عمّال وموظفون يخرجون من مناطق العزل للتشبث بأعمال هشّة

من سوق البقعة ليل الأربعاء. تصوير عمّار الشقيري.

عمّال وموظفون يخرجون من مناطق العزل للتشبث بأعمال هشّة

الإثنين 05 تشرين الأول 2020

قبل يومٍ من سريان قرار العزل في مخيم البقعة وبعض أحياء الزرقاء، الخميس الماضي، انتقل عدد من القاطنين فيها إلى خارج مناطق سكّناهم خوفًا من فقدان أعمالهم، بعد رفض بعض أصحاب العمل منح إجازات لهؤلاء العاملين، فيما قرّر أصحاب عمل آخرون تخفيض رواتب العاملين لديهم إلى النصف تبعًا لما سمحت لهم به أوامر الدفاع، في حال عدم تمكن هؤلاء العاملين من الدوام بسبب العزل.

أمضى هؤلاء العمّال، الذين تمكنوا من مغادرة أماكن سكناهم، الأيام الأولى عند أقرباء لهم، أو في أماكن العمل، أو في شقق مستأجرة. وكان من بينهم عمّال مياومة وعاملون لحسابهم الخاص. بينما لم يتمكن آخرون من الخروج من مناطق العزل، ولم يستطع آخرون يسكنون في مناطق غير معزولة الوصول إلى أعمالهم التي تقع في أماكن العزل.

عمال البقعة يبحثون عن مكان للمبيت في عمّان

كان من بين العمال الذين خرجوا من أحيائهم العشريني حسام العاص، الذي يسكن مخيم البقعة ويعمل كأمين صندوق في أحد مطاعم عمّان. فور إعلان لجنة استدامة سلاسل العمل والإنتاج والتوريد، في 29 أيلول الماضي، عزل مخيم البقعة وفرض حظر التجوّل الشامل فيه ابتداء من يوم الخميس، الأول من تشرين الأول وحتى صباح الخميس الذي يليه، خرجت مجموعات من الشباب خارج المخيّم بقصد الإقامة في منطقة لا يشملها العزل، وكان العاص من بينهم.

بحث العاص عن شقّة للإيجار لمدّة أسبوع أو اثنين، ومع مساء اليوم التالي، الأربعاء، فقد الأمل؛ إذ لم يجد ما يبحث عنه، وكانت الخيارات المتاحة مرتفعة التكلفة. فتواصل مع مدير عمله لمناقشة وضعه، وكان الرد أنَّ فكرة عدم التحاقه بالدوام مرفوضة.

كان الوقت يوشك أن ينقضي قبل دخول المخيم في العزل، فعاود العاص التواصل مع صاحب العمل، وجرى الاتفاق أخيرًا بينهما على أن يبيت في مكان العمل. «إذا بدك تحكي للشغل لأ مثلًا، تخسر شغلك»، يقول العاص، الذي جهّز حقيبته وأغراضه الشخصيّة لتكفيه مدة 14 يومًا، تخوّفًا من تمديد الحظر لأسبوع آخر.

نام العاص الليلة الأولى في غرفة ملحقةٍ بمكان العمل على كنبةٍ إذ لم يكن السرير متوفرًا، ولم يستطع النوم حتّى ساعات الفجر الأولى. بالرغم من ذلك استيقظ يوم الخميس عند الساعة العاشرة وباشر عمله، ومع نهاية دوام الخميس، بدأت عطلته الأسبوعيّة، لذا قرّر المبيت في بيت نسيبه في حي نزّال.

حسام العاص ببيت نسيبه في حي نزّال. تصوير عمّار الشقيري 

عمل العاص بعد إنهاء الثانويّة العامة في مطاعم سياحيةً في عمّان، وعندما تدهور وضع القطاع بسبب جائحة كورونا، اتجه للعمل في هذا المطعم، الذي يصنّف كمعطمٍ وجبات عربية سريعة، لقاء أجر يبلغ 400 دينار شهريًا، ينفق منها أربعة دنانير يوميًا أجور مواصلات. ويبدأ عمله يوميًا في الساعة الـ12 ظهرًا وحتّى الساعة 10 ليلًا، ما عدا الجمعة.

