العدو الصهيوني في ذاكرة الأردنيين: قصة مجزرة «كفر أسد» 1968

الصفحة الأولى لصحيفة الدستور ليوم 4 كانون الأول 1968، عقب مجرزة كفر أسد.

العدو الصهيوني في ذاكرة الأردنيين: قصة مجزرة «كفر أسد» 1968

السبت 21 آذار 2020

لعل الفترة الممتدة ما بين هزيمة حزيران ومنتصف عام 1970 تُعد واحدة من الصفحات الغائبة أو المغيبة من تاريخ الصراع مع المحتل الصهيوني على الجبهة الأردنية. ففي الواقع، لم يجرِ التركيز إلا على محطة واحدة كبيرة هي معركة الكرامة، التي تحل ذكراها اليوم، وهي على أهميتها بالطبع، لكنها لم تكن الوحيدة، بمعنى أن الجبهة لم تكن ساكنة أبدًا خلال تلك السنوات. وربما لعبت النهاية المأساوية لتلك الفترة (القتال بين الجيش الأردني والمنظمات الفدائية) دورًا في عدم الانتباه لمجريات سنوات ثلاث كثيفة بالأحداث.

يتناول هذا المقال حالة واحدة هي قرية «كفر أسد»، التي ربما تكون القرية الأبرز من حيث حجم التضحيات وعدد الاعتداءات، من بين عشرات القرى الممتدة من المخيبة وأم قيس شمالًا وحتى قرى الشوبك ووادي موسى والعقبة جنوبًا. وفي الواقع يذهل المتصفح للأرشيف من كم الأخبار ذات الصلة، وخاصة في العامين 1968-1969.

يفيد الأرشيف أن رُبْع منازل قرية كفر أسد قد دمرت، وفقدت القرية (التي كان عدد سكانها خمسة آلاف) حوالي ثلاثين شهيدًا من أبنائها، منهم 14 شهيدًا في ليلة واحدة هي ليلة الثاني من كانون الأول عام 1968، إضافة إلى عشرات الجرحى منهم 18 في هذه الليلة لوحدها، (ستطالعون أسماءهم وأعمارهم تاليًا).

علي العمري يحمل ابنه الشهيد محمد ذي العام الواحد، ومصابون في الضربة يتلقون العلاج في المستشفى.

على المستوى العربي، سميت تلك السنوات من الصراع العسكري مع الاحتلال بـ«حرب الاستنزاف»، وهي في الأصل تسمية مصرية لأن خيار استنزاف العدو كان معلنًا من قبل الجيش المصري، وقد كتب المصريون والإسرائيليون عن تلك الحرب، التي ظلت «إسرائيل» وأمريكا تضغط لوقفها حتى تم ذلك رسميًا على الجبهة المصرية في الثامن من آب 1970.

في الجبهة الأردنية، ومع أن تسمية «الاستنزاف» لم تستخدم بوضوح حينها، إلا أن العمليات الفدائية في الأراضي المحتلة التي انطلقت بعد الهزيمة مباشرة، شكلت الممارسة الأبرز لعملية الاستنزاف. في تلك الفترة ساد شكل خاص من تقسيم الأدوار، بين المقاومين وبين الجيش الأردني (في الواقع تواجدت إلى جانب الجيش الأردني عدة قواعد للجيش العراقي في الشمال وأخرى للجيش السعودي في الجنوب، وقد قدم الجيشان التضحيات والشهداء). فقد أعلن الأردن رسميًا داخليًا وخارجيًا، دفاعه عن حق المقاومة وشرعيتها، وكانت قواعد المنظمات الفدائية تقع مجاورة لقواعد الجيش الأردني والعراقي. بالطبع كانت قواعد المنظمات الفدائية على شكل مخيمات ومواقع تدريب ومخازن للأسلحة الخفيفة التي تحتاج إليها، بينما تشكلت قواعد الجيوش من تحصينات ومرابض للمدفعية، لا تزال آثارها قائمة لليوم في كل القرى الحدودية، بعضها من صنع الطبيعة على شكل مغاور، وبعضها من صنع الإنسان لا تزال آثار الحفر والنحت اليدوي ظاهرة فيها.

لغاية إعداد هذا المقال، زرتُ كفر أسد، وقابلت شهود عيان بينهم ضابط متقاعد من الجيش، كما قابلت أحد جرحى ذلك العدوان الشهير نهاية عام 1968، وقد كان يبلغ من العمر حينها 12 عامًا. كما استمعت إلى آراء أخرى تتعلق بما في ذاكرة الجيل الحالي عن تلك الأيام.

وفق محدثينا، فقد كان محيط البلدة عبارة عن معسكر كبير، فإلى جانب قواعد ومواقع الجيش الأردني، كانت هناك قاعدة كبيرة للجيش العراقي منتشرة على مساحة واسعة، وحوالي 12 قاعدة للمنظمات الفدائية، التي تواجدت جميعها في تلك القرية ذات الموقع الحساس، وبعض المنظمات كانت لها قاعدتان.

