«الفحوصات سليمة»: قصة بنان مع ألمٍ امتدّ 14 عامًا

الأحد 03 تموز 2022
تصميم محمد شحادة.

عندما يشكو طفل في سنواته الأولى من ألمٍ ما، ينظر الأهل أحيانًا إلى مكان الألم ويفحصونه، فإذا لم يجدوا أي كدماتٍ أو كشطٍ أو أثر لسعة حشرة -مثلًا- فإنهم قد يعتبرونه ألمًا عابرًا أو مجرد «دلع أطفال». هذا ما حصل مع شقيقتي بَنان ذات الأعوام الأربعة، صيف عام 2007، عندما استيقظت في منتصف الليل وأيقظتنا على صوت بكائها الغريب بسبب آلام شديدة في ركبتها اليسرى، فتفحّصت والدتي الركبة ولم تجدْ أي علامة قد تدلّ على سبب الألم، أضأنا الأنوار وبحثنا عن حشرةٍ قد تكون السبب، لكننا لم نجد شيئًا.

لم تقل والدتي إنه «دلع أطفال»، فلم تكن بنان تتباكى إنما كان بكاء حقيقيًا، وبعد تفكيرٍ ونقاشٍ اتفقنا على أن السبب المحتمل هو «الحلم»، لا بدّ أنها كانت تحلم بأنها سقطت على ركبتها أو أذتها بشكل بالغ، فاستيقظت وقد خُيّل إليها أن الألم حقيقيّ ومستمرّ في الواقع.

صباح اليوم التالي أصرّ جدّي -رحمه الله- على والدتي أن تأخذ بنان إلى مستشفى الأمير هاشم في الزرقاء، للتأكد من سلامة رجلها اليسرى. هناك فحصَ طبيب الأطفال ركبتها وجانبها الأيسر كاملًا ووجدَ أنها سليمة، وقال: «أكيد كانت بتحلم، سليمة إن شاء الله».

بعد بضعة أشهر أصيبت بنان عند استيقاظها من النوم بنوبة ألمٍ أخرى في ركبتها اليسرى، فأخذتها والدتي إلى الطبيب العام في مركز صحي في إربد حيث نقيم، أجرى الطبيب فحوصات سريرية وتصوير أشعة سينية لكنه لم يجد مسبّبًا للألم، وحيث إن هذه النوبة هي الثانية التي تصيب بنان، فقد افترض الطبيب تفسيرًا آخر غير الحلم، وهو نموّ العظام، وأخبرنا أن بعض الأطفال يشعرون بآلامٍ في العظام والمفاصل عند النمو، وأن بنان تبدو طفلة مدللة، لذا قد تكون ردة فعلها تجاه الألم أكبر من حجمه، بدا لنا تفسيره مقنعًا، فالألم لم يكن يوميًا، كما أننا لم نعرف عن آلامٍ في المفاصل والعظام تصيب الأطفال، خصوصًا أن آلام بنان غير مؤكدة بالفحوصات.

في عمر الخامسة، بدأت تتضح معالم شخصية بنان؛ طفلة مزاجية وعصبية ومهووسة بالتنظيم والترتيب. وقد تواصلت خلال هذا العام نوبات الألم في رجلها اليسرى، وكانت متباعدة بينها عدة أشهر، كما أنها متفاوتة في شدّتها، وكانت والدتي تعطي بنان مسكناتٍ وخافضًا للحرارة كلما شعرت بالألم. 

وفي مرةٍ، بعد عامٍ آخر، كانت بنان طالبة في الصف الأول، تجلس، بجسمها الهزيل القصير، على طرف الساحة في المدرسة هاربة من الشمس التي تسبب لها صداعًا غير عادي، مكتفيةً بمراقبة زملائها يلعبون، لاحظت معلمتها ذلك وسألتها عنه، فأجابت بنان أنها تخاف من الشعور بالألم إذا ما لعبت وركضت مثل بقية الأطفال. أخبرت المعلمة والديّ بالأمر، فذهبا ببنان إلى طبيب أطفال في مستشفى الأمير راشد بن الحسن العسكري في إربد، أجرى الفحوصات نفسها، واستشار طبيب عظام ومفاصل، ثم سأل الطبيب ما إذا كانت بنان طفلة عصبية، فأجابوه: «أوه، ومزاجية كمان مش بس عصبية»، فقال إن الفحوصات سليمة، وإن بنان لا تشكو من شيء، لكن عصبيّتها تؤثر على صحتها، وإن استجابة الأجسام للعصبية مختلفة، والاستجابة في حالة بنان هي الشعور بهذه الآلام. عاد والديّ إلى المنزل بشعورٍ بالخيبة، فقد كانا ينتظران تشخيصًا أو نتيجة واضحة. أما بَنان فعادت مبتهجة وفي يدها حلوى شعر البنات، إذ لم تكن تشعر حينها بأي ألم.

