كيف يعيش أهالي إربد وسط العزل؟

شاب يعبر طريق إيدون المغلق من قبل الجيش تطبيقًا لإجراءات العزل في إربد. تصوير عمّار الشقيري.

كيف يعيش أهالي إربد وسط العزل؟

السبت 04 نيسان 2020

يوم الخميس الموافق 26 آذار الماضي، سجّل الأردن أعلى عدد لإصابات بفيروس كورونا المستجدّ في يومٍ واحدٍ، إذّ بلغ عدد الإصابات 40 حالة، 26 منها حالة سُجلّت في محافظة إربد. علّق وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة مساء ذلك اليوم قائلًا إن «هذه الأرقام لا تعكس آمالنا جميعًا بالحدّ من انتشار وباء كورونا لذلك قرّرنا اتخاذ مزيد من الإجراءات الاحترازيّة». وكانت الإجراءات تتمثّل بعزل محافظة إربد عن بقيّة محافظات المملكة، بالإضافة إلى عزل بعض القرى والمناطق فيها عن محيطها. 

مع دخول ساعات العزل الأولى، اشتكت الكثير من القطاعات من التضرّر، فبدأت الحكومة بالتعامل تبعات قرار العزل، وأوجدت بعض البدائل. فيما ما يزال سكان المحافظة البالغ عددهم قرابة مليوني نسمة يحاولون مواصلة الحياة وسط ظروف العزل الاستثنائية.

يُمكن تقسيم تنفيذ قرار العزل إلى ثلاث أقسام؛ الأوّل: عزل محافظة إربد عن باقي محافظات المملكة، والثاني: عزل لواء القصبة عن باقي الألويّة الثمانية الأخرى التي تشكّل معًا المحافظة. والثالث: عزل قرى داخل لوائيّ المزار الشمالي وبني عبيد عن القرى المجاورة في نفس اللواء.

لتطبيق قرار عزل المحافظة عن باقي محافظات المملكة، تشارك الجيش والأمن العام والدرك ودوريّات السير في وضع نقاط تفتيش وغلق على الطرق التي تربط محافظة إربد بباقي المحافظات؛ نقطة بعد تقاطع بلدة النعيمة لغلق الطريق الذي يربط المحافظة بمحافظات جرش وعجلون وعمّان تواليًا، ونقطة على إشارة حوّارة لغلق الطريق الذي يربط المحافظة بالمفرق، وأخرى لغلق الطريق الواصل إلى الزرقاء، ونقاط أخرى لغلق الطريق الواصل إلى عجلون، ونقاطٌ أخرى موزعة في الأغوار الشماليّة حتّى مثلث كفرنجة. 

يكمن عمل هذه النقاط بمنع مرور المركبات من وإلى المحافظة باستثناء من يحملون التصاريح، مثل الأطباء وكوادر الأمن العام والجيش والدفاع المدني، والصحفيين، وشاحنات نقل المواد التموينية والأغذية الآتية من المحافظات الأخرى، أي الجهات الحيوية لإدامة سير الحياة والعمل، بحسب الحكومة.

ويبلغ عدد سكّان محافظة إربد نحو مليوني نسمة، وتأتي في المرتبة الثانية من حيث عدد السكّان بين محافظات المملكة الإثني عشر بعد العاصمة (نحو 4 مليون و430 ألف)، ويشكل سكّانها 18.5% من مجمل سكّان المملكة. 

في قصبة إربد

في عدة مناطق مختلفة داخل المدينة، ما زالت البضاعة متوافرة بشكلٍ عام، إذ ما زالت شاحنات نقل المواد التموينية تصل إلى مركز المدينة والدكاكين والقرى، ولو بشكلٍ محدودٍ. يقول أصحاب محال تجارية في المدينة لحبر إنَّ توفرّ المواد عندهم أقل من ذي قبل؛ بسبب عدم انتظام أو انقطاع توريدها من موزعي الشركات والمصانع في عمّان. «لما تخلص البضاعة [بالمحل] العوض بوجه الكريم»، يقول يونس محمد، وهو صاحب محلٌّ لبيع المنظفات على دوّار النسيم في إربد، متخوفًا من نفاد بعض الأصناف.

يبلغ عدد المحال التجارية في محافظة إربد 20 ألف محل تجاري، وفقًا لرئيس مجلس إدارة غرفة تجارة إربد محمّد الشوحة، الذي يقول لحبر إنَّ مسألة تدفق البضاعة إلى المحافظة في طريقها إلى الحلّ بعد التواصل مع الجهات المعنيّة، لكنَّ المشكلة الأكبر تكمن في تدفق البضاعة من محلّات الجملة في المدينة إلى الدكاكين في القرى والأحياء. «من محلات الجملة للدكاكين بسمحوش للسيّارات. العدد بسيط جدًا، مش بكفي حاجة السوق»، يقول الشوحة.

