مزارعو غور الأردن يعانون آثار عاصفة غير مسبوقة

مزرعة في دير علا تعاني إضرار جسيمة بعد عاصفة قوية ضربت المنطقة الأسبوع الماضي. تصوير شربل ديسي.

مزارعو غور الأردن يعانون آثار عاصفة غير مسبوقة

الخميس 19 آذار 2020

يوم الجمعة الماضي، استيقظ سكان وادي الأردن فزعين على خسائر تسببت بها ما أطلق عليها اسم «عاصفة التنين»؛ خسائر، كانت بحسب مزارعين قابلناهم في مناطق لواء دير علّا والكرامة والكريّمة وغيرها من المناطق الزراعية، غير مسبوقة. «إحنا لما بنتحدث عن رياح [سرعتها] 120 – 130 كيلو هاي غير مسبوقة، هاي إحنا ما عاصرناها»، يقول عدنان الخدام، رئيس اتحاد مزارعي وادي الأردن. كانت هذه العاصفة مدمرة لدرجة أن الخدام يقول إنه «إذا لم يتم تعويض المزارعين، رح يكون هذا آخر موسم زراعي بالنسبة للمزارعين الذين تضرروا». 

اليوم، في إيجاز صحفي حول الإجراءات الحكومية للتخفيف من أزمة فيروس كورونا، قال رئيس الوزراء، عمر الرزاز، إن حكومته ستعلن قريبًا عن قرارات «من شأنها مساعدة المزارعين»؛ مساعدة يقولون إنهم في حاجة ماسة لها. 

فمنذ مساء الخميس الماضي، وحتى ليل الجمعة، شهد الأردن، والعديد من دول المنطقة، عاصفة تمثّلت برياح قوية صاحبتها أمطار غزيرة، تسببت في خسائر فادحة للقطاع الزراعي وإغلاقات ومداهمة الأمطار للبيوت واقتلاع أشجار وخيم من مكانها. وعلى إثر العاصفة، فتحت سبع مدارس ومراكز إيواء أبوابها لاستقبال حوالي 550 فردًا، كان بينهم عمّال باكستانيّون ولاجئون سوريّون.

يقول أحمد أبو صبيح، الذي يعمل مديرًا لأحد المشاتل في منطقة الكريّمة، إن العاصفة قد اقتلعت من الجذور حتى الشجر المعمّر. «شجر السرو عمره 50 سنة انخلع من جذوره، موجود عشان يردّ الريح (..) انخلع، وخلع البيوت [البلاستيكية] معاه». وأخبرنا المهندس الزراعي نبيل عرعر عن اقتلاع الريح لأكثر من 135 نخلة في مزرعته: «النخلة المنتجة مشكلتها في تعويضها، قديش رح تصرف حتى تعوضها بالشجرة البديلة، بدك خمس سنوات على الأقل لحتى ترجع بنفس الجودة».

«خسارتنا 100%، ما لقطنا موسم السنة لسه، وهيه راح كَبَب.. موسم كامل راح»، يقول رائد العجوري (50 عامًا) أحد مزارعي دير علّا، واصفًا حال مزرعته ذات المئة منزل بلاستيكيّ، والتي ورثها وشقيقه عن والدهما، ويعملان فيها لإنتاج محصول الشتاء، بعد العاصفة التي لم يرَ مثلها من قبل. «إحنا من يوم ما انخلقنا بهالمزرعة (..) أول مرة بتصير بهالحجم».

الأضرار في مزرعة رائد العجوري في دير علا.

أمّا أبو صبيح، فقد كانت خسارته مضاعفة، إذ دمّرت العاصفة الشتل الذي لم يكن قد باعه بعد، أمّا بالنسبة للشتل الذي كان قد باعه للمزارعين خلال الشهور الماضية فقد تلف بالضرورة: «المزارع ما رح يقدر يبيع وما رح يقدر يسدّني، كيف رح يحاسبنا؟ إحنا كله ذمم، فانضربت الدورة هاي وأخذت الموسم معها».