استمرت نوبات الألم على فتراتٍ ودرجات متفاوتة لأعوام أخرى، وقد اعتدنا على ذلك متقبلين جميع التشخيصات السابقة لإرضاء شعورنا بالمسؤولية تجاه بنان. وأردنا بعد خمس سنوات على أول نوبة ألمٍ شعرت بها بنان أن نعيد فحص حالتها، فذهبنا مجددًا إلى مستشفى الأمير راشد، وأجرى الطبيب لها عدة فحوصات منها تحليل للدم وأشعة سينية وفيتامين (د) وفحص الروماتيزم، وكانت النتائج مرة أخرى سليمة، فلم تظهر الفحوصات أي مرض أو سبب للألم، فسأل والديّ الطبيب: «متأكد يا دكتور؟ نعيد الفحوصات كمان مرة؟ يعني بنتنا سليمة ما فيها إشي؟»، فأجابهم: «مية بالمية، بنتكوا ما بتشكي من أي مرض، ممكن دلع أو إنها بمرحلة النمو، أو لإنّها عصبية»، معيدًا بذلك ما أخبره به والديّ سلفًا عن التشخيصات السابقة.

بعد حوالي عامٍ آخر، وبنان في منتصف الصف الرابع، اشتدّ عليها ألم الركبة اليسرى، وشعرت به يمتدّ إلى أعلاها، وشعرت بالألم نفسه في القدم اليمنى أيضًا، إضافة إلى آلام في الصدر والقلب. ولأنها صارت تمتلك القدرة اللغوية على توصيف الألم وشدته وأماكنه، صرنا أكثر ثقة بما تقوله: «بحس كإنه حدا ماسك عضلات إجري وبشدها من الجهتين، ركبتي بتوجع كإنه حدا قاعد بدعس عليها، صدري بغزغزني».

اتجهنا بها هذه المرة إلى مدينة الحسين الطبية في عمّان، وفي طوابير الانتظار ومواعيد المراجعات المتباعدة استغرقت فحوصات بنان قرابة عام كاملٍ، راجعت خلاله طبيب أطفال، وطبيب عظام، وطبيب قلب، وأُجريت لها الفحوصات السابقة نفسها، إضافة إلى التصوير بالرنين المغناطيسي وتخطيط القلب، مجددًا كانت الفحوصات سليمة باستثناء ما أظهره تخطيط القلب عن عدم انغلاق أحد صمامات القلب بشكل كامل، إنما بنسبة 90%، فعزا أخصائي القلب آلام الركبة اليسرى ونغزات القلب إلى المشكلة في الصمّام، لكنه لم يفسّر ألم العضلات الشديد في قدميها. استشرنا بعدها أخصائي عظام ومفاصل، وقد اتفق مع تشخيص أخصائي القلب، وقال إن الألم في قدمها اليمنى نفسيّ، فهي تشعر بالألم في منطقة من جسمها لكن المشكلة في منطقة أخرى.

مرّت ثلاثة أعوام أخرى، صارت بنان في الـ14 من عمرها، وازداد مستوى الألم لديها، حيث ينقضّ عليها أحيانًا ألمٌ غير محتمل، فتربط المشدّات الطبية وتتناول مسكنات قوية، وتظلّ طريحة الفراش لساعات، أو أيامٍ، حتى يزول الألم، ويصيبها خلالها نوبات غضب وقلق. وفي أواخر دراستها في الصف الثامن ظهرت لديها آلام جديدة في صدرها وبطنها وأصابها ضيقٌ في التنفس، فأخذناها مجددًا إلى مستشفى الأمير راشد، ليكون تشخيصها هذه المرة مرض القولون العصبي.