مؤخرًا خفّض المطعم الذي يعمل فيه العاص عدد العاملين فيه من ستة إلى أربعة، بسبب سوء الأوضاع التي يمرّ بها. «لما ييجي واحد من الأربعة يعطّل، ما في حدا يغطّي مكانه. يا إما تجيب حدا مكانك»، يقول العاص.

يعتقد العاص أن العزل بهذا الشكل لن يكون مجديًا في مواجهة انتشار الفيروس، ويقترح بدلًا من ذلك فحص العاملين في مكان عملهم بدلًا من العزل. «هيني أنا لو معي كورونا، هيني طلعت على عمان ونشرت الفيروس».

يقول الناطق باسم الوزارة محمد الزيود لـ«حبر» إنَّ عدد الشكاوى المقدمة منذ بدء الجائحة وحتى نهاية شهر أيلول بلغ 52 ألف شكوى متعلقة بالأجور وإنهاء الخدمات.

يقدَّر عدد العيّنات التي يجري سحبها في المخيم يوميًا بـ350 عيّنة من أصل ما بين 500 إلى 700 عيّنة تؤخذ يوميًا في محافظة البلقاء، من المصابين والمخالطين ومخالطي المخالطين، إذ لم يعد الفحص العشوائي معتمدًا، وفقًا لمدير صحّة البلقاء، وائل العزب، الذي يصف عدد المصابين في المحافظة بأنَّه «شوي مهول».

تحتل محافظة البلقاء، التي يقع المخيّم ضمنها، المرتبة الأولى بين المحافظات في تسجيل الإصابات خلال الموجة الثانية نسبةً لعدد السكان. فهناك إصابة بفيروس كورونا لكلّ 489 شخص في المحافظة، خلال الشهرين الماضيين،[1] مقابل مصاب لكل 778 شخصًا في محافظة العاصمة، التي تحلّ الثانية. بينما يبلغ مجموع الإصابات في مخيم البقعة وحده 276 حالة، وفقًا لمحافظ البلقاء نايف الهدايات. ويبلغ عدد سكّان المخيّم 160 ألف نسمة، وفقًا لرئيس لجنة خدمات المخيم، وليد عبد الرحمن.

وصباح اليوم، دخل عزل منطقة عين الباشا عن باقي مناطق محافظة البلقاء، وفرض حظر تجوّل شامل فيها، حيز التنفيذ.

في حين حسم العاص أمره، كانت ساعات مساء الأربعاء ثقيلة على الجزّار محمد حجازي، الذي يسكن المخيم أيضًا ويعمل في ملحمة في البيادر منذ 11 سنة. لم يكن حجازي ليستطيع أن يستأجر بمفرده مكانًا ليبيت فيه حتى يستمر بعمله، لكنه أيضًا لم يجد من يشاركه المسكن. «بكرة بالحظر كيف أنا بدي أطلع من المخيم. أنا اللي زيّي لحالي بالبيادر، منين بدي أشوفلي واحد معاي؟»، يقول حجازي الذي سلّم أمره أخيرًا وبقي في المخيم.

يعيل حجازي ثلاثة أولاد، ويدفع أجرة بيت قدرها 100 دينار شهريًا، ويعمل على نظام المياومة لقاء 17 دينار يوميًا، حيث يخرج لعمله يوميًا الساعة 7 صباحًا ويعود في الساعة 7 مساءً. «أقسم بآيات الله، زلمة طويل عريض أبو دار (..) أفرجيك شو بجيبتي مخبي للحظر؟»، يقول حجازي ويُخرج من جيبه دينارين.

محمد حجازي في سوق البقعة ليل الأربعاء. تصوير عمّار الشقيري.

يطلب بعض الشباب العاملين خارج المخيم من لجنة الخدمات كتبًا تفيد بأنهم يسكنون المخيم على أمل الحصول على تصاريح تخولهم التنقل، لكن الهدايات يؤكّد لحبر رفضه منح أي تصريح لأي شخص. «إنت بتحكي عن منطقة [تمثل] مخزون كبير جدًا من العمال العاملين، سواء في عمّان أو في المناطق الأخرى. إذا بدك تعطي تصريح بتحكي عن آلاف، فإحنا [في حال منح التصاريح] ما استفدنا من الحظر إشي».

ينصّ البلاغ رقم 9 الصادر بموجب أمر الدفاع 6 لعام 2020، والخاص بتنظيم دوام وأجور العاملين في القطاع الخاص القاطنين في المناطق المعزولة ويعملون خارجها، على السماح لصاحب العمل بتخفيض ما لا يزيد على نصف الأجر الشهري للعامل، شرط ألا يقل الأجر بعد التخفيض عن الحد الأدنى للأجور.

ينصّ البلاغ رقم 9 على السماح لصاحب العمل بتخفيض ما لا يزيد على نصف الأجر الشهري للعامل، شرط ألا يقل الأجر بعد التخفيض عن الحد الأدنى للأجور.

استند صاحب عمل العشريني عصام*، الذي يسكن بالمخيم ويعمل بنادٍ للياقة البدنية في عمّان، إلى هذا البلاغ. إذ كان عصام قد أرسل لمديره في وقت متأخر من ليل الثلاثاء نيّته أخذ إجازة فترة الحظر فلم يتلقَ ردًا، ففهم أن الإدارة قصدت من تجاهل رسالته إليهم «إنو يلا دبّر حالك»، فبدأ البحث عن شقّة مفروشة للإيجار بعمّان لتمضية أسبوع فيها. في اليوم التالي، أخبر صاحب العمل عصام رسميًا برفض إجازته الشخصية، وخيروه بين الدوام وتلقي 50% من راتبه الذي يبلغ 350 بالأصل. فخرج من المخيم الأربعاء إلى بيت قريبه بشارع الجامعة لحين تمكنه من إيجاد شقّة بالإيجار.

ظل عصام في بيت قريبه أول يومين من الحظر، على أن يستلم الشقة التي عثر عليها صباح السبت، لكنّه أعاد التفكير بتكلفة الاستئجار من جديد. ومع مساء الجمعة، قرّر أن يلغي فكرة استئجار الشقّة «المشكلة مش بالشقة، المشكلة بالمصاريف. بالبيت بتعمل كل إشي، تجهز أكلك، بس إنتَ برّا بتكلّفك كثير»، يقول عصام.

على حدود مناطق العزل في الزرقاء

في الليلة التي سبقت فرض العزل في منطقتي الزرقاء الجديدة والبتراوي في مدينة الزرقاء، بدت حركة الناس في الشوارع والأسواق اعتياديةً، كما يقول أصحاب محال وبسطات في شارع الـ36 بالزرقاء الجديدة، أحد أهم الشوارع التجارية في المنطقة. في تلك الساعات أنهى سائق التاكسي عدنان خضير (49 سنة) عمله هناك وتجهزّ للانتقال إلى حي الزواهرة ليتمكن من مواصلة عمله، إذ لم يمضِ على عمله هذا غير أسبوع واحدٍ بعد خمسة أشهر أمضاها بلا عمل. إذ فقد في شهر نيسان عمله الذي امتد لسنوات طويلة كمندوب ومشرف مبيعات. «ضعف الشغل كثير، اللي عندو مدير معاه أربعة خمسة مشرفين [مبيعات] صار مشرف»، يقول خضير.

قرّر خضير، الذي يسكن في أحد أطراف حي البتراوي، قضاء أيام أسبوع العزل وحظر التجوّل بين بيت أخيه وأقاربه ووالده في حي الزواهرة، حتى يتمكن من مواصلة العمل. وبعدما نقل حقيبته إلى بيت أبيه، عاد ليأخذ أولاده الذين يعملون في شارع السعادة غير المشمول بالعزل. وفي الطريق مرَّ بمركز أمن البتراوي حيث سأل بعض أفراد الأمن فقالوا له إن منطقته خلف المركز الأمني غير مشمولة بالحظر. «أجت فرج من الله»، يقول خضير.

هكذا عمل خضير يوم الخميس أول أيّام الحظر على سيّارة الأجرة ونام في بيتهِ كالمعتاد، لكن المردود لم يكن كافيًا، إذ يعد قادرًا على العمل في منطقة الزرقاء الجديدة وشارع الـ36 الذي يشمله الحظر، بعدما كانت منطقة حيويةً في عمله.