رافقتُ الضابط المتقاعد شاكر المهيدات، إلى عدة مواقع لا تزال واضحة المعالم، تعود للجيشين الأردني والعراقي، منها تحصينات ومرابض ومخابئ ومخازن للذخائر. فبعد أن توسعت القرية عمرانيًا وأصبحت اليوم مدينة متوسطة، اقترب العمران من الأحراش والأراضي الزراعية التي كان ينتشر فيها العسكر.

مشى المهيدات في منطقة الأحراش وهو يقول مع الإشارات اللازمة: «هون إحدى الضربات على شجرة بلوط كبيرة، كأنها لم تكن. هون قاعدة للفدائية، قاعدة كانت مغارة انردمت، في مسافة عشرات الأمتار بين القاعدتين. هاظ من هون مية متر عدة قواعد. هون عاليمين قواعد، هناك قاعدة للجيش مدفعية، هون كانت أكبر شجرة بلوط في كفر أسد، هون كان موقع عراقي مكتب قيادة بين الشجرتين».

المهيدات يقف في ساحة كانت مربضًا للمدفعية في كفر أسد.

وأوضح المهيدات أن كفر أسد، كانت، كبلدة حدودية، ضمن مرمى المدفعية الإسرائيلية. ويقول إن القرية أصبحت «معسكرًا يضم إخواننا من منظمة التحرير والجيش العراقي والأردني، وكان التلاحم بين الجميع، وقد تواجدت 12 قاعدة فدائية كل قاعدة تضم حوالي 150 عنصرًا. المنظمات كانت حول البلد، والمنطقة محاطة بأحراش، الجيش الذي كان هنا وحدات مدفعية. وفي ظروف الاشتباك الجميع يتعرض للقصف.. قصف الطيران، المدافع تقصف الجميع، هناك قصف وقصف معاكس. كان القصف المدفعي على القوات والقواعد، الطيران يقصف البلدة كرسالة للناس. القصف كان شبه يومي».

بعد الضربة الكبيرة في مطلع كانون الأول 1968، «اجتمع الناس في الملعب البلدي في اليوم التالي، اجتماعًا غير منظم، حضر الملك حسين وخطب في الناس وكانوا ينادوا: بدنا سلاح. حالة حزن وحالة استنفار في اليوم التالي، إجا الملك، قال له الناس: «بدنا سلاح بدنا نحارب». هناك من الأهالي راحوا سجلوا مع الفدائية».

وأوضح المتحدثون أن مجتمع القرية ومحيطها كان مجتمعًا عسكريًا قتاليًا بالكامل، حتى إن الحركة التجارية نشطت في القرية بسبب التواجد الكثيف للمقاتلين من فدائيين وعسكريين، وأصبح العدوان شأنًا معتادًا. وكما هو التقليد الصهيوني، فإضافة إلى استهداف العسكريين، فإن المدنيين كانوا هدفًا دائمًا باعتبارهم المجتمع الحاضن الذي يستحق العقوبة.

كان جميع السكان متأثرين ومشاركين أحيانًا. أحد المتحدثين يتذكر أن الجيش ذات مرة أحضر كميات من الذخيرة، تحت القصف، وقد حضر كثير من السكان رجالًا ونساء للمساعدة في النقل. كانت هناك قذائف كبيرة ثقيلة، وكان مواطن اسمه محمد بشايرة، جسمه كبير وبنيته قوية، يحمل القذيفة لوحده. كان الأهالي يُحضرون معهم الماء والطعام، كان هدف العدو رباعيًا: «الجيش والعراقيين والفدائية والأهالي».

الاعتداء الأبرز والأقسى

عثرتُ على بعض المواد الأرشيفية في صحيفة «الدستور»، وعلى مواد أخرى وصور أحسن جودة في صحيفة «الأنوار» اللبنانية، كما كتب أحد أبناء القرية كتابًا صغيرًا عن كفر أسد أورد فيه بعض المعلومات.

حملت يومية الدستور في 4 كانون الأول 1968 المانشيت التالي: «دمر البرابرة الإسرائيليون كفر أسد»، وقد أرسلت الصحيفة مندوبين للمنطقة، لا سيما أن عدوان تلك الليلة شمل مواقع أخرى من بينها مدينة اربد، كما تضمن إسقاط طائرات للعدو، من بينها اثنتان سقطتا في الأراضي الأردنية، وحملت الصحيفة صورًا لهما.

كتب مندوب الصحيفة: 

«طفت بأرجاء القرية التي يبلغ عدد سكانها حوالي خمسة آلاف نسمة وأنا أرى سكان البيوت المهدمة يبحثون عن أثاث بيوتهم تحت الأنقاض وأماكن مؤقتة يأوون إليها. ووصلت إلى مدرسة إناث القرية المؤلفة من بنائين من الإسمنت المسلح، والتي لم تسلم من القصف الإسرائيلي، الذي حطم مقاعد الدراسة وزجاج النوافذ، وأحدث ثغرات في واجهة المدرسة وبعض الحفر الكبيرة في ساحتها، كما رأيت بقايا بعض القذائف متناثرة في ساحة المدرسة وأشجار الزيتون وقد اجتثت من جذورها.

وفي مدخل القرية كان السكان قد وضعوا شهداءهم في غرفة خاصة تمهيدًا لدفنهم، وعندما دخلت الغرفة وأنا أرى الموت قد اختطف طفلة لم تتجاوز الأيام العشرة من عمرها، ورأيت في أرجاء الغرفة الشهداء وقد لفوا بملاءات أو بطانيات مليئة بدمهم الطاهر ولاحظت أن بعض الجثث قد فقدت الكثير من أجزائها.

سألت أحد السكان فقال: سمعنا صوت القصف المدفعي الساعة الحادية عشرة مساء، فهرع بعضنا إلى الحقول ودخل البعض الآخر إلى الملاجئ، وظلت معركة مستمرة حتى الساعة الثانية عشر إلا عشر دقائق، عندما تدخل سلاح الجو الإسرائيلي في المعركة وكنت أسمع أزيز الطائرات في سماء القرية بصورة مستمرة، وأسمع أصوات انفجارات مستمرة بصورة متلاحقة، وظلت الطائرات الغادرة تقصف حى الساعة الثانية والنصف صباحًا.

لدى بدء القصف دخلت سبع عائلات إلى أحد الملاجئ القريبة، عبارة عن مغارة لها بابان تقع تحت غرفة في طرف القرية، وقذفت إحدى الطائرات الغرفة فاخترقتها واخترقت المغارة بصاروخ انفجر في داخلها محدثًا إصابات بلغت 32 إصابة بين قتيل وجريح».

شهادة جريح

الجريح سامي مشعل من مواليد عجلون عام 1955، ودرس في كفر أسد، وكان والده «طوافًا» على الأحراش. شهد مشعل الضربة وهو في الثالثة عشرة من عمره، ليرحل بعدها إلى عمان ويقيم مع أخيه.

التقيت مشعل في بيته، فروى شهادته على المجزرة قائلًا: «[ليلة 2 كانون الأول] أبوي صحّانا، اشتد القصف. قال أبوي توزّعوا على أكثر من مطرح. الشغلة حميت، إجا أبوي قال لي خذ اختك، أختي أصغر مني بسنة. لما طلعت كانت طيارات هليكوبتر واقفات فوق المقبرة، في طلقات تنوير، القصف بالليل، الناس ماشية، وين هالناس منهزمة [هاربة] أمشي معهم، تفاجأت بالمغارة، فتنا، كإنك فايت على صالة أفراحـ ختيارية وأولاد ونسوان».

«قبل ما يصلن الطيارات، الأرض تْرِجّ، نقول: إجِن إجِن إجن، صوت الطيارة قدامها. أخذت أختي وعبطتها، وغَطّيت حالي بِلْحاف. بُوووه! صوت الصاروخ، المغارة كلها كفتت، وقعت صخرة بس ظلت رافعة. أختي ما حصرتها الصخرة، طلعت، ظليت أني .. صاحي بَسْ مخنوق، نايم ومخنوق. الساعة 2 ضربت، صرت أقرا سورة الفاتحة، قلت خَلْصت، وِنّه جاي الحج حسن صاحب الدار اللي فيها المغارة، سمعت صوته، أنا أنادي: عمي عمي، قال الحج حسن: اللي تحت الرّدم بحكي. صاروا يقيموا لِحْجار، بيّنت إيدي، قال: هاي في ناس. سحبوني [هنا بكى سامي، ثم أكمل] أجا أخوي قومني. سألني: بْتقف؟ ما عرفت، وقعت [بكى سامي مرة أخرى ثم أكمل] المغارة معتمة، ناس حَوَلَي، إشي مقطع بطنه، إيده، ما حداش داري عن الثاني، الناس خايفة، من 2 الى 8 الصبح وأنا تحت القلعة. لما خفّ الطيران، الساعة ثمانية قاموني، عندي كسر حوض، ظهري متضرر، جرّيت حالي وشباب شالوني، تنفست. بين المغارة ودارنا 150 متر، ما عرفت وين دارنا، ما عرفت الطريق. أجا أخوي حافي، شالني وداني على الإسعاف بسيارة مكشوفة، ترولي، واقفة عند قُرْنة حديقة. أبوي قال للسايق: إله أخو بعمان بتوديه على أخوه، قعدت شهرين بمستشفى بسمة، وأنا استنى بأخوي! بعدين عرفت إني بإربد، لكن رحت من هناك على عمان، وظليت أربع سنين ما رجعت على كفر أسد».

يتذكر سامي: «كنا وقتها لما نفتح الموضوع بنعذر الدولة، إمكاناتها قليلة، لو هسع ست ساعات بتحطني بسيارة ع أساس إنها أسعاف، أبصر كيف بدنا نحتج. كنا نتفهم، نشوف هالطيارات تلعب، نشعر مع الدولة. الملك حسين كان يخطب كثير، كان يقول بدكو تتحملوا. شعوري تجاه العدو مش شعور شخصي، انجرح الوطن. نشوف الطيارات، نسأل ليش ما نسقطها؟ ليش نتلقى ضربات؟ ذاكرة الناس لليوم إنه إسرائيل عدو».