كيف سارت عمليات توصيل المونة للمنازل؟

الأربعاء 15 نيسان 2020
عامل يرتب البضائع في سوبرماركت في عمّان، 2013. تصوير دعاء علي.

انتظرت سهى* (73 عامًا) بفارغ الصبر قرارًا يسمح بخدمة توصيل حاجيات المنزل الأساسية عبر تطبيقات إلكترونية أو عبر الطلب على الهاتف، منذ فرض حظر تجول في الأردن لاحتواء فيروس كورونا المستجد في 20 آذار. فرغم السماح بفتح الدكاكين الصغيرة بعد خمسة أيام من الحظر، إلا أن سهى التي تعيش وحدها في شقة قرب الدوار الرابع في عمّان لم تتمكن من تلبية حاجياتها بعد أن منع القرار خروج كبار السن من المنزل، إضافة إلى أن الحي الذي تعيش فيه ليس بقربه أي بقالة.

«قالوا فتحوا الدكاكين والسوبرماركت بس بدك تروحي مشي، وفش إشي جنبي مشي أبدًا. ممنوع أطلع لإني فوق الستين، ولو في عندي حدا يوصل ما في إشي قريب»، تقول سهى. 

في 29 آذار، أطلقت الحكومة منصة «مونة» وهي منصة إلكترونية تدرج قوائم بمحال تجارية وتطبيقات توفر خدمة توصيل المواد الغذائية إلى المنازل. عندها سارعت سهى لتحميل عدد من تطبيقات شراء وتوصيل الحاجيات. «نزل موقع مونة، جربت تطبيقات أول يوم ما زبط، بعدين جربت محلين مش من خلال التطبيقات بتقدر عالواتس آب تطلبهم»، وهو الحل الذي اعتمدته.

ووفق مؤسس موقع طقس العرب، محمد الشاكر، الذي طوّر وفريقُه منصة «مونة» برمجيًا، فقد زار المنصة حتى الثلاثاء أكثر من ثلاثة ملايين زائر. 

وبحسب تصريحات رئيس مجلس مفوضي هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، غازي الجبور، لحبر فإن نحو ثلاثة آلاف مركبة تعمل حاليًا في خدمة التوصيل لأنحاء المملكة كافة، تحت مظلة 85 شركة من شركات البريد والتوصيل سمح لها بالعمل وفق شروط

ما آلية اعتماد جهات التوصيل؟ 

في الأردن نحو 13 ألف مركبة تعمل من خلال تطبيقات النقل الذكية، إضافة إلى نحو 17 ألف تاكسي أصفر، تأخر السماح لها بالعمل في خدمة التوصيل للمنازل.

يقول وزير الاتصال الرقمي والريادة، مثنى غرايبة، لحبر إن عدم تشغيل تطبيقات النقل الذكية والتاكسي الأصفر منذ بداية خدمة توصيل المواد التموينية يعود لاعتبارها شركات نقل ركاب وليس شركات توصيل مواد غذائية، والأمر كان يستلزم تجهيزها قانونيًا. ويضيف أن دخول هذه الوسائل إلى عملية التوصيل تدريجيًا يسهل التحقق من جاهزية المركبات صحيًا والتزام المركبات والسائقين بمعايير التعقيم، بحسبه.

بينما يقول الجبور إنه نظرًا لاختصاص التاكسي الأصفر بنقل الركاب فإنه يتبع لوزارة النقل، لكن ليكون قادرًا على العمل في خدمة التوصيل، فعلى مكاتب التاكسي أن تستكمل إجراءات ترخيصها لغايات التوصيل. أما التاكسي الذي لا يعمل مع أي مكتب، فبإمكانه الانضمام لشركة مرخصة.

ولم تجب وزارة النقل وهيئة تنظيم النقل البري على أسئلة حبر المتعلقة بآلية تشغيل التاكسي الأصفر لخدمات التوصيل المنزلي، لكن مدير عام هيئة تنظيم النقل البري صلاح اللوزي قال في تصريح عبر وكالة الأنباء الرسمية بترا إن لدى الهيئة خطة «بإدخال ألف سيارة أجرة لتقديم خدمة التوصيل المنزلي وإخراج مثلها كل ثلاثة أيام». 

أحمد أبو حيدر نقيب أصحاب السيارات العمومية يرى أن السماح لكل ألف تاكسي بالعمل لمدة ثلاثة أيام لن يكون عادلا نظرًا للأعداد الكبيرة من التاكسي، مما سيعني أن التاكسي الواحد لن يستطيع العمل سوى لثلاثة أيام من أصل أسابيع. ويقترح أبو حيدر أن يوزع دور التاكسي في توصيل الخدمة بناء على أرقام المركبات وفق آلية فردي/زوجي.

