طب وأشياء أخرى: كيف اختار أصحاب معدلات 100% في التوجيهي العلمي تخصصاتهم؟

تصميم ندى جفال.

طب وأشياء أخرى: كيف اختار أصحاب معدلات 100% في التوجيهي العلمي تخصصاتهم؟

الأحد 23 آب 2020

بحكم ما جرت عليه العادة، كان لافتًا أن يختار خريج التوجيهي، حسام أبو حارثية، تخصصَ الفيزياء في الجامعة الأردنية، وهو الحاصل على معدل 100% في امتحان شهادة الثانوية العامة الفرع العلمي، من بين 71 طالبًا وطالبة حصلوا على المعدل ذاته في الفرع نفسه، ويتجه غالبيتهم لدراسة الطب البشري أو طب الأسنان، وبدرجة أقل الصيدلة أو الهندسة.

شغف حسام في الفيزياء كان دافعًا لمواجهة رفض عائلته ومحاولاتهم الحثيثة لإقناعه بالعدول عن قراره ودراسة الطب. «صراحة طب ما بحبه، مش ميولي، والهندسة حلوة بس أنا بدي فيزياء»، يقول حسام بينما تعلو أصوات أقربائه المهنئين الجالسين على مقربة منه معلنين رفضهم لخياره. يشرح حسام لحبر أنه اكتشف تعلقه بمادة الفيزياء منذ حصص العلوم في الصف السابع، كانت تغويه سيرة علماء الفيزياء مثل آينشتاين ونيوتن ونيكولا تسلا، عالم الفيزياء والمختص في مجال الهندسة، الذي يصف حسام قصته بالحزينة. دفعته هذه السير لقراءة المزيد عن الاكتشافات العلمية؛ كبر حلمه وظل متمسكًا بقراءة المزيد ومتابعة الوثائقيات عن سير العلماء.

حسام الذي يسكن عمّان وتخرج من مدرسة خاصة تتبع لمديرية ماركا، هو الابن الأكبر لوالديه. والده يدرّس التربية المهنية والفنية في مدرسة حكومية ووالدته موظفة في وزارة العدل، ولديه شقيقة تصغره بثلاث سنوات ترغب في دراسة الفرع الأدبي للثانوية العامة، وأخرى تصغره بتسع سنوات. لذا فإنه يقول «أنا أمل عائلتي الوحيد في دراسة الطب». تفهم والدا حسام أخيرًا رغبة ابنهم، لكنه ما زال في مواجهة بقية أقاربه الذين يلومونه يوميًا على خياره بالقول «بدك تصير أستاذ؟!»، فيوضح أن أمامه خيارين يفكر بهما عند دراسة الفيزياء، حيث سيتابع دراساته العليا في الخارج وصولًا لشهادة الدكتوراه، وعندها إمّا سيكمل عمله في المسار الأكاديمي أو سيعمل في مراكز دراسات وبحوث علمية. «هدفي الأسمى أصير عالم»، يقول حسام.

بلغت نسبة النجاح في امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة «التوجيهي» للعام الحالي 56.5% حيث قدم الامتحان 170774 طالبًا وطالبة. وبلغت النسبة في مسار التعليم الثانوي الشامل الأكاديمي للطلبة النظاميين 58.3% بعامة، 74.5% في الفرع العلمي. 

وفي مقابلات أجرتها حبر مع الـ71 طالبًا وطالبة ممن حصلوا على معدل 100% في الفرع العلمي، أبدى أكثر من 80% منهم رغبتهم بدراسة الطب البشري، فيما جاء طب الأسنان ثانيًا بحوالي 4%، حيث اختاره ثلاثة طلبة، فيما اختار اثنان دراسة الفيزياء، وواحد دراسة تخصص الذكاء الاصطناعي، وأخرى ستدرس هندسة العمارة. ولم يحسم سبعة طلبة بعد خيارهم (قرابة 10%)، وشملت التخصصات التي يحتارون بينها، إلى جانب الطب البشري وطب الأسنان، هندسة الجينات والهندسة الكهربائية ودكتور صيدلة.

