كيف تكيف عاملون دون دخل ثابت مع أزمة كورونا؟

رسم مايا عامر

كيف تكيف عاملون دون دخل ثابت مع أزمة كورونا؟

الأربعاء 25 آذار 2020

منذ أن اتخذت الحكومة الأردنية حزمة من القرارات لمحاربة انتشار فيروس كورونا، تعالت الأصوات المنادية بالالتفات لحاجات أصحاب العمل الحر والعاملين في قطاع العمل «غير المنظم». وفي الوقت الذي طمأنت فيه الحكومة الموظفين بأنهم سيستلمون رواتبهم كما هي، بصرف النظر عن هذه الإجازة الإجبارية، فإن هناك عددًا كبيرًا من الناس الذين لا يستطيعون العمل «عن بُعد» ولا ينتظرون الرواتب في البنوك نهاية الشهر. هؤلاء المياومون يعملون، فيقبضون، وليس لديهم سوى إجازات على «حسابهم الخاص».  

في ملخص سياسات أصدره مؤخرًا، ذكر منتدى الاستراتيجيات الأردني أن «التقديرات المتاحة لحجم العمالة غير الرسمية تشكل حوالي 52%من إجمالي العمالة» وأن «أعدادًا كبيرة من هذه الفئات ستعاني من ضائقة مالية ومادية وعدم القدرة على الوفاء بالالتزامات المترتبة عليها».  

ودعا المنتدى إلى «تخصيص بعض الموارد واستهداف الأسر المتضررة من خلال اتباع آلية استهداف تستند إلى قواعد البيانات المتاحة»، ولم ينسَ أن ينبّه إلى أن هذه الفئات الجديدة «لم تكُن يومًا ضمن الفئات التقليدية المتلقية للمساعدات».  

مساء الأمس، الثلاثاء، أعلنت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي عن توفير خدمة إلكترونية جديدة تمكن عمّال المياومة المتضرّرين من الأزمة الحالية، والكبار في السن ممن تتجاوز أعمارهم السبعين عامًا من الحصول على مساعدات عينية، وبحسب ما صرّح الناطق باسم المؤسسة موسى الصبيحي لصحيفة الغد فقد تقدّم للحصول على هذه المساعدات ثلاثون ألفًا من عمّال المياومة.

تحدثت حبر مع عدد من الأشخاص الذين ينتمون لهذه الفئة، لنرى كيف تأثر كُلٌ منهم بالأزمة الحالية، والتي اتضح أنهم تضرروا منها بدرجات متفاوتة، وكيف يتكيّفون معها. 

حبيب: مدرب في نادٍ رياضي

يعمل حبيب أبو فراش (26 عامًا) منذ سنتين في نادٍ رياضيٍ في عمّان، ويقوم عمله على إعطاء حصص رياضيّة لبعض مرتادي النادي، ولكنّه ليس موظفًا رسميًا في النادي. 

يشرح حبيب الذي درس الرياضة في الجامعة الأردنية لحبر إنه يتقاضى ما نسبته 40% من اشتراك الزبون الذي يتمرَّن معه، ولكنّه يعمل لحسابه الخاص، فيقول إن عمله لا يختلف كثيرًا عن موظفي الدوام الكامل. لكن دخله يعتمد على عدد الزبائن، وعلى عدد الحصص التي يعطيها، لكن الفارق بينه وبين الموظف العادي هو «إنه أنت ما إلك ضمان، ما إلك تأمين، ما إلك راتب بينزل».

يقدّر حبيب دخله الشهري، قبل هذه الأزمة، كـ«عزابي عايش لحاله، مُعيل لعيلته، بقدر أحكيلك من 500 لـ 700 [دينار] بالشهر». بحُكم طبيعة هذا العمل، الذي يتطلب الاحتكاك المباشر بين الناس، كانت النوادي الرياضية من بين أوائل المنشآت التي أصدرت الحكومة الأردنية الأوامر بإغلاقها تجنبًا لانتشار فيروس الكورونا، فاضطر حبيب إلى التزام المنزل بالطبع، ويضيف أنه يتعامل مع المرض بجدية كبيرة «لأنه أنا عندي والدتي كبيرة بالعمر لازم أدير بالي عليها فالموضوع أبدًا مش مزحة». 

شأنه شأن سائر الناس في البلاد، سيضطر حبيب للانتظار ليعود إلى عمله كالمعتاد، ولكن إضافة إلى الحاجة للتفاعل المباشر وجهًا لوجه والذي قد يؤخر العودة، فإنه لن يجني أي دخل جديد قبل أن يُنهي الحصص التي دفع الزبائن ثمنها مسبقًا، ممّا يعني أن مدة انتظاره ستطول، وقد تمتد لشهر أو شهرين، الأمر الذي أثر على طريقة استجابته للأزمة الحالية، وعلى اختياراته أيضًا. 

بحسب ما أخبر حبر، حاول حبيب الابتعاد عن عمّان عند شراء المستلزمات الأساسية، والبحث عن أماكن تقل فيها الكلفة، فيقول «يعني زي ما بيحكي المثل على قد لحافك مد رجليك.. عملت زي ما كل الناس بتعمل، (..) حاولت أنه يكون الموضوع أكثر اقتصادي ومراعي ظرفك المادي لأنه أنت لشهر مش حتشتغل».

يحاول حبيب أن يتواصل مع زبائنه ليُكمل معهم الحصص عبر الإنترنت، ولكنه لم يحصل على ردود منهم حتى لحظة الاتصال معه. ويؤكد أن هذه الأزمة قد دفعته لإعادة النظر بخيار العمل الحر ككل، فعلى الرغم من ميزاته العديدة، والحرية التي يمنحه إياها هذا النظام، إلا أن النتائج التي تترتب عليه قد تكون قاسية أيضًا. يقول «إذا أنت تعطلت، أنت بتتعطل عحساب حالك، ما حدا راح يدفعلك أو ما حدا راح يطلع فيك أو ما حدا راح يحس معاك». لذلك، عندما نعبر هذه الأزمة، سوف يقبل بوظيفة رسمية مهما كان الراتب الأساسي، فـ«لا سمح الله قعدت زي هيك ظرف 300 ليرة حلوين بس أنك تضلك قاعد شهر كامل ما فيه ولا دينار برضه مأساة».

زهرة: عاملة زراعية

لم يسبق لزهرة،* التي أمضت أكثر من عشرين سنة في العمل بالمزارع بالمياومة، أن تعطّلت لمدة طويلة عن العمل، فتقول «بعطّل أربع أيام، خمس أيام، يعني للست أيام وخلص، بس أتريح بس، لأنه تعب والله واحد يظله 24 ساعة وهو مدنّي [يحني ظهره]». 

بدأت زهرة العمل عندما كان عمرها 14 عامًا، وظلّت تتنقّل بين المزارع بحسب الفصول، حيث تعمل في الصيف في عمّان مقابل عشرة دنانير لليوم الواحد، بينما تعمل في بقية الفصول في الأغوار وتتقاضى ستة دنانير، ما لم تتأخر في العودة إلى المنزل لبضعة ساعات أخرى لترفع أجرتها إلى تسعة أو عشرة دنانير بأفضل الأحوال. 

تقول زهرة، التي تركت المدرسة بعد الصف العاشر، إن والدها المتوفى «كان يشتغل في [شركة] البوتاس»، ووقتها كانت رواتبهم تعيسة، بحسبها. تتقاضى العائلة راتبه التقاعدي الذي يبلغ 170 دينارًا ولكن «لا هن للكهرباء، ولا هن مي، ولا هن مصروف، ولا هن لإشي بالمرة»، ولذا فإنها لا تملك اليوم إلا الخروج للعمل لتدبّر مصروفها الشخصي ومساندة والدتها والعائلة. 

بين الحين والآخر، تتأمل في فرصها، وتتمنى لو أنها أكملت تعليمها أو حصلت على وظيفة، أي وظيفة، في مدرسة أو روضة براتبٍ شهريّ ثابت وساعات عمل أقل وراحة لظهرها الذي أتعبته البساتين. قبل سنوات طويلة، سمعت بالفعل عن توفر وظيفة آذنة في مدرسة، وذهبت لمكان التقديم لتجد الكثير من البنات قبلها، ولكن لم يصلها الدور في التعيين.

لا تنكر زهرة أنها تمنَّت الراحة، ولكنها تشّك، حتى وإن حصلت عليها بالفعل، في أن تقبل مثل هذه الوظائف، فـ«الراتب الشهري بيطوّل» وهي تفضّل أن تقبض أجرتها كل أسبوع. يظل النظام الحالي أفضل برأيها، ما لم تقع بين أيدي أصحاب عمل «بينشفوا الدم» ليدفعوا أجرة العامل، كما تصفهم. يُجادلها أحيانًا صاحب العمل الأخير الذي تعاونت معه، فيزعم أن عدد أيام عملها أقل ممّا تطالَب به، الأمر الذي تستغربه وتقول «الواحد معقول بده ينسى أيامه؟».

تشرح زهرة أن زميلتها كانت تتولى مهمة تسجيل وتوثيق أيام العمل، و«لما عاد صارت صاحبتنا تسجل إلنا صار الوضع يجي كويس يعني.. ليش صاحبتنا تخونّنا؟»، بيد أن صاحب العمل عاد وقال لها «اوعي تسجلي أنا بسجل ليهن». أصبحت بعدها تحسب أيامها بنفسها، وتواجه صاحب العمل بها، ولكن «في عندك عيال حلال بيحسبوها صح وفي عندك عيال حلال بيحسبوهاش صح». 

بعيدًا عمّا ينكره من ساعات الظهر المحنيّ، تبقّى لزهرة في ذمة صاحب العمل الأخير 32 دينارًا، قبل أن تلتزم المنزل بسبب أزمة الكورونا، لقاء عملها الذي كان يبدأ بعد صلاة الفجر بقليل، وما تزال «تطارد وراه»، لتحصيل المبلغ دون جدوى. تُقسم أنها لا تعرف كيف ستتأقلم وعائلتها مع هذه العطلة الإجبارية، ولكن الأمل في هذه الظروف يتجه صوب والدتها حصرًا، فـ«أكيد تلاقي معاها عشرين مخبيتهن حق خبز بس إن شاء الله خير».

سليمان: دليل سياحي

بعد أن رأى أن عدد السيّاح في منطقته في تزايد، قرّر سليمان الحساسين الذي عمل موظفًا في نزل فينان البيئي جنوبي الأردن لمدة تسع سنوات أن يغيّر المسار في شهر كانون الأول من العام الفائت ويبدأ بالعمل لحسابه الخاص. 

يقول سليمان ذو الثلاثين عامًا: «كنت موظف وتركت»، وذلك لأن السياحة كانت «تبشر بالخير كثير فقلت يعني أشتغل أعمل رحلات من ضانا للبترا تكون كويسة يعني». اكتسب سليمان خبرةً واسعة من وظيفةٍ كانت تؤمّن له دخلًا شهريًا يبلغ 400 دينار، وهي العمل كـ«دليل محلي، يعني كنت آخذ السواح على المشي»، ويقودهم في رحلات يومية على ممرّات طبيعية، تتراوح مددها بين أربع وثمان ساعات.

بيد أنه كان يطمح بالمزيد، وفقًا لما رواه لحبر، فإنه كان يأمل في الاستفادة من الخبرة التي حصل عليها في النزل لتأسيس مخيم سياحي، يجلب السيّاح إليه، كما كان يأمل في العثور على شريك يدعمه لتأسيس المشروع. لكن وبخلاف ما كان يأمل، ألغيت النشاطات السياحية التي كان يعوّل عليها في شهر شباط، حيث كان يتوقع وصول سيّاح من إيطاليا، وكانت الأخيرة من أوائل الدول التي حظر الأردن دخول القادمين منها، وأدرك حينها أن عليه الانتظار لرؤية ما ستؤول إليه الأمور قبل تنفيذ أي فكرة.

يقول سليمان، الذي درس المحاسبة في كلية الكرك ثم بدأ العمل بالسياحة ولم ينهِ دراسته، إنه أمام خيارات محدودة على أية حال، فهو يقطن «منطقة نائية بعيدة عن أي إشي، يعني ما فيها أي شغل ثاني»، والسياحة «كانت مصدرنا منشتغل منه، وهسا بعد السياحة ما في شغل عندنا هون». كما أن راتب والده المتوفى لا يكفيه ووالدته التي تسكن معه، و«كل أخواني هسا متجوزين يعني فبتعرفي الواحد لما يكون متجوز يعني يا دوب يلحق على عيلته». بيد أنه ما زال يأمل أن يجتاز الأردن هذه الأزمة، وتعود السياحة إلى سابق عهدها و«كل البلد يستفيد منها يعني مو بس أشخاص!».

سامر: نادل في نادٍ ليليّ

يعمل سامر* (30 عامًا)، منذ شهر تشرين الأول الفائت في نادٍ ليلي في أحد فنادق العاصمة عمّان. يبدأ عمله في الثامنة مساء وينتهي مع أذان الفجر، واستمر على هذا الحال حتى جاءت أزمة الكورونا فأوقفت عمله.

قبل قبول العرض الذي قدّمه له صديقه للعمل في هذا النادي، تنقَّل سامر، وهو متزوج وأب لابنتين، بين عدة وظائف، فقد عمل لسنوات في مطبعة تابعة لإحدى الصحف الأردنية وعدد من شركات الأدوية التي ترك العمل فيها بسبب «ضغط الشغل» وتدني الرواتب، كما يقول لحبر. 

تعطَّل عن العمل لمدة سنة تقريبًا، وحصل خلالها على بدل التعطل لمدة ثلاثة أشهر من الضمان الاجتماعي الذي كان مشتركًا به أثناء عمله السابق. بيد أنه وصل إلى طريق مسدود، وتراكمت الديون خلال هذه الفترة، فلم يجد أمامه إلا أن يكلم أحد أصدقائه ليساعده في العثور على وظيفة جديدة، كونه على صلة بمالك فندق. 

يقول سامر «رنّيت عليه من العشم يعني وقلتله أنا بدي أشتغل مش لاقي شغل مش لاقي أطعمي ولادي يعني بالعربي، قلي أوك ما في مشاكل. نزلت، وكان قالي يوميتك 10 ليرات، واللي بتطلعه تيب إكرامية هاظ إلك».  

عشرة دنانير يوميًا في حالة العمل، فقد يُطلب منه البقاء في المنزل في أيام محددة، عندما لا يكون النادي مكتظًا بما يكفي لتشغيله وزملائه. وفي يوم الجمعة من كل أسبوع، تُخصم من «يوميته» ثلاثة دنانير تُسمى «ضريبة مطبخ»، يقول سامر «كونه الشباب اللي بالمطبخ مش مستفيدين من الصالة فكانوا يوخذوا منا ضريبة 3 دنانير من كل شخص ويعطوهم لتبعون المطبخ». 

استمر سامر بالعمل بهذه الوتيرة حتى يوم السبت من الأسبوع قبل الماضي، عندما عصفت أزمة الكورونا بهذا المصدر الوحيد من الدخل. يقول «وهينا قاعدين عليها يعني، أنا متجوز وعندي إيجار بيت وعندي التزامات في عندي مية قصة». لو اقتصر الأمر على إيجار الشهر الجاري فقط، لربما كان من الممكن التحاور مع مالك البيت الذي يسكنه لاحقًا، وإقناعه بالانتظار، ولكنه، في الواقع، يُطالب بأجرة شهر شباط، إذ يقول سامر «أيوة أنا متأخر.. لأنه شايفة يعني عدم المؤاخذة 10 ليرات أنتِ كونك بنت شو بكفّنك؟ لحالك؟».

بعد إصرار المالك على الدفع تمكن سامر من الدفع بعد الاستدانة، ودَفَع الإيجار المتأخر للبيت الذي يقضي معظم أوقاته، في هذه الأزمة، خارجه. «أنا حاليًا عند نسايبي قاعد، باكل وبشرب عند نسايبي، أو عند والدتي» إذ أن بيتهم «فيش فيه إشي يعني، إذا علي أنا مش مشكلة بدبر حالي، سندويشة فلافل، أما الولاد؟».

بحسب سامر، لا يعني هذا بأي حال من الأحوال أن أيًا من أقاربه هؤلاء في وضعٍ مادي يسمح لهم بدعمه أثناء تعطله، ولكن «شو ما طبخوا هم عندهم ببيوتهم بنوكل». ويقول إنه ربما يظل على هذه الحال حتى انفراج هذه الأزمة، التي لا يدري من سيعوّضه هو وزملاءه الذين يفوق عددهم الأربعين ويتشاركون الحال ذاته.  


* الاسم مستعار، بناء على طلب من صاحبه/ته.