ورغم  تصريح صحفي لوزير النقل، خالد سيف، قال فيه إن للتاكسي الأصفر دور كبير في عملية توصيل احتياجات المواطنين لمنازلهم في ظل الأزمة، وأن السماح لهم بالعمل على تقديم الخدمة سيكون اعتبارًا من  الأحد الماضي، إلا أن مدير وحدة تنظيم البريد في هيئة الاتصالات، سهم الطراونة، أكد لحبر أنه حتى يوم الثلاثاء لم يسجل أي مكتب تاكسي أصفر في الخدمة. إذ ترفض وزارة الصناعة والتجارة تنفيذ إجراء إضافة غاية التوصيل للمنازل للمكاتب الراغبة بالتسجيل، كما يقول. 

فوفقًا للشروط المقررة، على مكاتب التاكسي الراغبة بالتوصيل أن تضيف لسجلها في وزارة الصناعة والتجارة «غايات التوصيل أو تقديم خدمات بريدية»، وبعد ذلك تدفع رسوم الرخصة البالغة ألف دينار، وتقدم لهيئة الاتصالات كفالة بنكية بقيمة 2000 دينار، وفق الطراونة.

وبحسبه، فرغم أن هيئة الاتصالات وافقت من حيث المبدأ على تسجيل شركتي نقل عبر التطبيقات الذكية وشركة نقل بالأجرة، لغايات التوصيل، إلا أن هذا الإجراء لا يعد مكتملًا دون تعديل غايات الشركة لدى وزارة الصناعة والتجارة، وهو ما يعطل عمل مكاتب التاكسي، وبعض شركات النقل عبر التطبيقات الذكية المسجلة لدى هيئة الاتصالات. ووفق الطراونة، هناك شركة نقل ذكية واحدة كانت مسجلة قبل الأزمة لدى وزارة الصناعة والتجارة كشركة تشمل غايات التوصيل، لذا تطلّب بدء عملها إجراءات بسيطة، وسمح لها بألف مركبة تعمل في عمّان وإربد عبر التطبيق الذي تملكه، والمسجل على منصة مونة. وزارة الصناعة والتجارة اكتفت في ردها على حبر بالقول إن كل ما يتعلق بعمل التاكسي الأصفر هو من صلاحيات وزارة النقل. 

وتنقسم الشركات المسجلة في موقع مونة للعمل بخدمة التوصيل إلى نوعين؛ فهناك تطبيقات لمحلات تجارية عليها التعاقد مع شركات توصيل مرخصة لتزويد الزبائن بالمواد التموينية، وأخرى تنسق مع محال تجارية لتمكن الزبون من الوصول عبرها إلى عدة متاجر؛ لكن بعض هذه التطبيقات تتبع لشركات مرخصة للتوصيل، بينما لا تملك أخرى مركبات مرخصة فتلجأ بالضرورة للتعاقد مع شركات توصيل مرخصة. 

وبحسب سهى، فإن محلات تجارية كبرى اعتادت الشراء منها قبل الأزمة لم تسعفها، فالتطبيقات الذكية الخاصة بها تتوقف عن العمل عند آخر خطوة، أي قبل إرسال الطلب، إلا أنها تمكنت من الاعتماد على محلين آخرين يستخدمان خدمة التوصيل عبر «واتس آب» لتأمين حاجيتها التي وصلت خلال يوم، وهو ما تعتبره سهى سرعةً معقولة في ظل الظروف.

على منصة مونة، يظهر توضيح يقول إن المنصة جهة محايدة وغير مسؤولة عن جودة الخدمات المقدمة من الجهات المذكورة فيها، لكن توجد أرقام هواتف للشكاوى عن الأسواق أو الأسعار أو التوصيل. يقول الجبور إن الشكاوى التي وردتهم بخصوص التوصيل حتى 8 نيسان تقل عن عشرة، دون ذكر مزيد من التفاصيل، بينما لم ترد وزارة الصناعة والتجارة على استفسارات حبر بخصوص الشكاوى الواردة عن الأسواق أو الأسعار.

وحسبما قال الشاكر لحبر، فإن 45 تطبيقًا ومتجرًا إلكترونيًا سجلت في منصة «مونة»، لكنهم جميعًا من مقدمي خدمة التوصيل قبل الأزمة، كما أن أي مزود خدمة إلكترونية للمواد التموينية يرتبط مع شركة توصيل مرخصة.

