ماذا حلّ بسائقي حافلات المدارس الخاصة مع استمرار إغلاقها؟

الأربعاء 20 أيار 2020
تصوير سييرا ويست، 2012.

«أنا ساكن في بيت ملك مش أجار، بس جعت، والله جعت»، هكذا يصف الخمسينيّ أبو خالد* حالته في ضوء امتناع المدرسة الخاصة التي يعمل بها كسائِقِ حافلة عن إعطائه راتب شهر آذار، مُطالبةً إيَّاه وزملاءه بتقديم استقالاتهم والتوقيع على مخالصةٍ يتنازلون فيها عن كامل حقوقهم وبدل إجازاتهم السنويّة مُقابل رواتب شهريّ آذار ونيسان.

ورُغم توقيع أبو خالد عقدًا مع المدرسة بدأ من تاريخ الأول من أيلول، وحتى الأول من حزيران -أي بداية الفصل الدراسيّ الأول وحتى نهاية الفصل الدراسيّ الثاني- فقد أصَّرَ صاحب المدرسةِ على تقديمه لاستقالته؛ بحجة انتشار فيروس كورونا وتعطل العمل في المملكة.

وسط تمسك السائِقِ بأحقيّته في العمل ورفضه للاستقالة، لجأ لمكتب العمل في منطقته؛ ليقوم الأخير بإخباره عن توقف استقبال الشكاوى حتى انتهاء الأزمة، ما جعله في حيرةٍ من أمره، خاصةً وأنهُ معيلٌ لستِ أفراد لم تكن الديون كافيَّةً لإطعامهم، ودفعتهم الظروف هذه لتناول الشاي والخبز كوجبةٍ لإفطار رمضان. «كل تفكيري كيف بدي أجيب فطور بكرا، الواحد ذابحه الجوع، لا في خردة نبيع بالشوارع ولا موائد الرحمن، شو نسوي؟».

آلاف العائلات بلا أجور

أبو خالد ليسَ السائق الوحيد الذي عانى من امتناع المدرسة عن دفع مرتبه، فهناك آلاف السائقين الذين امتنعت مدارسهم عن دفع أجورهم، أو دفعت لهم نصف رواتبهم لشهر آذار فقط، أو أنهت خدماتهم، بحسب الناطق باسم لجنة أصحاب باصات المدارس شاكر الدرابيع.

يشرح أبو خالد طرق عمل الحافلات مع المدارس، إذ تنقسم إلى صيغتين؛ الصيغة الأولى وهم أصحاب الحافلات الذين يقومون بتوقيعِ عقودٍ مع المدارس، تقضي بتأجير الحافلات للمدرسة مع تكفّلهم بإحضار السائِقين ودفع رواتبهم، وتأمين مستلزمات الحافلة من ترخيصٍ ورسومٍ ووقود، غير أنَّ الحافلات تُسجل باسم المدرسة لا المالك، وفي بعض الحالات يعمل مالك الحافلة سائقًا لها. أما الصيغة الثانية فهم الموظفون التابعون للمدرسةِ الذين يعيَّنون عن طريقها كسائِقين، ويحسبون على كادرها الوظيفي.

يمتلك الدرابيع عددًا من الحافلات التي يقومُ بتأجيرها للمدارس -وفق الصيغة الأولى للعمل- بعقدٍ مدته 10 أشهر، غير أنهُ لم يحصل على أيٍّ من مستحقاته الماليّة من المدرسةِ، ما حالَ دونَ دفعه لأجور السائِقينَ العاملين لديه، فقد أخَّلت المدرسة بالعقد، رغم أنها مطالبةٌ بدفع 1000 دينارٍ شهريًّا عن كلُ باص.

صاحب الحافلة الذي هو أب لطفلين، عمل في هذا المجال مدة سبع سنوات، غير أن الأبواب أوصدت في وجهه خلال الأزمة، فقد حاول تقديم شكوى لدى وزارة العمل غير أنهم أخبروه بأن قضيته لا تدخُلُ ضمن اختصاص الوزارة بل إنّ عليهِ اللجوءَ للقضاء.