بحسب المزارعين الذين قابلناهم، يعاني القطاع الزراعي في الأردن من صعوبات شتّى، بينها غلق الحدود مع بعض دول الجوار والأسواق الخارجية لسنوات متتابعة، وضعف الدعم الحكومي والتسهيلات التسويقية، ثم جاءت هذه العاصفة لتعمّق من خسارة المزارعين. يقول خدّام: «أنا كمزارع لما أخسر 50 ألف مرة واحدة، فقدت البنية التحتية للمزارع مش بس المحصول (..) النتيجة الوحيدة هي التشرد».

أزمة مركبة

لا تقتصر خسائر المزارعين على محصول هذا الموسم فقط، وإنما تتعدّاه إلى البنية التحتية للمزارع. يوضح العجوري أن مزرعته باتت بحاجة إلى صيانة جذرية، وأن صيانة كل بيت من البيوت البلاستيكية ربما تكلّفه 1200 دينار، وبالتالي إثر هذه العاصفة رأس مال المزارعين هو المتأثر الأكبر. «هسه بس الحيتان الكبار اللي بشتغلوا، اللي معهم سيولة، اللي عنده 15 وحدة ببيع وحدة عشان يقوم الباقي»، يضيف العجوري.

العجوري يتفحص الأضرار في مزرعته وصناديق الخضار غير المستخدمة.

المهندس نبيل عرعر أحد أقدم مزارعي النخيل والتمور في الغور، يشرح لنا أن وجود كبار المزارعين ضئيل جدًا في المنطقة، إذ تشكّلت الملكيات الزراعية، بحسبه، في الأغوار من خلال مشروع وادي الأردن في ستينيات القرن الماضي. وقتها تم توفير وحدات زراعية للعائلات، لكل عائلة وحدة زراعية مساحتها ثلاثون دونمًا تقريبًا، تسكن فيها وتزرعها وتعيش منها. وقد أنتج هذا المشروع نمطًا زراعيًا يمكن وصفه بالشعبي، تتقاطع فيه المهام، وبذا تستفيد مختلف المكونات الاجتماعية في المنطقة. فمثلًا، في مشتل أبو صبيح، تعمل حوالي 70 سيدة من سيدات الأغوار في تهيئة الأشتال وتجهيز البذور، وأكثر من هذا العدد، ذكورًا وإناثًا، يعمل في مزرعة العجوري، خاصة في موسم الحصاد، وهم جميعًا يعملون ضمن نظام المياومة. وإضافة إلى هؤلاء هناك العاملون على سيارات النقل وبائعو الأسمدة الزراعية وفنيو الصيانة. يقول أحمد أبو صبيح: «هسه أهل المنطقة البنات وشباب المياومة واقفين، رح يضلهم واقفين لحد ما ترجع السيولة للسوق ونقدر نزرع».

ويرى عرعر أن المُزارع حلقة أساسية أولى ضمن سلسلة طويلة تليه، حيث أنه ولطبيعة نمط الإنتاج الخاص بالقطاع، فإن أي تأثير يصيب المزارع يرتب التأثير نفسه على الحلقات التي تليه، فارتفاع الأسعار في السوق المركزي يعود لنقص المنتجات المعروضة، ونقص المنتج يعني أن عدد السيارات التي نقلت البضاعة قد قلّت، وبالتالي نقصان عدد السائقين الذين عملوا أو نقصان دخلهم المعتاد، والأمر ينطبق على عمّال التحميل والجمع، فإن كان المزارع بحاجة لعشرة عمّال لينجز ما كان ينجزه، فإنه اليوم يطلب نصفهم أو أقل بسبب انخفاض كمية المحصول ولنقص السيولة، وهذا يرتّب بالضرورة تعطّل أعدادٍ لا بأس بها. ولذا فإنه يرى أن الدولة ملزمة بالتدخل لدعم المزارع قبل أن تكبر كرة الثلج.

الأضرار في مزرعة عرعر للنخيل.