كان هذا آخر عامٍ دراسي تحرز فيه بنان تحصيلًا علميًا متفوقًا، حيث بدأت تظهر عليها أعراض غريبة مثل التشتت وفقدان الذاكرة الملحوظ، حتى وصل الأمر إلى فقدانها أواخر الصف التاسع  القدرةَ على حلّ مسائل رياضية بسيطة، ما اضطرّ والديّ قبل الامتحانات النهائية أن يذهبا إلى المدرسة لتوضيح ما يحصل مع بنان، طالبين تعاون المعلمات وتساهلهنّ مع بنان في تصحيح الامتحان تجنّبًا لرسوبها، مؤكدين أن شيئًا ما يجهلانه يحصل بالتأكيد لبنان، وأنهم سيبحثون حول الأمر أكثر، وإلا كيف لفتاة متفوقة طيلة أعوامها الدراسية أن تصير عاجزة عن حل أبسط المسائل؟

تبيّن لنا لاحقًا، بعد مراجعة طبيب دماغ وأعصاب، أن التشتت وفقدان الذاكرة سببه حالة اضطرابٍ ذهنية تُعرف بالذاكرة الضبابية (أو ضبابية الدماغ)، وهي تؤثر على قدرة الشخص على التفكير والتركيز والقيام بمختلف النشاطات اليومية. تصف بنان شعورها آنذاك: «مش عارفة أوصف بدقة، بس لما كنت بحاول أحلّ إشي بسيط وسخيف، أو أفكر بإشي، وما أعرف. كنت زي كإنه الواحد بفوت على بيته اللي هو أكثر إشي ينتمي له وباصم كل اشي فيه، كل يوم طول حياته بفوت عليه، وفجأة بتبطل قادر تفوت عليه، بتظل برّة، وما بتعرف أصلًا كيف تفوت عليه».

يُشخّص هذا الاضطراب بناءً على كلام المريض ووصفه للأعراض التي يشعر بها، وقد تكون أسبابه نفسيّة أو فيزيائية، وقد أجريت لبنان فحوصات طبية تبحث عن مسبّب فيزيائي، لكن نتائجها كانت طبيعية، فعزاه الطبيب لأسباب نفسية. 

مع الوقت، ازداد الوضع سوءًا، ووصل الألم إلى جميع عضلات ومفاصل الجسم، فأخذ ينقضّ أحيانًا على القدمين، وأحيانًا على الصدر واليدين، أو على الرقبة وإحدى اليدين أو القدمين، وتشتدّ أحيانًا ضبابية الدماغ أو القولون العصبي. كما ظهر عرَض جديد هو طقطقة الفكين بشدةٍ تمنع مضغ الطعام أحيانًا. أما نفسيًا فقد دخلت بنان منذ أواخر الصف التاسع حتى أواخر العاشر في حالة اكتئاب وقلق وأرق واضحة، فضلًا عن العزلة الاجتماعية وعدم القدرة على التواصل حتى معنا في كثير من الأحيان، فدائمًا ما يتملّكها الغضب لعدم قدرتنا على تصور حجم الألم الذي تشعر به، ولعدم إقرار الأطباء بوجود هذه الأوجاع التي تفترسها جسديًا ونفسيًا.

جربنا كل ما هو ممكن للعلاج؛ العلاجات الدوائية من مسكنات ومرخي عضلات ودواء القولون، والأعشاب المهدئة للأعصاب، والدعم المعنوي، والرقية الشرعية، ثم أعدنا التحرّي عن سبب الآلام فأخذنا بَنان إلى عيادة خاصة، تجنبًا للانتظار الطويل في المستشفيات الحكومية. فحصها اخصائي روماتيزم ومفاصل، وأخصائي مناعة، وأعيدت الفحوصات السابقة، وأضيف إليها فحوصات خاصة بأمراض المناعة الذاتية ذات الأعراض المشابهة لما تشعر به بنان، وظهرت النتيجة نفسها: الفحوصات سليمة تمامًا. وبعد حوارٍ طويل مع والديّ قال أخصائي الروماتيزم: «بنتك ما فيها إشي، بتدّلع زي هالبنات، أنا برأيي السبب نفسي، حولوها عالطب النفسي». ولأن وضعها النفسي لا يقل خطورة عن وضعها الجسدي وافقت العائلة على تجربة العلاج كتجربة أخيرة لإنقاذ بنان، فقد مرّت 12 عامًا مضنية ومستنزفة، نفسيًا وماديًا، لنا جميعًا.

أصعب اشي كان بالعلاج النفسي إنك بتفقد الحق بالدفاع عن وجعك، خلص إنت حدا بس مش عارف يسيطر عَ دماغه اللي بخليه مكتئب بدون سبب ومتوجع بدون سبب».

على مدار عامين، راجعت بنان ثلاثة أطباء نفسيين في عمّان وإربد، وقد بدأ العلاج بالاكتئاب باعتباره أهم عرَضٍ يجب التعامل معه، لأنه بحسب الطبيب المسبّب لكل الآلام التي تعاني منها بنان، وانتهج الطبيب العلاج عبر جلسات طويلة من الكلام والنبش في الماضي، في محاولة منه لإيجاد المنعطف أو الصدمة النفسية التي أدت إلى الاكتئاب، وهو ما لم تمر به بنان، تأمل الطبيب في هذه الجلسات أوجاعها وسرد عليها قصصًا بطولية عن الصبر والتعامل الإيجابي مع الظروف القاهرة، كما وصف لها أدوية وتابع التغيّرات اليومية في حالتها. لكن، لم يجدِ أي من هذا نفعًا، فقد استمر الاكتئاب والألم الجسدي المتفاوت. في الجلسات الأخيرة عند آخر طبيب راجعناه قال الطبيب لوالدتي: «بنان بنت عصبية وحساسة، وما في سبب معين للاكتئاب الحاد عندها، وكل هاي الأوجاع اللي بجسمها نفسية، إذا راح الاكتئاب رح ترجع طبيعية، عشان هيك رح نبلش علاج بإبر الكيتامين، هاي أقوى إشي»، وافقت والدتي على المضي في علاج الإبر، فكلّ ما ترجوه أن تكون بيان «طبيعية».

تُستخدم إبر الكيتامين لعلاج الاكتئاب الحادّ والميول الانتحارية عند بعض الأشخاص، تلقّت بنان أربع جرعات، بمعدل جرعةً أسبوعيًا، تلا كلًا منها في اليوم التالي جلسة نفسية. لم تستطع بنان تحمل هذه الإبر، فقد سببت لها هلاوس أثناء أخذ الجرعة، وأفقدتها التركيز والاتزان طيلة الأسبوع اللاحق للجرعة. وهو ما كان قد توقع حدوثه الممرض المشرف على إعطائها الجرعة لأنها جسمها هزيل، علمًا بأن مقدار الجرعة يُعطى بحسب وزن المريض.

ما لم نكن نعرفه هو أن بنان في جلساتها الأخيرة مع الطبيب النفسي كانت تتعرض لما يمكن وصفه بالتعنيف النفسي، بسبب ما يعتقد الطبيب أنها طريقة أخرى للعلاج، فكان يصرخ فيها أحيانًا، ويخبرها أنها السبب في كل ما يحصل معها، وأنها نقيض أقرانها، وإذا لم تنهِ هذا الاكتئاب هي بنفسها فلن ينفع معها أي علاج، وأن عائلتها ستتخلى في النهاية عنها دون شك. لم نكن نعلم ما يحصل خلف باب العيادة المغلق إلا ما يخبرنا به الطبيب أو ترغب بنان بقوله.