يلخّص الدرابيع حال قطاع حافلات المدارس الخاصة بالحديث عن الكثير من السائقين الذينَ أعادوا زوجاتهم لمنازل عائلاتهن نتيجة عدم توفر نقودٍ لتوفير الطعام والمستلزمات لهم، في حين يحاول آخرون بيع حافلاتهم بثمنٍ بخس لتوفير قوت يومهم، ويلجأ آخرون للعمل كسائقي سيارات أُجرة أو في النقل العام. يتفقون جميعًا أنَّ العطلة الصيفيّة المقبلة ستكون «كارثيةً» بالنسبة لهم، نتيجة توقف الرحلات والنوادي الصيفية والأعراس، ما سيحولُ دونَ عملِ الحافلات وتعويضهم عن رواتبهم.

مشاركة في الخسارة فقط؟

لا يختلِفُ الثلاثينيّ فادي* كثيرًا عن سابقيه، فقد بدأ العمَلَ مع المدرسة بداية الفصل الدراسيّ الثاني دون عقدِ عمل، إذ أنَّ العقودَ تُوَقَعُ في الفصل الأول من كل عام، أي مطلع أيلول.

حاول المُطالبةَ براتب شهر آذار كموظفٍ لدى المدرسة التي تملك الحافلات، إلا أنَّ الردَ على طلبه كانَ بإرسال أشخاصٍ من المدرسةِ لمنزله، سَلَّموهُ راتبه وأخذوا منهُ الحافلة، مُطالبينَ إيَّاهُ بتركِ العملِ معهم، ما دفعه لطرق كُلِ الأبواب للبحثِ عن عملٍ لإعالةِ أُسرته المكونةِ من طِفلين الكبير في السابعةِ من عمره، والصغيرة لم تبلغ السنة بعد، «يا دوب الراتب [300 دينار] يكفي حليب وحفاظات وأجار بيت [200 دينار]، وفش شغل».

تقدَّمَ فادي الذي أمضى ثلاث سنواتٍ في هذا المجال بطلبٍ للحصولِ على مبلغٍ لعمال المياومة، غير أنهُ لم يحصل عليه، وبحكم أخذهِ قبل سنتين لبدل تعطُّلٍ من الضمان، لم يتمكن من استلام أيِّ مبلغٍ خلال الأزمة، يستمرُ صاحبُ المدرسةِ بإبلاغه وزملاءه عن حاجتهم للأقساط من الأهالي؛ ليتمكنوا من دفع رواتب الموظفين لشهري نيسان وآيار، بينما يتساءَلُ السائِق عن السبب الذي يدفع المدرسة لإجبار سائِقيها على مشاركتها الخسارة في حين أنهم لا يشاركونها الربح.

في الوقت الذي لم يجد فيهِ فادي مصدرًا لدخله من الحكومة، حصَلَ أبو محمد وأُسرتهُ المكونةُ من تسع أفرادٍ على 136 دينارًا كراتبٍ لعامل المياومة، غير أنهُ يصفهُ باستياء «ما بكفي إلا لأجار البيت».

يعمل أبو محمد* البالغ من العمر 44 عامًا لدى صاحب حافلة، ومنذُ انتهاء شهر آذار حاول المُطالبة بأجره مع بقيّة زملاءِه، غيرَ أن المدرسة أخذت الأزمة كحجةٍ لها ولم تدفع لصاحب الحافلة، الذي بدوره لم يدفع للسائقين العاملين لديه. كما وصلت السائقين رسائل عبر مجموعة «الواتساب» الخاصةِ بهم، تُحذرهم من نشرِ أي معلوماتٍ بشأنِ أُجورهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما حمَلِ السائقينَ على التوجهِ إلى المدرسة والمُطالبةِ بالحديث مع المُدير العام؛ ليأتيهم الرد «إذا لم تُغادروا سنطلبُ الشرطة».

توجه السائقون نتيجة لذلك إلى مكتب العملِ في منطقتهم، الذي أخبرهم بدوره أنَّ عليهم رفعُ قضيَّةٍ على المدرسة إبان انتهاء الأزمة، يقول أبو محمد الذي أمضى 10 سنواتٍ كسائقٍ حافلات في عددٍ من المدارس. «مطلوب منّا نموت من الجوع لتخلص الأزمة ونطالب بحقنا».

يروي سعيد*، البالغ من العمر 27 عامًا، وهو سائِقٌ للحافلة التي يملكها، أن بينهم وبين المدارس عقود شراءِ خدمات، وهم غير مسجلين بالضمان الاجتماعي. بعد أن حصلوا على نصف راتب شهر آذار من المدرسة التي يعملُ فيها، فلا مبشرات لاستلام راتبي نيسان وأيار باعتقاده، ما دفعه للعملَ على «ديانا» لتحصيل قوته، في ضوء أنهُ أعزب ولا يمكنه الحصول على مرتب عامل مياومة وغير مشتركٍ في الضمان الاجتماعي.

«بدكوا تروحوا تشكوا اشكوا، حُكم القوي على الضعيف».

يلخصُ سعيد ما يمر به القِطاعُ بعدَ عمله فيهِ لأربع سنوات، بأنَّ القوي يفعل ما يريده، فبعض أصحاب المدارس أخبروا عامليهم بكل ثقة «بدكوا تروحوا تشكوا اشكوا، حُكم القوي على الضعيف»، بينما يطالب سعيد بنصف راتب شهر نيسان؛ فحافلته التي لم ينتهي من تسديد سعرها، تحتاج لـ8000 دينار، يدفع منها 500 دينار شهريًا؛ لتسديد قسطها.

هل يحق لوزارة العمل رفض الشكاوى؟

يوضح مصدرٌ في وزارة العمل، طلب عدم الكشف عن اسمه، انقسام سائقي الحافلات في المدارس لنوعين، الأول، وهم الذين يرتبطون مع المدارس بعقود عمل وفق النموذج المعتمد للعقود الموحدة. هذا النوع من العقود صدر بعد توقيع اتفاقية عقد العمل الجماعي بين النقابة العامة لأصحاب المدارس الخاصة والنقابة العامة للعاملين في التعليم الخاص عام 2017، وينص على تحويل المدارس الخاصة ورياض الأطفال لرواتب العاملين لديها إلى البنوك المعتمدة إلا إذا رغب الطرف الثاني بغير ذلك بعد اقتطاع كافة الاقتطاعات القانونية، مع الالتزام بالحد الأدنى للأجور البالغ حاليًا بـ 220 دينارا شهريًا، إضافة إلى علاوة تعليم قدرها 10 دنانير شهريًا، وزيادة سنوية لا تقل عن 5% من الراتب الإجمالي، وبإشراك كافة العاملين بمظلة الضمان الاجتماعي. ويتم التعامل مع العاملين وفق هذه العقود الموحدة وفق أحكام قانون العمل، وأمر الدفاع رقم 6 لسنة 2020، الذي يتضمن أسس الاستفادة من برامج الدعم لمختلف المؤسسات والأفراد في ظل التحديات الاقتصادية التي سببتها أزمة كورونا.

أما النوع الثاني، بحسب المصدر في وزارة العمل، فهم أولئك الذين يرتبطون بعقود مع المدارس بتشغيل الباصات لحساب المدرسة وهؤلاء يخضعون لأحكام القانون المدني، وليس قانون العمل. إذ لا تملك وزارة العمل أي اختصاص بهذا الجانب، والنزاع يكون أمام القضاء من الجانب الحقوقي وليس كقضية عمالية.

يوضح الخبير في قضايا العمل والعُمال، حمادة أبو نجمة، أنه في حال كان السائِقون موظفين في المدرسة فلا يجوز تخفيض أجورهم إلا إذا حصلت المدرسة على موافقة بذلك من وزارة العمل، بحسب قوله. أما إنهاء العقودِ فغير جائز؛ لأن أمر الدفاع منع إنهاء خدمات أي موظف خلال سريان تطبيقه.

ويستدرك أبو نجمة إمكانيّة إنهاء العقود في حال كانت المؤسسة غير قادرة على مُتابعةِ عملها وستتوقف بشكل نهائي؛ لذا في هذه الحالة تتوقف عقود العاملين إلى حين عودة الأمور لطبيعتها، ويلجأ العمال للضمان للحصول على راتب بدل تعطل.

كما يؤكد أن التوقف الكامل يتطلب إثباتات بأن المؤسسة غير قادرةٍ على أداء أعمالها إضافةً لموافقة وزارة العمل على ذَلك، مستبعدًا أن تكون المدارس الخاصة ضمن هذه المؤسسات؛ نظرًا إلى أنها تعمل، ولا مبرر لوقف عملها الذي تمارسه عن بُعد.

ويُعرِّف الخبير العامل بالذي يتم تعيينه في المؤسسة أو المدرسة على كادرها ويخضع لقانون العمل، أما الصنف الآخر فقضيته تخضع لقوانين أُخرى مثل القانون المدني مثلًا؛ لذا فإن أصحاب الحافلات لا يُعتبرون عاملين وإنما مُتعاقدين.

النقابة لا تتدخل 

يقول نقيب أصحاب المدارس الخاصة منذر الصوراني إن الحصول على الأجور يتمُ بين أصحاب المدارس والحافلات كُلٌ على حدى، بحسب الاتفاقيات الموقعةِ بين الطرفين؛ فالبعض دفع 50% من الراتب بالتفاهم، وآخرون لم يدفعوا، مضيفًا بأن النقابة لا تتدخل بين الطرفين لاعتبارها طرفًا خارجيًّا.

كما يشير إلى أن الأقساط لم تؤخذ من جميع الأهالي بعد، فكثيرون منهم لم يدفعوها، إذ أنَّ الحل الخاص بالحافلات يكمن بتدخل الحكومة ومساعدة المدارس الخاصة، واصفًا القروض التي تتيحها الحكومة لهم بـ«الوهميّة»، فحصولهم عليها يتيح للأهالي استرجاع أموالهم من المدرسة، ما سيضعها أمام التزاماتٍ ماليّةٍ هي في غنى عنها.

ويبلغ عدد المدارس الخاصة ورياض الأطفال في المملكة نحو 3060 روضة ومدرسة، بحسب النقيب الذي يؤكد أن لا بديل إلا بالتفاهم بين الأطراف المعنيّة للحصول على الأجور.

يعلق الناطق باسم لجنة أصحاب باصات المدارس شاكر الدرابيع على كلام النقيب بقوله «نحن لا نعترف بها كنقابة وليس لدينا أيّ تعاملاتٍ معها»، في حين يبدي استياءه من عدم اعتراف أيِّ جهةٍ بهم سواءً أكانت نقابية أو حكومية، مؤكدًا أن الكثير من السائقين وكلُّوا محامين لرفع دعاوى ضد المدارس بعد الأزمة.

بين النقل والعمل 

تشرح الناطق باسم هيئة تنظيم قطاع النقل البري عبلة وشاح أن القطاع يتكونُ من العديد من الأنماط، غيرَ أن العاملين فيه خلال الأزمة هم الذين أوصت لجنة الأوبئة بعودتهم للعمل بشكلٍ منتظم مثل الحافلات، وسيارات الأجرة، والتطبيقات الذكية.

وتستدرك بأن عودة حافلات المدارس للعمل مرتبطة بعودة الطلاب، وفي الوقت ذاته، تبحث الهيئة عن آلية لمحاولة تعويض من تعطل أو بقي دون عمل، من خلال إرسال بيانات المشغلين في كافة الأنماط إلى وزارة التنميّة الاجتماعيّة، والظروف الصحيّة التي تحكم عملهم من الأخذ باجراءات السلامة وطبيعة توفر ما يقيهم من الفيروس أثناء العمل، أمَّا الموظفون والمتعاقدون فهذه الحالات تُدرس في وزارة التنميّة.

وفي السياق نفسه، تبين وشاح أن تأجيل الترخيص الخاص بالحافلات ورسوم الهيئة ما زالت تحت الدراسة، إذ أنَّ العديد من السائقينَ طالبوا بتأجيلها؛ نظرًا للظروف الحاليّة المتعلقة بالأزمة.


*أسماء مستعارة بناءً على طلب أصحابها.

تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.