مع إعلان الحكومة قبل أيّام العمل بقانون الدفاع كإجراء احترازي لاحتواء فيروس كورونا، وإقبال المستهلكين على الأسواق، لوحظ ارتفاع أسعار الخضار والفواكه، مما دعا الحكومة لتحديد سقف للمنتجات. لكن، وبحسب العجوري فإن هذا الارتفاع تبِع العاصفة مباشرةً، بسبب الأضرار التي لحقت بالمحصول، وتأثيره على الكميات الموردة إلى السوق المركزي، فانعكس ذلك على ارتفاع أسعارها هناك بالتالي ارتفاعها على المستهلك النهائي. 

ويعتقد العجّوري أن الأثر الحقيقي على الأسواق سيُلحظ مع بداية الشهر القادم، حينما ينتهي المزارعون من قطاف ما يستصلحونه من زرعهم. «عنا هون بعد العاصفة من 180 طن عادةً، نزل عالسوق 70 بس (..) هسه البضاعة بتنسحب شوي شوي من البيوت، بعدها خلص».

في انتظار التعويضات

صبيحة يوم الجمعة الماضي، بعد تكشّف آثار العاصفة، اعتصم عدد من مزارعي وادي الأردن أمام متصرفية لواء دير علا بالتنسيق مع اتحاد مزارعي وادي الأردن، للمطالبة بتدخل الحكومة ووزارة الزراعة. وعلى إثر ذلك، قررت الوزارة تشكيل لجان لحصر الأضرار في الأغوار الشمالية ودير علا والشونة الجنوبية. وبحسب الخدام، فقد وعد رئيس الوزراء بدعم المتضررين والوقوف بجانبهم.

حمل المزارعون معهم عدّة مطالب ليقدموها للحكومة في اعتصامهم، تركزّ أبرزها على صندوق الإقراض الزراعي والإعفاءات على الفوائد والإعفاءات الضريبية، وكذلك وضع الحكومة أمام مسؤولياتها في التعويض أو الوقوف مع المزارعين، وهو ما رد عليه وزير الزراعة بالقول إنه سيتم منح قروض مستعجلة وميسرة. لكن على صعيد آخر يقلل المزارعون من جدوى القروض كحلٍ لما وقع عليهم، «أغلب المزارعين مش ملاك، ما عنده إشي يرهنه عشان ياخد القرض»، يقول نبيل عرعر، ويتفق معه العجّوري: «القروض بحد ذاتها ما بتخدم المزارع، عمرها ما خدمت (..) عارف شو يعني؟ يعني أرهن أرضي وإذا ما قدرت أدفع بتروح أرضي».

عمّال يرمّمون بيوتًا بلاستيكية في مزرعة في الكريّمة في أعقاب العاصفة، وآخرون ينقلون الأشتال إلى بيت بلاستيكي مرمم.

وطبقًا لمصدر حكومي صرّح لحبر، ورفض الإفصاح عن هويته، فإنه وبعد الانتهاء من حصر الأضرار خلال حوالي أسبوعين، من المرجّح أن تطرح الحكومة قروضًا ميسّرة لا تتجاوز فائدتها 2%، ولفترات سداد وسماح طويلة، عدا عن تخصيص قرابة 4-6 مليون دينار لتعويض المزارعين.

وكان المزارعون قد حصلوا على تعويض العام الفائت بعد أن غمرت مياه السدود بعض الأراضي، بقرار من رئاسة الوزراء، لكن وبحسب العجوري «كانت هاي حالة نادرة، وقعدوا ست أشهر لأخذوا التعويضات، مش يوم وليلة». ويقول الخدام إن قدرة المزارعين على الزراعة العام المقبل منوطة بحصولهم على تعويضات. «إحنا ما رح نرجع نزرع. إذا ما تعوضت ما رح أقدر أزرع الموسم القادم».

ويشكو عرعر من أنه ورغم وجود صندوق أزمات إلّا أن فعاليته قليلة بسبب ضعف ميزانيته.

«المزارعين أصلا منتهيين، في مليون مطلب مش بس مطلب، القطاع منتهي من قبل العاصفة، العاصفة إجت خلصت عليه»، يختم العجوري.

هذا التقرير جزء من مشروع «عيون» للصحافة المحلية الذي تنفذه حبر وشبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج).