كيف توفيت سيرين بعد عملية متأخرة في مستشفى البشير 

الجمعة 04 أيلول 2020
صورة للطفلة المتوفاة سيرين عناية، عن موقع خبرني. تصميم ندى جفال.

«كانت مريضة أسبوع كامل وتوفت يوم الجمعة»، يقول خالد عناية (50 عامًا) والد الطفلة سيرين والحسرة بادية في صوته بعد فقد طفلته عن عمر لم يتجاوز سبع سنوات في مستشفى البشير الحكومي الأسبوع الماضي، إثر انفجار الزائدة الدودية، بعد أن حال نقص في الأسرة دون إجراء العملية لها في أسرع وقت، بحسبه. 

أثارت وفاة سيرين جدلًا واسعًا حول توفر الأسرة في القطاع الصحي الحكومي، إلا أن وزارة الصحة تقول إنه «لا يوجد نقص في الأسرّة» في المستشفيات التابعة لها، بحسب تصريحها لحبر. فيما صرح مدير عام مستشفيات البشير دكتور محمود زريقات أن الحالات الطارئة لا تتطلب وجود سرير في المستشفى وأن الطبيب الأخصائي هو صاحب القرار في إدخال أي حالة للعملية الجراحية.

وبعد تحقيق داخلي أجرته إدارة المستشفيات، تقرر تحويل ملف وفاة الطفلة سيرين للمدعي العام، والتحقيق قد يطال 12 موظفًا بينهم أطباء مقيمون ومشرفون، حسبما صرح زريقات. وحاولت حبر التواصل مع زريقات لمزيد من الاستيضاح، لكن لم نحصل على رد.

تأخر في العملية ومضاعفات لاحقة

سيرين هي الابنة الأصغر بين أبناء عناية الخمسة، الذين يبلغ أكبرهم من العمر 22 عامًا. وكانت سيرين ستلتحق بعد أيام بالصف الثاني في مدرسة تابعة لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، في منطقة الهاشمي الشمالي في عمّان حيث يسكنون.

يروي عناية لـ«حبر» أن سيرين عانت يوم السبت 22 آب من حرارة مرتفعة وتقيؤ وإسهال، دفعته إلى عرضها صباح الاثنين على طبيب عام في عيادة خاصة، طلب إجراء فحوصات مخبرية لها إضافة للفحص السريري. في اليوم ذاته، وبعد صدور النتائج، اشتبه بحاجتها لعملية استئصال الزائدة الدودية فتوجهت العائلة لمركز صحي الهاشمي الشمالي، حيث أجري لسيرين فحص سريري تقرر إثره تحويلها لمستشفى البشير الحكومي في مساء اليوم نفسه. عرضت على طب الأسرة وأثبتت الفحوصات أنها تحتاج لعملية استئصال الزائدة الدودية، وبعد إجراء فحوصات الدم، حُوّلت للمراقبة وأعطيت محاليل طبية، قبل نقلها لقسم الطوارئ، بحسب والدها. «هناك ما قصروا كمان، عملوا الفحوصات اللازمة إلها وكتبولها على الدخول بسبب حاجتها لعملية زايدة»، يقول عناية.

يتابع عناية أن الإجراءات بعدها تطلبت أخذ موافقة من المناوب الإداري في مستشفى البشير، الذي أبلغهم بعدم توفر الأسرة. «صرنا نحكيله إنه الطفلة ممكن تروح فيها»، يقول عناية، فأجاب المناوب الإداري مجددًا بعدم وجود أسرة في المستشفى وسأل والد الطفلة إن كان لديها تأمين يمكّنه من نقلها لمستشفى خاص، وهو ما لم يمكن متوفرًا لديها. «يعني اللي معه تأمين بصحّله يعيش ويعمل عملية في مستشفى خاص واللي ما معه بموت عادي؟».

استمرت محاولات الأهل للحصول على سرير لإجراء العملية منذ الخامسة والنصف عصر الإثنين وحتى حوالي منتصف الليل، في هذه الأثناء كانت سيرين ترقد على سرير في قسم الطوارئ.