صورة شارع الـ36 بالزرقاء الجديدة مساء الأربعاء، وصورة أخرى لنفس الشارع ثاني أيام الحظر. تصوير عمّار الشقيري.

حول آلية تحديد المناطق التي خضعت للعزل، يقول مدير مديرية الصحة في محافظة الزرقاء، خليل رواحنة، إن خلية الأزمة ومركز الأزمات في المحافظة تبلغ الصحة بالمناطق التي فيها بؤر تشهد كثافة في الإصابات، واصفًا في حديث لـ«حبر» الوضع الوبائي في المحافظة بأنه في مرحلة التفشي.

يبلغ عدد سكان محافظة الزرقاء نحو مليون و500 ألف نسمة، منهم نحو 715 ألفًا في مدينة الزرقاء، وفقًا لتقديرات دائرة الإحصاءات العامّة لعام 2019. وتختلف أعداد العيّنات المسحوبة من المواطنين من يوم لآخر، فيما يؤكّد الرواحنة أن العدد وصل إلى أربع آلاف عيّنة في اليوم، قبل بضعة أيام.

يشمل بلاغ رقم 9 الصادر بموجب أمر الدفاع 6 لعام 2020 من يسكن خارج مناطق العزل ويكون مكان عمله داخل مناطق العزل. لكن البلاغ لم يشمل من يعملون لحسابهم الخاص، مثل أبو خالد بسيوني الذي يقول إنه تعب من القرارات الحكومية. يعمل أبو خالد على بسطة لبيع إكسسوارات هواتف نقّالة في شارع الـ36، ويسكن في حي الإسكان غير المشمول في العزل، لذا لن يكون قادرًا على الانتقال إلى مكان آخر بسبب عزل منطقة عمله. «لو بدي أروح على مكان ثاني ما رح أعرف اشتغل. ما حدا بيسمح»، يقول أبو خالد.

في الشارع ذاته في الحي المعزول، يملك أنس حمّاد بقالة، ويعمل عنده عاملان آخران. «معقول تفرض حظر على منطقة بيّن فيها الوباء وثاني يوم تفتح للأردن كاملة؟»، يقول حمّاد مبديًا عدم اقتناعه بالعزل كحل. «إحنا دول عالم ثالث غير متقدمين لا بالتكنولوجيا ولا بالطب متطورين، ما بدنا حدا يعمل تجارب لقاح لكن أقلها ندير هالأزمة».

أبو خالد بسيوني على بسطته، وأنس الحماد بباب بقالته، في شارع الـ 36 مساء الأربعاء. تصوير عمّار الشقيري.

الكثير من العاملين في مناطق العزل عبروا عن تخوّفهم من تمديد فترة الحظر الشامل، وهو ما أشار له قرار الحظر الصادر عن لجنة استدامة سلاسل العمل والإنتاج صراحةً، إذ جاء فيه أنه «يُنظر في إمكانيّة تمديد قرار العزل وحظر التجوّل الشامل في المنطقتين، في ضوء الحالة الوبائيّة، بناءً على توصية خلية أزمة كورونا في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات».

لن تشمل أوامر الدفاع المتعلقة بالعمل خضير أو حمّاد، لذا لن يكونا قادرين على تقديم شكاوى إلى وزارة العمل التي تدعو الشباب الذي تعرضوا لمخالفة أوامر الدفاع والبلاغات الصادرة بموجبه إلى تقديم شكاوى لديها على منصّة حماية. فيما يقول الناطق باسم الوزارة، محمد الزيود، لـ«حبر» إنَّ عدد الشكاوى المقدمة منذ بدء الجائحة وحتى نهاية شهر أيلول بلغ 52 ألف شكوى متعلقة بالأجور وإنهاء الخدمات، مؤكدًا أن فرق التفتيش التابعة للوزارة مستمرة في عملها.

  • الهوامش
    * اسم مستعار بناءً على طلب صاحبه.
    [1] يبلغ مجموع الإصابات المسجلة في المحافظة من 7 آب وحتّى 30 أيلول 1112، فيما يبلغ تعداد سكان المحافظة 543,600 نسمة، وفقًا لتقديرات دائرة الإحصاءات العام لعام 2019.