وكان غالبية الأوائل الـ71 من الإناث، بما يزيد عن 60%. ودرس أكثر من نصفهم بقليل في مدارس خاصة. ومن حيث توزيع الأوائل بحسب المحافظة، جاءت العاصمة أولًا بقرابة 41%، تليها إربد بحوالي 34%، ثم البلقاء والزرقاء بأقل من 6% لكل منهما.

بعيدًا عن الطب

لغيث الردايدة ميول شبيهة بميول حسام في حب الفيزياء منذ كان بالصف السابع، وتدعم عائلته خياره، كما يرغب بالعمل بنصيحة معلميه بدراسة الفيزياء على أن يحصّل شهادة الماجستير والدكتوراه. تخرج غيث من مدرسة حكومية في قصبة إربد، واعتاد الحصول على المراتب الأولى في كل مراحله الدراسية. عملت والدته سابقًا معلمة لمادة التاريخ، ودرَس والده هندسة العمارة ويعمل مديرًا تنفيذيًا في بلدية إربد، ولديه شقيقة تصغره بأربع سنوات وشقيق يصغره بست. يصف غيث وضع عائلته المادي بالجيد لكنه يفكر جديًا بمنحة قدمتها له جامعة فيلاديلفيا المحلية الخاصة لدراسة الفيزياء حتى الحصول على الدكتوراة، دون أن يحسم خياره بعد.

«بدي أدرس ماجستير ودكتوراه وأصير أكاديمي أدرس الطلاب وأعمل أبحاث»، يقول غيث الذي يطمح إلى أن يختص في الفيزياء الفلكية ويدرس النجوم والمجرات ويصبح باحثًا أو أكاديميًا يدرس الطلبة العلوم التي رغب في الإبحار بها دومًا. 

أما مصعب غزال، فرغم حيرته في البداية تجاه التخصص الذي سيدرسه بعد الحصول على 100% في امتحان التوجيهي العلمي، إلا أنه حسم خياره بعيدًا عن تخصصات الطب والهندسة. حصل والد مصعب على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكيميائية لكنه لم يعمل باختصاصه، ويدير حاليًا شركة صيانة عامة، ووالدته لا تعمل لكنها درست اللغة الإنجليزية، وهو الأخ الأكبر لأبنائهما الخمسة. وتخرج مصعب من مدرسة خاصة في عمّان تتبع للواء الجامعة.

كان مصعب يتجه بفكره نحو علوم الحاسوب، لكن في اليوم التالي تواصلت حبر مجددًا معه وكان قد توصل لقرار بدراسة تخصص الذكاء الاصطناعي، بعد أن قدمت له جامعة الحسين التقنية منحة دراسية.

يقول مصعب إن مبادرة هاشتات، وهي مبادرة محلية تساعد الطلبة في المراحل الدراسية على تحديد ميولهم واختيار التخصص الأنسب لهم في المرحلة الجامعية، ساعدته على اتخاذ قراره بالابتعاد عن دراسة الطب والهندسة حيث يتعرف الطلبة عمليًا على تخصصين جامعيين في الأسبوع، كما يقول. 

هذه الخطوة اتخذها مصعب بنفسه في الصف العاشر مستبقًا نصائح قد توجه له بدراسة الطب أو غيره من التخصصات، إضافة لمشاركته خلال المرحلة الدراسية في مسابقات بمجال الروبوت. «من قبل التوجيهي كان متوقع إني أجيب معدل عالي فكنت متوقع أهلي رح يحكوا طب، وأنا كنت بدي أحسم قراري.. وحاليًا شجعوني على اختياري للذكاء الاصطناعي… في بداية السنة الدراسية توقعت إني رح أجيب معدل بحدود 97% لكن بعد ما إجا الامتحان دوائر كنت متأكد من إجاباتي وتوقعت أجيب 100%». خطة الجامعة في تخصص الذكاء الاصطناعي مدتها أربع سنوات، وبعدها سيكمل مصعب تعليمه ليعمل في المسار الأكاديمي أو في مجال الاختراعات والبحوث العلمية.