مدير مستشفى الجراحة في مستشفيات البشير الدكتور، قاسم الطرمان، أوضح لحبر أن المناوب الإداري أبلغهم بتواصله حينها مع «مستشفى جميل التوتنجي في سحاب ومستشفى الأمير فيصل بن الحسين في الزرقاء ومستشفى الحسين السلط الحكومي»، وجميعها مستشفيات حكومية، لنقل الطفلة سيرين إليها، لكنها كانت جميعها ممتلئة. 

توفر سريرٍ في العمليات لسيرين يوم الثلاثاء 25 آب عند حوالي الساعة الثانية ظهرًا، وأدخلت غرفة العمليات بعد إجراء الفحوصات اللازمة حوالي الساعة التاسعة مساءً، كما يقول عناية. ويشير إلى أن العملية أجريت قبل نحو ثلاث ساعات من الموعد الذي قرره الأطباء في البداية، بعد أن استنجدت والدة الطفلة بهم وبدأت بالإشارة إلى انتفاخ بطن طفلتها.

«الدكتور طلع من العمليات قال الزايدة كانت مفجورة مع البنت بس إحنا لحقناها وسيطرنا عليها وما تقلقوا»، يقول عناية، لافتًا إلى أن سيرين خرجت من العملية بحدود الساعة العاشرة والنصف ليلًا يوم الثلاثاء، 25 آب. في اليوم التالي، اتصلت به زوجته أثناء عمله في مشغل خياطة يمتلكه في وسط البلد، لتبلغه بأن طفلته تعرضت لمضاعفات وهي متعبة كثيرًا. «تركت شغلي وضليتني رايح عليها على طول». 

أجريت لسيرين صورة طبقية، وبعد نصف ساعة من إجرائها أبلغهم طبيب بأن الطفلة تعاني من «سوائل نتيجة العملية الأولى، فلازم نعمل عملية تانية عشان نعمل تنظيفات، وهذا شيء عادي وبيحصل بالعمليات، ما في خوف»، حسبما ينقل عناية. عندما خرجت الطفلة من العملية عصر الأربعاء، لم يرها ذووها مباشرة فقد تعرضت أثناء العملية لهبوط حاد في الدورة الدموية وضغط الدم وتسارع في نبضات القلب ونقلت لقسم العناية المركزة، ليتمكنوا من رؤيتها بعد ساعتين. 

بقيت سيرين في العناية المركزة يوم الخميس، وفي اليوم التالي، 28 آب، «يوم الحظر الشامل، أجانا خبرها في العناية المركزة»، يقول عناية، لتحول جثتها إلى الطب الشرعي وتشرّح لمعرفة سبب الوفاة. 

تواصلت حبر مع مدير المركز الوطني للطب الشرعي، عدنان عباس، الذي اكتفى بالقول إن سبب وفاة الطفلة يعود لانفجار الزائدة الدودية، وقد أجرت لها عمليتان في مستشفى البشير الحكومي، ولم يذكر مزيدًا من التفاصيل.

يشرح طبيب مختص في جراحة الأطفال، فضّل عدم ذكر اسمه، أن معرفة أعراض التهاب الزائدة الدودية لدى الأطفال مختلف عن الكبار، لأن الأطفال لا يستطيعون تحديد أوجاعهم بشكل دقيق، فينظر لأعراض أخرى مثل الغثيان والتقيؤ، وهي أعراض واجهتها سيرين واستدعت والديها لبدء إجراءات علاجها.

وبحسب الطبيب، فإن تحمل أعراض التهاب الزائدة الدودية يختلف من جسم لآخر، فقد تنفجر بعد ساعتين من الشعور بأعراضها أو بعد أيام، لكن بمجرد تشخيص المريض بإصابته بالتهاب الزائدة الدودية وإدخاله المستشفى يتوجب إجراء العملية الجراحية بأسرع وقت ممكن. كما يقول إن حوالي 17% من مرضى الزائدة الدودية قد يتعرضون لتجمع سوائل ويحتاجون لتداخل جراحي بعد عملية استئصال الزائدة الدودية.

«قدرت أوصل المستشفى يوم الجمعة، وما بعرف كيف أجتني الجرأة أتبرع بقرنياتها، لإنه قلت البنت الله يرحمها توفت، فلعل وعسى واحد غيرها يشوف النور بسبب قرنياتها»، لكن حتى هذه الأمنية لم يحظ بها والد سيرين، فقد أدى انفجار الزائدة الدودية لتسمم في الدم حال دون القدرة على التبرع بأعضائها، بحسب ما أبلغه الطب الشرعي.

نقص الأسرّة والضغط على البشير

بعد أن أثارت الحادثة نقاشًا على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، تدخلت إدارة المستشفى ليقول زريقات إنه «شكل لجنة للتحقق في جميع الإجراءات المتبعة مع حالة الطفلة سيرين في مستشفيات البشير منذ مراجعتها لأقسام الطوارئ ثم إجراء العملية الجراحية وحتى وفاتها، متوعدًا بمحاسبة «المقصرين أو من تسبب أو ساهم في الوفاة». 

زريقات صرح لاحقًا بأنه إثر تحقيق المستشفى فإن جميع الكادر الذي تعامل مع الطفلة منذ دخولها المستشفى وحتى وفاتها حوّل لمدعي عام عمّان، ويبلغ عددهم حوالي 12 شخصًأ بينهم أطباء مقيمون ومشرفون، قد لا يكون جميعهم قصروا لكن القضاء هو الفيصل، يضيف.

بحسب إحصائيات وزارة الصحة لسنة 2019، فإن عدد الأسرة في المستشفيات التابعة للوزارة يبلغ حوالي خمسة آلاف سرير، وأن لكل 10 آلاف مواطن في عمّان يتوفر 18 سريرًا في جميع المستشفيات، بما فيها مستشفيات القطاع الخاص. وعلى صعيد الأردن يتوفر 13 سريرًا لكل 10 آلاف نسمة، وهو أقل من المعدل العام للعالم العربي الذي بلغ 16 سريرًا لكل 10 آلاف، بحسب بيانات البنك الدولي لعام 2014.

ويعد مستشفى البشير أكبر المستشفيات الحكومية إذ يبلغ عدد الأسرة فيه أكثر من 1100 سرير، وهو الأكثر استقبالًا للحالات الطارئة، إذ بلغ عدد مراجعي الإسعاف والطوارئ نحو 560 ألفا لسنة 2019.

تضم عمّان ثلاثة مستشفيات حكومية، هي إضافة للبشير، مستشفى التوتنجي ومستشفى الأمير حمزة. لكن وخلال جائحة كورونا الحالية، حوّلت وزارة الصحة مستشفى حمزة، والذي يضم 700 سرير، لاستقبال مرضى فيروس كورونا، إضافة إلى عمليات القسطرة الطارئة ومراجعي العيادات، بحسب مدير المستشفى الدكتور عبدالرزاق الخشمان. وكان العام 2019 قد شهد مراجعة أكثر من 195 ألف شخص للإسعاف والطوارئ في مستشفى الأمير حمزة بحسب إحصائيات وزارة الصحة. 

يقول الطرمان، إن تخصيص مستشفى حمزة لاستقبال حالات كورونا بالدرجة الأولى أدى لضغط على مستشفى البشير الحكومي. ويفيد طبيبان قابلتهما حبر عملا في مستشفى الأمير حمزة ومستشفى البشير الحكومي وفضلا عدم ذكر اسميهما بأنهما كثيرًا ما واجها مشكلة في عدم كفاية الأسرة لكافة المرضى المدخلين. وفي هذه الحالة يقف الطبيب عاجزًا وعلى المريض أو عائلته أن يتولوا أمر إدخاله لمستشفى حكومي آخر أو التوجه لمستشفيات خاصة. 

وكان والد الطفلة قدم شكواه أمام مدير مستشفى الجراحة الأربعاء الماضي، بحسب الطرمان، الذي أفاد بأنه نتيجة متابعتهم للشكوى وإجراء تحقيق داخلي فإن القضية منظورة اليوم أمام مدعي عام عمان. 

«قدر الله وما شاء فعل، لكن في احتمالية لو 20% إنه في المستشفى لو قاموا بالدور الصحيح اللي موكل إلهم كان يمكن عاشت البنت»، يختم والد الطفلة.