تتواجد نقاط التفتيش التابعة للجيش والأمن العام على أبواب المدينة، ويقلّ تواجدها وربما ينعدم في شوارعها الداخليّة وبين الأحياء. في النهار أثناء فترة السماح للمواطنين بالتحرّك للتزوّد بالمواد الأساسيّة. كان الشباب يستغلّون هذا التوقيت للتجمّع بباب هذه الدكاكين وآخرون يتمشون بين الأحياء، ومن وإلى المحال التجاريّة المفتوحة وعلى الأرصفة.

نقاط غلق وتفتيش عند مفرق حوارة وقرب دوار المدينة الرياضية في إربد. تصوير عمّار الشقيري.

في طرف المدينة، يعمل سوق الخضار المركزي للخضار والفواكه، وهو السوق الوحيد الذي يزوّد المدينة باحتياجاتها ضمن ساعات وشروط جديدة. إذ يستقبل الخضار والفواكه التي يأتي بها المزارعون، لكن البلدية اتخذت بعض التعديلات على دوام السوق وآلية البيع فيه لمنع الاكتظاظ، فحدّدت ساعات الدوام فيه بين 10 صباحًا والساعة 2 ظهرًا، على ألا يجري تفريغ البضاعة على أرض السوق. «البضاعة بتنباع وهي على ظهر السيّارة»، يقول رئيس البلدية حسين بني هاني لحبر. في محال الخضار وسط المدينة، كانت الخضار متوافرة تقريبًا، وشهدت الأسواق حركة نشطة للمواطنين.

الشكل الثاني من العزل يقوم على عزل لواء قصبة إربد والقرى التابعة له عن باقي الألوية الثمانية الأخرى التي تشكل معًا محافظة إربد. يبلغ تعداد سكّان لواء قصبة إربد نحو 817 ألف نسمة، وهو الأكثر تعدادًا بين الألوية التسعة في المحافظة، ويتكوّن من 25 منطقة بين قرية وحيّ، بالإضافة إلى مدينة إربد نفسها.

الحركة في هذا القسم سلسلة نوعًا ما، إذ يتحرّك في داخل اللواء، ومنه وإليه، الأطباء ورجال الأمن والجيش والمزارعون والصحفيون ومن يحمل تصريحًا. وتنتشر على الطرق الواصلة بين القرى في اللواء ومركز المدينة نقاط تفتيش من قبل الأمن أو الجيش.

يتحرّك الناس في اللواء مشيًا، أو بالسيّارات بشكل محدود خلال فترة السماح بين الساعة 10 صباحًا و6 مساءً، لكن بين الأحياء، يتنقّل الشباب ويجتمعون في تجمعات صغيرة. كان صهيب أبو النعاج في طريقه لشراء السجائر حين التقيناه، وهو من سكّان منطقة زبدة الواقعة ضمن لواء قصبة إربد. توقف عمل صهيب كأحد عمّال المياومة في محل لزينة السيّارات منذ أعلنت الحكومة تعطيل القطاع الخاص، لكنه ينتظر كالكثيرين غيره. «شايف وضع البلد، إجباري بدك تقعد نستّنّا فرج الله»، يقول صهيب. 

في قرية حوّارة، إحدى قرى اللواء، يقول هشام عادل، وهو صاحب سوبر ماركت، إنَّ الموزعين نادرًا ما يصلون إليه، وغير مسموحٍ له الوصول إلى محلّات الجملة للتزوّد بالبضاعة. «كيف بدك تجيب وما فيش تصاريح؟ المستودعات فيها، بس ما حداش قادر يصل»، يقول هشام. 

ويقترح الشوحة أن تصدر غرفة تجارة إربد التصاريح لمحال الجملة، على أن تصادق الحكومة على هذه التصاريح، وتتحمل الغرفة التجارية الأعباء إذا كان هناك خطأ فيها.

سيارات تابعة لإحدى شركات الأغذية تدخل إربد بعد نقطة غلق قرب تقاطع النعيمة. تصوير عمّار الشقيري.

القرى المعزولة

توّزعت القرى التي أعلنت الحكومة أنها معزولةٌ بشكل كامل على ثلاثة ألوية وهي: المزار الشمالي، وبني عبيد، وقصبة إربد، وجاء قرار عزل هذه القرى «حماية للمناطق الأخرى داخل المحافظة». في نفس اليوم الذي أعلنت فيه الحكومة قرار عزل القرى، أوضح مدير عمليات خليّة أزمة كورونا العميد الركن مازن الفرّاية تفاصيل العزل والهدف منه، إذ قال إنَّ «إدارة الأزمة في مرحلة احتواء الوباء بالمملكة بشكلٍ عام، ومنعه من الانتشار في أنحاء المملكة»، وأضاف إنَّ احتواء الوباء يتطلّب منع الاختلاط، والاستقصاء الوبائي للمخالطين للمصابين؛ لهذا اتخذت اللجنة قرارها بعزل هذه القرى وتطويق الوباء.