لم تفكر رنيم الزويري بدراسة الطب البشري، لعدد السنوات الطويلة التي ستقضيها في دراسة التخصص، ونظرًا لحبها لمادة الكيمياء، فإنها كانت أمام خيارين إما دراسة الهندسة الكيميائية أو دخول كلية الصيدلة عبر دراسة الصيدلة أو دكتور الصيدلة في الجامعة الأردنية. وتشرح رنيم لحبر أنها اتخذت أخيرًا قرارها بدراسة الصيدلة لأن والدتها المختصة في الهندسة الصناعية أوضحت لها بأن التخصصات الهندسية تتطلب دراسة الفيزياء وهي تميل للكيمياء أكثر، كما أن الهندسة الكيميائية من التخصصات غير المطلوبة لسوق العمل كما تقول. 

الصيدلة والهندسة الكيمياوية في القطاع العام مشبعة للذكور والإناث، لكن هناك فرصة للعمل بهما في القطاع الخاص محليًا، بحسب وحدة تنسيق القبول الموحد التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

«أنا كتير بحب اللغات بس قلت خليها هواية لانه ما بضمن أشتغل إشي تاني غير التعليم»، تقول رنيم، التي تخرجت من مدرسة خاصة في عمّان تتبع للواء الجامعة، وتذكر أنها تعلمت اللغة التركية في مرحلة الدراسة حيث اجتازت ثلاث دورات، بالإضافة إلى إتقانها الإنجليزية في المدرسة.

رغم أن تخصص الهندسة المعمارية من التخصصات المشبعة للذكور والإناث في القطاع العام، وقد تكون هناك فرصة للعمل به في القطاع الخاص بحسب وحدة تنسيق القبول الموحد، إلا أن غالية العسعس التي حصلت على معدل 100% قررت دراسته لأنها تحب الرسم، إضافة لمادتي الفيزياء والرياضيات. 

«بداية سنة التوجيهي، لقيت حالي إحدى هواياتي الرسم، وأكتر مواد بحبها هي الفيزيا والرياضيات، فأكثر تخصص بيجمع بينهم هو هندسة العمارة»، تقول غالية التي تخرجت من مدرسة خاصة في عمّان تتبع للواء الجامعة. «أهلي كتير بيدعموني إني أدرس الإشي اللي بحبه ومو فارقة معهم إني ما أروح طب»، تضيف غالية، موضحةً أن والدتها درست هندسة العمارة، وشجعتها على خيارها بعد أن اتخذته دون ضغط.

فيما يتعلق بالعمل لا تخفي غالية خوفها من البطالة لكنها تقول إنها ستعمل في المكاتب الهندسية التي تطلب مهندسين معماريين في الأردن، وفي المستقبل قد تفتح مكتبًا خاصًا بها.

تفضيل الطب مستمر

«أهلي وإخواني كلهم طب، وما في بالعيلة حدا درس تخصص ثاني، فأكيد رح أدرس طب»، تقول سارة المومني، التي تعيش في إربد وترغب في دراسة التخصص في جامعة العلوم والتكنولوجيا لأنها الأقرب لمكان سكنها. فوالداها مختصان في النسائية والتوليد، وشقيقاها يدرسان الطب حاليًا في الجامعة الأردنية، أحدهما في سنته السادسة والآخر في السنة الثالثة.

سارة واحدة من عديدين قابلتهم حبر من أوائل الفرع العلمي يرغبون في دراسة الطب البشري، إما بتشجيع من أسرهم، أو بسبب المعدل المرتفع الذي يرون أنه يوجه ميولهم نحو هذا التخصص، كما يغريهم الوصول لمستقبل واعد اجتماعيًا وماليًا بحسب ما أفاد عدد منهم، فيما قال آخرون إن الطبيعة «الإنسانية» لهذا التخصص جذبتهم. 

لجأ طلبة آخرون لدراسة طب الأسنان خصيصًا نظرًا إلى أنه يحتاج عدد سنوات أقل. يقول الخريج مصعب الكعابنة إنه فضل هذا التخصص على الطب البشري نظرًا لمخاوفه تجاه المسؤولية التي ستلقى عليه كطبيب. «ما بحب الدم، وبخاف خلال مسيرتي العملية أأذي حدا أو أتسبب بوفاة شخص لو صرت طبيب بشري، وكمان الطب البشري رح ياخد من عمري كثير»، يقول مصعب، لافتًا أيضًا إلى أن دورة هندسية حصل عليها في المدرسة الخاصة التي تخرج منها في عمّان، كانت كافية لتأكيد عدم اهتمامه بدراسة الهندسة.

ورغم أن وحدة تنسيق القبول الموحد أعلنت لسنة 2020 أن تخصص الطب البشري مطلوب للذكور والإناث في القطاع العام كما أنه مطلوب في القطاع الخاص المحلي، إلا أن مشكلة محدودية مقاعد الإقامة المتاحة لخريجي الطب، وعدم تلقي أجور عن فترة الإقامة في كثير من الأحيان، هي أحد العوامل التي قد تجعل البعض يتردد أمام خيار دراسة الطب. ففي حين أن مقاعد الإقامة في مستشفيات الأردن بلغت 1100 العام الماضي، إلا أن عدد المؤهلين الجدد لهذه المقاعد تجاوز 2050 طبيبًا في ذلك العام، وفق دراسة داخلية لنقابة الأطباء.

يحتار عمر عبيدة بين دراسة الهندسة الكهربائية والطب. فميوله تحفزه لدراسة الهندسة الكهربائية، اقتداءً بشقيقه الذي درس التخصص نفسه، لكن مكانة الطب في المجتمع تجعل الطالب يفكر أحيانًا بدراسته كما يقول، «نهاية الطب رح تصير دكتور وإله مكانة بالمجتمع»، يقول عمر. في حين تقول الطالبة دانا المومني إن لديها الرغبة بدراسة هندسة الجينات في جامعة العلوم والتكنولوجيا، ومتابعة الدراسات العليا في ذات المجال، بحيث تختص في علم الفيروسات وعلوم المناعة. إلا أنها قد تدرس الطب البشري بناء على نصيحة عائلتها بأن فرص العمل للطبيب أكبر، على أن تتخصص في علم الجينات.

أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور حسين الخزاعي يرى أن لجوء الطلبة لدراسة الطب له عدة أسباب أبرزها التنافس الاجتماعي والتباهي بتخصص الخريج بين الأهل والأقارب والمعارف، إضافة لمكانته الاجتماعية التي تلعب دورًا كبيرًا في تحقيق رغبة الأهل بالدرجة الأولى ثم رغبة الأبناء يعززها مكانة الطبيب في المجتمع وعلى المستوى المعيشي. 

على عكس كثير من الطلبة الذين اتجهوا لدراسة الطب بتشجيع من أسرهم، فإن سارة عبد الهادي تصمم على دراسة الطب البشري رغم أن ذويها اللذين لا يعارضان دراستها للطب نصحاها بالتفكير بتخصصات أخرى تقل فيها عدد سنوات الدراسة، وتوفر فرص عمل جيدة لها. 

«أهلي حكولي ما تفوتي هندسة ما إله شغل في الأردن، ونصحوني أدخل أي اشي بحبه إله شغل (..) حابة أدرس طب بشري؛ بيشبه شخصيتي، مجدة وعندي حس مسؤولية. وبعد سنة بالجامعة لو لقيت حالي مش قد التخصص بحول»، تقول سارة، مضيفةً أنها تحب اللغات ولديها معرفة بالإسبانية والفرنسية، إلا أنها رأت أنه يمكنها اكتساب اللغة عبر الدورات دون أن تتخصص فيها.

محمد، والد سارة الحاصل على بكالوريوس في الحقوق ويعمل بالشركة الوطنية للوقود، قال إنه رغم مخاوفه من طول مدة دراسة الطب البشري التي تزيد عن سبع سنوات وتكلفته المرتفعة، إلا أنه لن يقف ضد رغبات ابنته في دراسة الطب.

وتقدم وزارة التعليم العالي منحًا لستين طالبًا وطالبة من أوائل المملكة سنويًا. مدير وحدة تنسيق القبول الموحد والناطق باسم وزارة التعليم العالي، مهند الخطيب، صرح لحبر بأن منح الأوائل مستمرة، لكنه لا يستطيع التنبؤ بما سيتم على المنح القادمة، نظرًا لأن عدد الأوائل على الفرع العلمي وحده بلغ 71 طالبًا وطالبة.