بعد تلقيها الجرعة الرابعة من الكيتامين، قالت لنا بنان إن الطبيب يعنّفها نفسيًا وإنها تفضل الموت على الرجوع إلى العلاج النفسي. اجتمعت العائلة دون بنان، وبعد نقاشٍ قررنا إيقاف العلاج النفسي الذي فاقم المشكلة بدلًا من حلّها، والذي ركّز على معالجة الاكتئاب والحالة النفسية التي توهم بوجود ألمٍ، بينما بالنسبة لبنان كان الألم حقيقيًا يرافقه أو يليه اكتئاب. تصف بنان تجربتها في العلاج النفسي: «أصعب اشي كان بالعلاج النفسي إنك بتفقد الحق بالدفاع عن وجعك، خلص إنت حدا بس مش عارف يسيطر عَ دماغه اللي بخليه مكتئب بدون سبب ومتوجع بدون سبب».

كنّا على بُعد أربعة أشهرٍ من امتحانات الثانوية العامة مطلع العام 2022، لم تتابع بنان دروسها أثناء التعليم عن بعد، وانسحبت من مركز الدروس الخصوصية بعد أن دفع والدي كامل المبلغ المستحق غيرَ مستردّ، فلم تذهب إلا مرات قليلة إرضاءً له. وفي يومٍ كنت أبحث عن أحد الأغراض في خزانتها فوجدت كتبها جديدة تمامًا لم تمسّ، فأصابني غضبٌ من كل ما حصل مع بنان، ودفعني للبحث على الإنترنت بشكل عشوائي عن أعراض مرضها، ولأننا لم نكن نعلم أن كل الأعراض سببها مرض واحد، فقد بحثت عن كل عرضين أو ثلاثة معًا، ثم أعدت البحث مستخدمة أعراضًا أخرى. كنت أكتب -مثلًا- باللغة العربية والإنجليزية: «من أعراضه تشنج العضلات وآلام المفاصل والحساسية»، ثم أعيد البحث: «من أعراضه طقطقة الفك والقولون العصبي وآلام العضلات»، و«من أعراضه ضبابية الدماغ والاكتئاب»، وهكذا كررت الصياغة نفسها مع تغيير الأعراض، حتى وجدتُ تطابقًا لكل أعراض بنان في مقالة عن «متلازمة الفيبروميالجيا».

تعرف المتلازمة بالألم الليفي العضلي، وهو اضطراب نادرٌ يسبب ألمًا شديدًا في البنية العضلية والهيكلية في المفاصل والرقبة والصدر والظهر، والعضلات المجاورة لها، ويصاحبه شعور بالتعب والإرهاق وصعوبة في التركيز وضعفٍ في الذاكرة، واضطراب في النوم. كما يصاحب المتلازمة أعراض أخرى تتفاوت من شخص لآخر بدرجات متفاوتة، منها طقطقة الفك، والقولون العصبي، وضبابية الدماغ، والحساسية تجاه الضوء أو الروائح، إضافة إلى القلق والاكتئاب.

يسبّب هذا الاضطراب زيادةً غير طبيعية في مستويات بعض المواد الكيميائية المسؤولة عن نقل إشارات الألم في الدماغ. وتنشئ مستقبلات الألم في الدماغ نوعًا من ذاكرة الألم، وتصير حساسة له؛ أي أنها يمكن أن تبالغ في رد الفعل تجاه الإشارات المؤلمة أو غير المؤلمة، فيعطي الدماغ تنبيهات وإشارات للعضلات والمفاصل بوجود ألمٍ شديد فيها. بكلمات أخرى، يشعر الشخص المصاب بآلام قوية في العضلات والمفاصل وإعياء تامّ يلقيه في الفراش أحيانًا دون وجود مسبّب فيزيائي للألم. ويوصف طبيًا ما يشعر به المريض من ألمٍ بالهجمة، وليس النوبة، لأن الألم لا يحدث تدريجيًا إنما دفعةً واحدة بشكل مفاجئ على أحد أعضاء الجسم. ولا يوجد علاج لهذا المرض.

أما أسباب المتلازمة فقد تكون وراثية، أو بيئية تتسبب فيها إصابة جسدية أو جراحة أو إجهاد نفسي شديد. ولا تشخّص المتلازمة بتحليلات الدم أو صور الأشعة، إنما بالفحص السريري وشرح المريض لآلامه التي يجب أن تكون مزمنة وعلى فترات طويلة، كما تُشخص باستبعادِ أمراض أخرى تتشابه بعض أعراضها مع أعراض الفيبروميالجيا، فتُجرى فحوصات لبعض الأمراض المناعية والروماتيزمية للتأكد من عدم الإصابة بها.  