ويشير غرايبة إلى أن منصة مونة لم تكن تطبيقًا للتوصيل لأن الحكومة منظّم للعملية وليست مشغلًا، بحسبه. «واجب الحكومة تدل الناس ع الموضوع. القطاع الخاص هو مقدم الخدمة والأكثر قدرة على ضمان جودة الخدمة من خلال المنافسة»، يقول غرايبة.

تجارب متفاوتة مع التوصيل للمنزل

واجهت لمى إبراهيم (39 عامًا) التي تعيش مع طفلتيها في منطقة طبربور في عمّان صعوبات بالحصول على طلبها باستخدام خدمة التوصيل، وهي التي تفضل هذه الآلية على الخروج من المنزل خوفًا على صحتها وصحة ابنتيها، فبعد اختيار حاجياتها يتبين أن الطلب سيصل بعد أسبوع، أو أحيانًا يتوقف التطبيق عن العمل، وأخيرًا بعد تجارب عدة مع تطبيقات ومحال تجارية لم تزودها بما تطلبه، استطاعت العثور على تطبيق مزود لخدمة التموين من عدة محال تجارية.

تقول لمى إنها جربت التطبيق مرتين. «كل شي وصلني وعم يتوسعوا. أول يوم كانت الخيارات محدودة وكان لازم أتكلف أطلب من مكانين، بس بعدين صرت أقدر أوصي من مكان واحد»، إلا أن لديها انتقادًا في المرة الثالثة إذ استغربت وجود نقص في طلبها، وعدم التزام موظف التوصيل بارتداء قفازات طبية، مما دفعها للبحث عن تطبيق آخر. ليست هذه مشكلة لمى الأبرز بل الإصرار على دفع ثمن الطلب نقدًا، «المشكلة عندي بالكاش أنا مو ناوية أطلع من البيت، وفش إلا تدفعي كاش، ما في تدفعي فيزا. ما عم يتعاملوا بالماكينة».

ثائر العموري (29 عامًا) هو أحد مالكي شركة توصيل في عمّان. بعد الجائحة، إذ اضطرت شركته لتحويل عملها من توصيل بضائع متنوعة لأصحاب مشاريع صغيرة يروجون لمنتجاتهم وبضائعهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مختلف المحافظات، إلى توصيل مواد غذائية من محال تجارية في عمّان.

يوضّح العموري أن شركته أرسلت أسماء 22 موظفًا يعملون في التوصيل إلى هيئة تنظيم قطاع الاتصالات للحصول على تصاريح للتنقل، لكنهم حصلوا على 14 تصريحًا. ورغم أن التصاريح التي حصلت عليها مركبات شركة العموري تخوّلهم للتنقل بين جميع المحافظات، إلا أنهم اختاروا العمل في عمّان. «عم نشتغل بعمان حاليًا لإنه ما في حجم شغل بالمحافظات، وسعر الطلب الواحد دينارين في عمان، يا دوب موفية»، يقول العموري.

«الناس بتطلب من المولات، والمولات بتجهز الطلبات، وإحنا بنروح بنستلمها وبنوصلها للناس، وبنحاسب الناس، وبنرجع المصاري للمولات والهايبرماركت. في ناس بتدفع كاش، وفي ناس بكونوا محاسبين [إلكترونيًا]»، يشرح العموري، مضيفًا أن تعقيم السيارات أمام مبنى هيئة تنظيم قطاع الاتصالات إلزامي، وهي خطوة يرى أنها مهمة للحفاظ على صحتهم وصحة الزبائن. إذ تتواجد مركباتهم هناك يوميًا تمام الثامنة صباحًا، ليبدأوا باستلام الطلبات من أربعة محال تجارية نسقوا معها عند الساعة العاشرة صباحًا.إلا أن أبرز صعوبة تواجه عمل الشركة بحسبه هي ضيق الوقت المتاح لإيصال الطلبيات. إذ يستمر توصيل الطلبات من الساعة 10 صباحًا وحتى 6 مساءً تماشيًا مع قرار حظر التجول المعمول به لمكافحة كورونا بموجب قانون الدفاع

يقول سفيان العبادي، وهو مدير التسويق في محل تجاري كبير في عمّان وأحد مالكيه، إن المحل تعاقد مع شركة توصيل توفر لهم في اليوم نحو 30 مركبة لإيصال ما يزيد عن 400 طلب يوميًا، يغطون بها مناطق عمّان الغربية. لكن المحل اضطر لتشغيل 25 موظفًا فقط من أصل 250 موظف لتجهيز الطلبات والنظر في أمور التوصيل التقنية، حسب العبادي، التزامًا بتعليمات الحكومة بالعمل بالحد الأدنى للحفاظ على صحة الموظفين، الذين يقول العبادي إن المحل يحرصو على توفير شروط السلامة العامة لهم باستمرار. «في ضغط بالطلبات ووقت قصير بخلينا نشتغل على طلبات من أسبوع تقريبًا» يقول العبادي.

وتضاف قيمة التوصيل إلى الفاتورة، حيث يحاسب المحل التجاري شركة التوصيل في وقت لاحق يحدد بينهما، حسب العبادي. ويقول الوزير غرايبة إن الحكومة لم تحدد سعر التوصيل، لكنها حددت سقفًا سعريًا لا يتجاوز دينارين «حتى لا يُستغل الموضوع». 

ويقول العبادي إن محله لا يعتمد لمحاسبة الزبائن حتى الآن سوى على النقد (الكاش)، نظرًا لكلفة استخدام ماكنات بطاقات الائتمان والصراف، وصعوبة ضمان عملها دومًا. لكن غرايبة قال إن التعامل النقدي سيمنع في خدمة التوصيل قريبًا، دون أن يحدد موعدًا لذلك، حيث سيكون الدفع الإلكتروني المسبق لخدمة التوصيل هو الآلية الوحيدة المتاحة، ومن لا يملك حسابًا بنكيًا بإمكانه فتح محفظة إلكترونية. ويقدر الوزير أن 80% من الناس سيتمكنون من استخدام هذه الآلية. 

ونشرت منصة مونة تدابير سلامة لموزعي المواد التموينية، أبرزها عدم استخدام مستلزمات الوقاية الشخصية، وترك مسافة أمان عند التسليم، وعدم خلع مستلزمات الوقاية إلا في وسيلة التوزيع، وعدم دخول المحل التجاري واستلام البضائع من الخارج، الحد من استخدام الأوراق النقدية والتركيز على الدفع الإلكتروني، وتجنب دخول عمارة الزبون بحيث يكون التسليم خارج المبنى، وتعقيم السيارة بشكل مستمر تحديدًا الأبواب، وعدم استخدام الكحول المطهر داخل السيارة.

إحدى الشركات التي تمتلك تطبيقًا لتوصيل الطلبات من مطاعم للزبائن قبل الجائحة، تعمل حاليًا بالشراكة مع محال تجارية على توصيل مونة المنزل أيضًا في عمّان وإربد، مقابل دينار واحد، وفق هلا سراج مديرة فرع الشركة في الأردن. إذ حصلت الشركة على 400 تصريح، 80% منها لموظفيها الذين يتقاضون راتبًا شهريًا ونسبة عن كل توصيل، ويعملون بمركبات الشركة على توصيل أكثر من ألف طلب يوميًا، و20% من التصاريح لشركات توصيل تعاقدت معهم لمساندتها في العمل. وتعمل الشركة مع 20 محلًا تجاريًا في عمّان وسبعة محال في إربد، بحسب سراج.

العاملون في التوصيل

حولت الشركة التي يعمل موظف التوصيل ناصر (28 عامًا) لصالحها في عمّان براتب شهري نمطَ عملها ليخدم المحال التجارية بتوصيل مواد غذائية، لأول مرة بعد أزمة كورونا. لكن ظل نطاق عمل ناصر في العاصمة، في جزئيها الشرقي والغربي.

يمتد عمل ناصر من السبت إلى الخميس باستثناء أيام الحظر الشامل، إذ يقود مركبته صباحًا من منزله في منطقة جاوا في عمّان باتجاه هيئة تنظيم قطاع الاتصالات قرب الدوار الثامن، لتعقيم السيارة ثم الانطلاق. ويوزع ناصر مواد غذائية لمحل تجاري في منطقة العبدلي. «كل 10 أوردرات بتطلع سيارة خلال ربع ساعة، مش مهم المنطقة، بنوزع لو لمناطق مختلفة».

ويتابع أن أكثر صعوبة يواجهها هي ضيق الوقت، حيث يجب أن ينتهي من العمل في الخامسة. ويروي أنه في إحدى المرات تأخر في إيصال طلبية إلى منطقة الجبيهة حتى الساعة السادسة، ثم تعطلت مركبته «وصرت أمشي بالسيارة شوي شوي للبيت وبالشارع لحالي ما حدش معي، كل نقطة توقفني الشرطة وأشرحلهم الوضع. وصلت البيت الساعة 8 الحمد الله بسلام».

ليس هذا وحده ما يقلق ناصر الذي يسكن مع شقيقه ووالديه الستينيين، إذ يخشى على صحتهم مما يدفعه لأخذ الحيطة والاستحمام والتعقيم فور دخول المنزل، ثم عزل نفسه في غرفته على مدار اليوم. «صرت أول ما أوصل البيت بفوت ع غرفتي وبسكر الباب، ما بشوف حدا ولا حدا بشوفني، عازل حالي من حالي، ممكن يكون الواحد لا سمح الله أخذ المرض، الوقاية أفضل».

وتتفاوت آراء من التقتهم حبر ممن يعملون في خدمة توصيل المواد التموينية بين من يجد فيها دخلًا إضافيًا وبين من يرى أنها لم تعد مجدية منذ حظر التجول. فعميد (21 سنة) الذي في خدمة التوصيل لصالح شركة خاصة في محافظة الزرقاء بنظام المياومة، يوصل مواد تموينية لسكان المحافظة بعد أن اعتاد قبل حظر التجول توصيل طلبات مطاعم للزبائن. ويشتكي من أنه بالكاد يحصل على مصروفه اليومي وبنزين السيارة. «خفيف عنا شغل الديلفري.. الناس شو بدها توصي؟ بكيت شيبس، بكيت رز؟ [غالبًا] بتوخذ من الدكانة اللي جنبها». إلا أن ذلك لم يحُل دون عمله لتوصيل مواد أخرى، مثل أكل الحيوانات الأليفة.

سعيد* (33 عامًا) يعمل موظفًا في البريد الأردني منذ 13 عامًا، ولديه طفلان (ست وثماني سنوات). منذ الجائحة، يعمل في توصيل مواد تموينية لصالح البريد، بالتنسيق مع متجر في عمّان. ويجد في خدمة التوصيل وسيلة جيدة لمنع الاكتظاظ، وتعزيز دخله، إذ يتقاضى شهريًا 400 دينار أردني، إضافة إلى نصف دينار عن كل طلب توصيل.

ماذا عن المحافظات؟

قد تكون تجربة سكان المحافظات مع آلية توصيل «المونة» مختلفة، فطارق (36 عامًا) الذي يسكن في منطقة المرج في الكرك جنوبًا يجد صعوبة في شراء حاجياته من السوق الذي يبعد عن منزله نحو 2 كيلو متر. «خدمة توصيل عنا في الكرك هون ما في»، يقول طارق الذي يشتري مونة لعائلته المكونة من زوجته وطفليه، إضافة لشراء حاجيات والديه وعائلة زوجته الذين يسكنون قربهم، لافتًا إلى أنه يضطر أحيانًا للخروج بشكل مخالف في مركبته للتمكن من توفير ما يحتاجونه من مستلزمات.

على صفحة مونة، لا يظهر أي محل تجاري يوفر الخدمة في الكرك باستثناء تطبيقين إلكترونيين، يقول حسين (26 عامًا) الذي يعيش في مدينة الكرك مع والده ووالدته وشقيقته، إنهما لا يعملان. لكن وبعكس طارق، فإن حسين يسكن في منطقة قريبة من الدكاكين التي توفر كل ما يحتاجه، إلا أنه يفضل لو توفرت خدمة توصيل تسمح لهم بالبقاء أطول وقت ممكن في المنزل حفاظًا على صحتهم. بينما يؤكد الجبور أن هناك 34 مركبة مسجلة بخدمة توصيل المونة في محافظة الكرك.

حسن رشيدات (56 سنة)، الذي يعيش في بلدة الطرة التابعة للواء الرمثا، يقول إنه لا يستخدم خدمة التوصيل، ولا هي شائعة في بلدته. فهو يعيش مع زوجته وأولاده وأحفاده في شقتين متجاورتين، ويبلغ عددهم 11 شخصًا، ويفضل الذهاب إلى المحلات مشيًا. «أبعد مسافة 10 دقايق مشي (..) كل شي موجود».

في إربد، تحديدًا في الحي الشرقي، يقول عبد الرحمن العدوان (26 عامًا) الذي يعيش مع والديه وشقيقين، إنه جرب أحد التطبيقات الإلكترونية للتوصيل لكنه لم يفلح، إذ أن خدمة التوصيل التي يقدمها لا تتعدى العاصمة عمّان، إلا أنه تمكن من الاستفادة من هذه الخدمة عبر محال تجارية متوفرة في إربد «ببعثلهم واتس أب او رسائل نصية وبوصلولنا». ومع ذلك يفضل عبد الرحمن شراء حاجياته بنفسه مع أخذ احتياطات السلامة العامة «كل شي متوفر وفي دكاكين حوالينا بشتري وبظل أسبوع ما بطلع».

وتقول سراج، التي تعمل شركتها في التوصيل في إربد وعمان، إن عملية تعقيم المركبات التابعة لطلبات في إربد تتم بالتعاون مع محل تجاري تزوده بالخدمة وشركة خاصة. في حين يوضح رئيس بلدية إربد، حسين بني هاني، أن البلدية أعلنت عن تقديم خدمة تعقيم المركبات مجانًا عند مديرية الطوارئ التابعة للبلدية، لكن هذه الخدمة اختيارية وليست إجبارية.

 أما في السلط، فيوضح رئيس بلدية السلط، خالد الخشمان، أن تعقيم مركبات التوصيل عبر التطبيقات الذكية يتم يوميًا كل صباح عند مبنى البلدية، ولم يذكر مزيدًا من التفاصيل. لكن الطراونة، من هيئة الاتصالات، يوضح أن تنسيق آلية تعقيم مركبات التوصيل في المحافظات يتم مع المحافظة حيث توقع شركات التوصيل على تعهد بتعقيم المركبات مع شركات أو جهات متخصصة.

وقدرت دائرة الإحصاءات العامة عدد سكان محافظة الكرك لعام 2019 بـ350 ألف نسمة ومحافظة إربد بنحو مليونين وفي الزرقاء حوالي مليون ونصف المليون نسمة من أصل 10 ملايين يعيشون في الأردن بينهم أكثر من 4 ملايين يعيشون في العاصمة عمّان.

ويوضح الجبور لحبر أن نحو 70% من مركبات التوصيل تعمل في عمّان بواقع 2391 مركبة حتى يوم الخميس، و289 مركبة تعمل في إربد، و38 في العقبة، و25 في السلط، و34 في الكرك، و99 في الزرقاء، و4 مركبات في معان، و22 في مأدبا، و6 في الرمثا، و14 في المفرق، و14 في الطفيلة، و22 مركبة في جرش، وذلك قبل بدء السماح بعمل التاكسي الأصفر وتطبيقات النقل الذكية في التوصيل.

وبحسب الجبور فإن لدى الهيئة تصورًا بأن يصل عدد المركبات المشاركة في الخدمة إلى خمسة آلاف خلال أسبوعين، لافتًا إلى أن التركيز على عدد مركبات أكبر في العاصمة سببه التعداد السكاني الأكبر إضافة إلى أن ثقافة الشراء المباشر مفضلة أكثر في المحافظات، ويقول إن هناك مساع لأن تصبح وسيلة التسوق عبر الإنترنت ثقافة بين الأردنيين، وستتحسن الخدمة أكثر بعد انتهاء حظر التجول، بحسبه.

ويقول الشاكر لحبر إن أعداد الزوار المرتفعة للمنصة تدل على حجم التحول المرتفع لهذا الخيار في ظل الظروف الراهنة، بحسبه. ويلفت أيضًا إلى أن المنصة مربوطة مع مؤسسة الضمان الاجتماعي فيما يتعلق بإتاحة الحصول على معونات عينية لعمال المياومة ومن تجاوز سن السبعين من غير المقتدرين.

مؤخرًا، قررت الحكومة السماح للمواطنين بشراء مستلزماتهم من مراكز التسوق الكبيرة المختصة بالمواد الغذائية اعتبارًا من 13 نيسان خلال ساعات رفع الحظر، وفق ضوابط عدم الاكتظاظ لتلافي العدوى والوصول لهذه المراكز سيرًا على الأقدام، مما يعني أن الحاجة ما زالت ملحة لخدمة توصيل توفر الوقت والجهد.

ويرى غرايبة أن أهم ما يمكن تقديمه لتطوير الخدمة هو أن يعتاد المواطنون الدفع الرقمي وسهلت الحكومة ذلك عبر المحافظ الرقمية، مضيفًا أن الحاجة للشراء الإلكتروني واستمرار الشركات المزودة للخدمة بتطوير نفسها سيسهم في رفع الثقة بها، بحسبه.

* اسم مستعار.