وكان الأهالي في بعض القرى التي ظهرت فيها حالات إصابة بفيروس كورونا المستجد قد طالبوا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام، بعزل قراهم. وشمل قرار العزل سبع قرى موزعة على ثلاثة ألوية، من لواء قصبة إربد: قرية سوم، ومن لواء بني عبيد قرى: إيدون، الحصن، والصريح، ومن لواء المزار الشمالي قرى: حبكا، وجحفيّة والمزار الشمالي.

تتفاوت إجراءات العزل في القرى التي أعلن أنها معزولة بشكل كامل. إذ يستطيع القادم من جنوب المدينة إلى وسطها تخطي قرية الحصن وسوقها وأطراف مدينة الصريح، إذ لا تتواجد نقاط التفتيش إلّا على باب بلدة الحصن للقادمين من عمّان، وهي نقاط تسمح لحاملي التصاريح بالمرور. أما قرى أخرى مثل حبكة من لواء المزار الشمالي، وإيدون من لواء بني عبيد، فهي مغلقة بالكامل وفيها إجراءات صارمة على الداخلين والخارجين، ولا يسمح بحملة التصاريح بدخولها مثل سيّارات توزيع المواد الغذائيّة أو الخضار أو الصحفيين. تكفّل الجيش بعزل هذه القرى، وقام يوم السبت 28 آذار بتوزيع الخبز والمحروقات عليها بعدما أعلن العضايلة أنَّ «الحكومة بالتعاون مع القوات المسلحة – الجيش العربي والأجهزة الامنيّة [ستستمرّ] بإيصال الخدمات الضروريّة في مناطق العزل».

على باب إيدون، إحدى المناطق المعزولة بالكامل، تقف ثلاث آليات للجيش؛ سيّارتان وحاملة جند، لا تسمح لسيّارات المواطنين بالدخول أو الخروج، بالإضافة إلى منعها الدخول لمن يملك تصريحًا. خلال ساعة وحدها سيّارات الإسعاف تخرج وتدخل من الحاجز ومعها باص للجيش.

صباح يوم الإثنين 30 آذار، قصد الكثيرون طريق إربد-عمّان، بين قرية الحصن ومدينة إربد؛ كبارٌ أفاقوا باكرًا للوصول مشيًا إلى المدينة حيث فروع البنوك، بعضهم تزوّدوا بزجاجات ماء تعينهم على مواصلة المشي، إذ أعلنت الحكومة عن فتح البنوك هذا اليوم. يقول أحد المسنين وهو يمشي منذ نصف ساعة آتيًا من إيدون «إحنا مع قرارات الحكومة»، ويكمل مشيه لأوّل فرع بنك بالقرب من مجمّع السفريات؛ إذ لا تتوافر في الحصن والصريح الكثير من فروع للبنوك أو محّلات الصرافة أو الصرّافات الآلية. 

مع ظهيرة اليوم نفسه، كان وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة يصرّح بأنه قد وردت الحكومة «العديد من الملاحظات حول عدم قدرة العديد من المواطنين، خصوصًا كبار السنّ وذوي الاحتياجات الخاصّة من الوصول إلى البنوك، وكذلك عدم وجود بنوك قريبة من مناطق سكن العديد من المواطنين». يوم الثلاثاء، أعلن العضايلة عن توجه من مجموعة من البنوك بالتعاون مع البنك المركزي لـ«تسيير صرّافات آلية متنقلة بهدف الوصول إلى القرى والمناطق التي لا توجد فيها فروع للبنوك».

مشاة يتجهون من إيدون لإربد للوصول البنوك. تصوير عمّار الشقيري.

في قرية حبكا الواقعة في لواء المزار الشمالي، والمعزولة كليًا، كانت الحاجة ملحّة لوجود مركزٍ صحيّ لصرفٍ الأدوية لمن يعانون من أمراض مزمنة، كان منهم الثلاثيني جلال العمري الذي يُعاني من شحنات كهربايّة تسبب له نوبات صرع ويحتاج إلى دواء «كونفنتن»، يُصرف له بكمية تكفيه لشهر.

نفذ الدواء من عند جلال قبل أيام قليلة. «لولا كنت محتاط كان انقطعت»، يقول جلال الذي كان معه كمية إضافية قليلة من الدواء. تواصل جلال مع لجنة المتطوعين في مبادرة وطن التي قامت عليها نقابة الأطباء الأردنيين، فأرشده الطبيب إلى التوجه إلى أقرب مركز صحيّ شامل لاستلام الدواء. لكن مركز صحي حبكا أوليّ، وأقرب مركز صحي شامل عليه هو في قرية دير يوسف، وممنوع عليه مغادرة قريته.

وفقًا لمصدر من مديرية الصحة في إربد، فتحت المديرية المراكز الصحيّة الشاملة في المدينة منذ بداية الأسبوع، أي مع سريان قرار العزل الكلي، وتعمل هذه المراكز من الساعة 8 صباحًا وحتى 2 ظهرًا لصرف الأدوية، فيما لم تغلق العيادات الخارجية لمستشفى بسمة أبوابها خلال العزل وما قبله. 

يقول المصدر الذي فضّل عدم ذكر اسمه إن الوصول لهذه المراكز يكون مشيًا على الأقدام، وأنَّ المخوّل بجلب العلاج لبقية المناطق هو الدفاع المدني. «[الدفاع المدني] بأمنوا العلاجات للأمراض المزمنة والضروريّة، بيروحوا على الناس على بيوتهم بيوخذوا الدفاتر [دفاتر المراجعة]، بيروحوا بصرفوا العلاجات وبرجعولهم إيّاها، هاظ للي بيقدرش يوصل مشي على المراكز الصحيّة أو على العيادات الخارجية».

ويبلغ عدد المراكز الصحية الشاملة في المحافظة التابعة لوزارة الصحة 13 مركزًا، و88 مركزًا صحيًا أوليًا. كما تحتوي المحافظة على ثاني أكبر عدد مستشفيات بين المحافظات (17 مستشفى بين حكومي وخاص)، بعد العاصمة عمان (58 مستشفى). ويبلغ عدد الأسرّة في مستشفيات المحافظة 2254 سريرًا، وهو ثاني أعلى عدد أسرّة بعد العاصمة، حيث تبلغ 8004 سريرًا، بحسب أرقام دائرة الإحصاءات العامة لعام 2018.

سيارة إسعاف قرب نقطة غلق عند تقاطع النعيمة باتجاه إربد. تصوير عمّار الشقيري.

خارج هذه القرى، وفي أكثر من لواء، اجتهدت الجمعيات والشباب المتطوعون لتوزيع المعونات على الأسر الفقيرة، في المحافظة التي يبلغ معدل البطالة فيها 16.5%، فيما تعود آخر نسبة فقر رسمية في المحافظة إلى عام 2010، وبلغت حينها 15%. «ما ظلّ عنّا حل (..) بذلنا كل ما بوسعنا لمد يد العون للعائلات المتضررة»، هكذا انتهى منشور استغاثة من قبل مجموعة جمعيات إغاثة تعمل في مخيّم الحصن التابع للواء بني عبيد بعدما استنفذت كل ما لديها لمساعدة الناس؛ إذ ارتفع عدد الأسر التي تطلب المساعدة إلى أربعة أضعاف العدد المعتاد.

يقول محمود الحسنات، وهو أحد العاملين في الإغاثة، إن هناك ثلاث جمعيات تستهدف بالمساعدة الأسر الفقيرة، وتقدَّر إمكانية هذه الجمعيات بمساعدة 40 أسرة فقيرة في الأسبوع. مع تعطّل القطاع الخاص وعمّال المياومة، وعزل المحافظة ارتفع عدد العائلات المستهدفة في هذه الجمعيات في المخيّم إلى 160 عائلة.

وكانت الحكومة قد أعلنت عن حظر تجوّل شامل لمدة 24 ساعة يبدأ من ليلة الخميس الجمعة 2-3 نيسان وحتى صباح اليوم السبت. وجاء القرار «لغايات إتاحة المجال لفرق التقصّي للعمل بكفاءة أكبر، ومنع التجمّعات التي لوحظت في القرى والأحياء خارج المدن خلال أيّام الجمعة الماضية»، حسبما صرّح العضايلة.

يؤكّد رامي أبو بكر هذه الملاحظة، ليس في القرى إنما في الأحياء الداخليّة. فرامي يتفقّد والدته التي تسكن بشارع بلاط الشهداء، ويخرج مشيًا على الأقدام من حيث يسكن، ليشتري أساسيّات البيت. «بالمدرسة الولاد بلعبوا فطبول، كل ما تمشي شارع شارعين [تجد] مجموعة في الشارع، أولاد بالشوارع، فطابيل، دواحل..»، يقول رامي، واصفًا الحركة داخل الأحياء. وفي بعض أحياء مدينة إربد وبعض القرى، في اليوم الرابع من عزل المحافظة، بدأت تتحرّك بعيدًا عن أعين دوريّات الأمن وبشكل محدودٍ وقليلٍ سيّارات تبيع اللوز الذي يبدأ موسمه هذه الأيّام في الشمال.