أواخر تشرين الأول عام 2021، ذهبنا مع بنان إلى طبيب عظام ومفاصل للتأكد من نتائج بحثي. كانت والدتي في حالة ترقّب طوال الطريق، وتحدّق في المارّة وإشارات المرور كأنها تستعجل الإجابة من أي منهم. وكان والدي عاقدًا جبينه وشابكًا يديه فهو لم يرغب بالذهاب إلى الطبيب معتقدّا أنها زيارة بلا فائدة كسابقاتها. أما بنان فتجلس في السيّارة بكل هدوء وخوفٍ واضح؛ خوفٍ من الأمل. فيما أراقب أنا المشهد وأستمر بالدعاء.

بعد مراجعة نتائج الفحوصات الطبية والاطلاع على تاريخ الألم وطبيعته، وفحص مواقع الألم في جسدها، أكّد الطبيب تشخيص بنان بمتلازمة الفيبروميالجيا. قال الطبيب إن هذا المرض نادرًا ما يصيب الأطفال، مؤكدًا أن سبب إصابتها وراثيّ نتيجة طفرة جينية تجعل الشخص عرضةً لهذا المرض، وهو السبب المرجح خصوصًا إذا لم يسبق أن خضع الطفل لعملية جراحية أو تعرّض لعامل بيئي قد يسبب المتلازمة. الحقيقة أنني لم أُلقِ بالًا لما قاله بعد ذلك من معلومات عن المرض رغم أهميتها، لم أكن أسمع الطبيب جيدًا، كأن صوته يأتي من مسافة أمتارٍ عديدة. أحسسنا جميعًا بمشاعر مختلطة من الذهول والفرح وعدم التصديق، وكل منّا يضع في رأسه خاتمة لرحلةٍ امتدّت 14 عامًا من السير والتخبط في متاهات التشخيص.

وضع الطبيب لبنان روتينًا يوميًا يسهم في تقليل أعراض المتلازمة، يتضمن ممارسة الرياضات الهوائية والالتزام بنظام غذائي صحي، إضافة إلى علاجات دوائية وسلوكية. في طريق العودة إلى البيت، غطّت بنان بالسيارة في نوم عميق، فيما أكملنا أنا ووالديّ الحديث عن المرض والتعامل معه يرافقنا شعور بالسعادة، يصاحبه استغراب من أن أحد أفراد أسرتنا يحمل مرضًا نادرًا وهو آخر ما كنا نتوقعه.

ما إن وصلنا البيت حتى دخلت بنان إلى غرفتها، وظلّت منعزلة طوال اليوم تحاول استيعاب الأمر، وتعيد البحث عن المتلازمة بعيون منتفخة من شدة البكاء، تصف بنان شعورها عند تأكيد التشخيص: «حسيت بسعادة غريبة، كانت أكبر من شعوري بالاطمئنان والراحة إنّي طلعت من المجهول، ومع إنه ما إله علاج بس حسيت بالنّصر، إنه بعد 14 سنة من الألم والتعب والخسارات، وجعي فعلاً طلع موجود، أنا ما بتوهم، كان كل إشي حقيقي».

بعد أن عرفت بنان المرض وكيفية التعامل معه، صارت كلما أصابتها هجمةٌ من الألم تأخذ دواءً لالتهاب العضلات والمفاصل، ومرخٍّ للعضلات يصرف للمصابين بهذ المتلازمة عند الحاجة، إضافة إلى جرعات معينة من المسكن، مع مراعاة الأعراض الأخرى للمرض وعلاجها حسب ظهورها كالقولون وطقطقة الفك وغيرها.

لقد استعادت بنان نضارة وجهها بعد أن كان دائم الشحوب، وأصبحت قادرة على إدارة الألم والتعامل معه كجزءٍ من حياتها. وأتمّت بنجاحٍ امتحانات الثانوية العامة أواخر كانون الثاني من هذا العام حائزة على معدل 89% من فرع الاقتصاد المنزلي، وترغب حاليًا بدراسة تخصص علم الاجتماع في الجامعة.

تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية