، قد تصرفنا فكرة أصيلة عما يعتبره الناس من حولنا عاديًا. أو قد تقودنا الفكرة لإدراك أننا كنا نتَّبع معالجة خاطئة لقضية هامة في حياتنا، ربما لوقت طويل. لو أخذنا فكرة جديدة ما بجدية، فقد يجعلنا ذلك نهجر علاقة، أو نترك عملًا، أو ننفصل عن صديق، أو نعتذر لشخص ما، أو نعيد التفكير بنشاطنا الجنسي، أو نتخلى عن عادة ما.

بخطوات مترددة، نبدأ معرفة أنفسنا بشكل أفضل بقليل.

لكن فترة من التفكير الهادئ في غرفتنا تخلق ظرفًا يمكِّن العقل من ترتيب وفهم نفسه. فيسهُل تحديد المخاوف، مشاعر الاستياء، والآمال، ونصير أقل فزعًا من محتويات عقولنا، وأقل سخطًا، أكثر هدوءًا، وتتضح رؤيتنا لاتجاهنا أكثر. بخطوات مترددة، نبدأ معرفة أنفسنا بشكل أفضل بقليل.

أمر آخر يمكننا فعله في غرفنا هو العودة إلى أسفار قمنا بها سلفًا. هذه ليست فكرة عصرية. معظم الوقت، نحن نتلقى تشجيعًا قويًا على هندسة أنواع جديدة من تجارب السَّفر. فكرة التشديد على أهمية العودة إلى رحلة في الذَّاكرة تبدو غريبة بعض الشَّيء، أو حزينة ببساطة، وهذا أمر مؤسف بحق. إننا أوصياء لا مبالون على ماضينا، فنحن ندفع المشاهد الهامة التي حدثت لنا إلى مؤخرة خزانة عقولنا ولا نتوقع أن نراها ثانية أبدًا.

لكن ماذا لو أردنا تعديل تراتبية الأبّهة قليلًا، محتجين بأن الانغماس الدوريّ في ذكريات سفرنا قد يكون جزءًا حاسمًا مما يمكن أن يسندنا ويواسينا، بل ربما يكون أرخص أشكال الترفيه وأكثرها مرونة؟ ينبغي أن نفكر بأن للبقاء في البيت والتأمل في رحلة سبق أن قمنا بها إلى جزيرة بمخيلتنا، الأبّهة ذاتها تقريبًا التي يحوزها الذهاب في رحلة مضنية إلى الجزيرة بأجسادنا الثقيلة.

بإهمالنا لذكرياتنا، نتصرف كأطفال أفسدهم الدَّلال، يكتفون بأن يحصلوا من التجارب على جزء من المتعة فقط من ثم يطرحونها جانبًا لينشدوا إثارة جديدة. جزئيًا قد يكون سبب شعورنا بالحاجة للكثير من التجارب الجديدة، ببساطة لأننا لا نجيد الاستغراق في التجارب التي مررنا بها.

لا نحتاج إلى ما هو تقني لمساعدة أنفسنا على التركيز أكثر على ذكرياتنا. بالتأكيد نحن لا نحتاج إلى كاميرا. هناك واحدة في عقولنا بالفعل: إنها دومًا في وضع التشغيل، تستقبل كل ما رأيناه على الدوام. كتل ضخمة من التجربة لا تزال هناك في رؤوسنا، غير ممسوسة وزاهية، فقط تنتظر أن نطرح على أنفسنا أسئلة موجِّهة من مثل: «أين ذهبنا بعد أن حطَّت بنا الطائرة؟» أو «كيف كان الفطور الأول؟» تجاربنا لم تختف، فقط لأنها لم تعد تظهر أمام أعيننا. يمكننا أن نظل على تواصل مع مقدار وافر مما جعلها مبهجة ببساطة عبر فن الاستدعاء.

نتحدَّث دون توقف عن واقع افتراضي. مع ذلك لا نحتاج إلى عدَّة. ففي رؤوسنا نملك أفخر آلات الواقع الافتراضي. يمكننا الآن-إغماض أعيننا والسَّفر نحو أفضل شذرات ماضينا وأكثرها مواساة وتعزيزًا للحياة والتريث فيما بينها.

نحن نميل إلى السَّفر بسبب اعتقاد في الخلفية يقول، بالطبع، إن حقيقة مشهد ما لا بد أن تكون أجمل من صورة عقلية نشكِّلها له في البيت. لكن هناك أمر في طريقة عمل عقولنا يجدر بنا أن نفكر فيه حين نشعر بالأسى لعجزنا عن الخروج. سوف يكون هناك دومًا شيء آخر يحجب منظر تلك الوجهة الجميلة، شيء مخادع للغاية وطاغٍ لدرجة أنه يقوض إلى حدٍّ ما الغاية من مغادرة البيت في المقام الأول، هو نحن أنفسنا. إننا لا نملك الخيار سوى أن نصطحب أنفسنا إلى كل وجهة أردنا أن نستمتع بها دائمًا. وهذا يعني اصطحاب الكثير من الأعباء العقلية التي تجعل معايشتنا لذواتنا أمرًا أشكاليًا إلى درجة لا يطاق، يومًا بعد يوم: كل القلق، الندم، الالتباس، الذنب، الانفعالية، واليأس.

لا يحدث تشويه الذَّات هذا عندما نتصور رحلةً من البيت لبضع دقائق. يمكننا في الخيال أن نستمتع بمشاهد لا تشوبها شائبة. لكننا نقف عند سفح المعبد الذهبي أو على قمَّة الجبل المكسوة بأشجار الصَّنوبر لنجد أن ذواتنا تقتحم الصُّور في ذاكرتنا.

نجد في العمل تهكمًا مأساويًا-هزليًا: الجهد العظيم الذي نبذله لإيصال أنفسنا بدنيًا إلى مكان سوف لن يقربنا بالضَّرورة إلى جوهر ما ننشده. يجب علينا أن نذكِّر أنفسنا بأننا قد نكون قادرين بالفعل على الاستمتاع بأفضل ما في أي مكان بمجرد التفكير فيه.

لنلتفت إلى رجل فرنسي آخر له فلسفة ضمنية مشابهة. في ربيع العام 1790، حبس كاتب يبلغ من العمر 27 عامًا يدعى إكزافييه دو ميستر نفسه في البيت وقرر دراسة أعاجيب وجمال ما هو أقرب إليه، معنونًا التقرير الذي كتبه عمَّا رآه: «رحلة حول غرفتي».

الكتاب قصَّة طويلة ساحرة. يغلق دي ميستر بابه ويرتدي بيجامة باللونين الزهري والأزرق. ودون الحاجة إلى حزم حقيبة، «يسافر» إلى الأريكة التي ينظر إليها من خلال عينين نضرتين ويستحسنها من جديد. تعجبه ساقها الأنيقة ويتذكَّر السَّاعات البهيجة التي أنفقها بين وسائدها، حالمًا بالنجاح مهني والحب.

لاحقًا، يبصر دي ميستر سريره. باستعمال وجهة نظر المسافر هو يتعلم أيضًا تقدير قطعة الأثاث هذه. هو يشعر بالامتنان لليالي العذبة التي أمضاها فيه ويتفاخر بأن ملاءات السرير تناظر تقريبًا بيجامته. يكتب: «أنصح كل رجل بالحصول على شرشف سرير أبيض وزهري إذا كان يستطيع إلى ذلك سبيلًا»، لأنها ألوان تثير في النائم الرقيق أحلام يقظة ممتعة وهادئة.

إن المتعة التي نجدها في أماكن جديدة ربما خاضعة أكثر لطريقة التفكير التي نسافر بها أكثر مما هي خاضعة للوجهة.

إن عمل دي ميستر مستوحى من بصيرة عميقة مهما كان لعوبًا: إن المتعة التي نجدها في أماكن جديدة ربما خاضعة أكثر لطريقة التفكير التي نسافر بها أكثر مما هي خاضعة للوجهة. لو يمكننا فقط تطبيق طريقة تفكير مشابهة على غرفنا وأحيائنا الحالية، قد نجد أن هذه الأماكن لا تقل روعة عن الأراضي الأجنبية.

إذن، ما هي طريقة تفكير المسافر؟ قد يكون التقبُّل، والتَّقدير، والامتنان ملامحها الرئيسية. والمهم، أن طريقة التَّفكير هذه لا تحتاج أن تنتظر رحلة قصيَّة ليتم توظيفها.

إن النزهة على الأقدام هي أصغر أنواع الرحلات التي يمكننا القيام بها على الدَّوام. إنها تمثل بالمقارنة مع عطلة نموذجية ما تمثله شجرة بونساي بالمقارنة مع غابة. لكن حتى لو أنها مجرد فاصل ترويحي لا تتجاوز مدته ثماني دقائق حول المبنى أو بضع لحظات في الحديقة القريبة، النزهة هي رحلة بالفعل تحضر فيها الكثير من موضوعات السَّفر الأعظم شأنًا.

قد نلمح في مثل هذه النزُّهة زهرة. إنه لأمر نادر للغاية أن يبتهج المرء بالزهور كما يجب، حين يمكنه في أية لحظة أن يسافر إلى قارة أخرى. هناك عديد من الأمور الأكبر والأعظم التي تشغل اهتمامنا أكثر من مظاهر الطبيعة الصَّغيرة المنحوتة بدقَّة هذه. مع ذلك، من غير المعتاد أن تكون لا مباليًا تمامًا بالأزهار في الوقت الذي ضاق فيه العالم على نحو مؤثر، ويشيع في الجو حزن شامل. لم تعد الزهور تبدو كتشتيت تافه للذهن عن مصير جلل، بل متعة أصيلة وسط سلسلة من المتاعب؛ مكانًا صغيرًا للراحة للأمل في بحر الصِّعاب.

أو قد نبصر في نزهة سيرًا على الأقدام حيوانًا صغيرًا، بطَّة أو قنفذ. تمضي حياته في غفلة تامَّة عن حياتنا. إنها مكرسة كليًا لأغراضها الخاصَّة. لم تتغير عادات نوعه من الأحياء على مدى قرون. قد نتطلع نحوه باهتمام لكنه لا يبدي ولو أدنى قدر من الفضول حول ماهيتنا. من وجهة نظره، نحن غارقون في السواد الهائل للأشياء التي لا سبيل له لمعرفتها. قد تأخذ بطَّة قطعة من الخبز بالقدر نفسه من السُّرور من مجرم أو من قاض محكمة عليا، من ثري أو من مفلس؛ فرديتنا معطلة وفي أيام معينة قد يكون في ذلك راحة عظيمة.

في نزهتنا حول المبنى، تلتقط اهتمامنا موضوعاتٌ انقطعت علاقتنا بها، كالطفولة، أو حلم غريب كان قد راودنا، أو صديق لم نره لسنوات، أو مهمة كبيرة لطالما حدَّثنا أنفسنا بأننا قد نضطَّلع بها. من ناحية مادية، نحن لا نقطع أي مسافة على الإطلاق إلا لمامًا، لكننا نعبر مسافات من الأراضي العقلية.

بعد فترة قصيرة نحن في البيت من جديد. لم يفتقدنا أحد، بل لم يلاحظ أحد حتى أننا كنَّا في الخارج. إلا أننا مختلفون قليلًا: أصبحنا ولو بدرجة ما نسخة أكثر كمالًا وحلمًا وشجاعة وخيالًا من الشَّخص الذي كنا نعرف كيف نكونه قبل خروجنا، بحكمة، في رحلة متواضعة. 

ذات يوم، سنسترد حرياتنا. سنجوب العالم مرة أخرى. لكن أثناء حبسنا الجماعي، بعيدًا عن الإزعاج الواضح، قد نعود إلى تقدير بعض ما منحناه حين خسرنا حرياتنا المألوفة. لا يمكن أن يكون صدفة أن عددًا كبيرًا من أعظم مفكري العالم أمضوا مقادير استثنائية من الوقت بمفردهم في غرفهم. يمنحنا الصَّمت فرصة لمعرفة قيمة جزء كبير مما نراه في العموم دون أن نلاحظه بدقَّة، ولنفهم ما شعرنا به لكن لم نعالجه على نحو ملائم بعد.

نحن الآن لسنا محبوسين فقط، فقد منحنا أيضًا ميِّزة القدرة على السَّفر حول مجموعة من قارات غريبة، مقلقةٍ أحيانًا، لكنها في الجوهر قارات داخلية مدهشة.