ليلى في المغارة: قصة مصرية سكنت البترا 38 عامًا

ليلى في الاستراحة التي تعمل فيها في المنطقة الأثرية في البترا. تصوير علي السعدي.

ليلى في المغارة: قصة مصرية سكنت البترا 38 عامًا

السبت 29 حزيران 2019

المرة الأولى التي رأت فيها ليلى أبو سكسوكة كهفًا في حياتها، كان الكهف الذي قادها إليه زوجها على سفح أحد جبال البترا، وأبلغها أنه المكان الذي سيكون من الآن فصاعدًا منزلها.

حدث هذا قبل 38 سنة، وكانت ليلى عروسًا في العشرين من عمرها، قادمة للتو من قريتها «المناوات» في محافظة الجيزة المصرية، حيث تمّ قبلها بخمسة أيام حفل زفافها من عريسها الأردني، سلامة أبو سكسوكة، الذي يكبرها بـ55 سنة.

كانت تعرف أن لديه زوجة في الأردن وأبناء كبار. وعرفت أيضًا أنه تزوج قبلها بستة أشهر من مصرية أخرى رفضت مرافقته إلى الأردن؛ أمر لم تقف عنده ليلى التي لم تكن قد غادرت آنذاك حدود محافظتها، فتحمست للسفر، على عكس أهلها. «تزوجته وأهلي ما هم رايدينه. قالوا لي لا تتغربي لبعيد، فقلت لأ، خلص، نصيبي، وأنا ودي أمشي».

عندما نزلت عن الحمار، الذي كان آخر وسيلة نقلتها من قريتها إلى البترا، وقفت مذهولة، تتلفت محاولة استيعاب أن هذا التجمع البشري الذي هبطت عليه فجأة، يعيش فعلًا في العام 1981، برجاله ونسائه وأطفاله وماعزه ودجاجه في ثقوب الجبال، وأنها منذ هذه اللحظة ستكون جزءًا منه. استجمعت نفسها والتفتت إلى زوجها قائلة «ودي أروّح»، فرد عليها بهدوء «ما في ترويحة». كانت هذه هي اللحظة التي بدأت فيها بقية حياتها المستمرة إلى الآن؛ عندما أصبحت «أم عبد الله»، أرملة في الثامنة والخمسين من عمرها، أم لخمسة أبناء، وجدة لثلاثة عشرة حفيدًا، تعرّف عن نفسها باسم عائلة زوجها الراحل، وتتحدث بلهجة لم يبقَ فيها من مصر سوى ظل خفيف.

ظلت ليلى شهورًا، بعد قدومها ممتنعة عن الأكل، تنتحب في الليل والنهار. كانت تجد صعوبة هائلة في أداء أبسط المهام. صحيح أنها جاءت هي نفسها من بيئة فلاحين، لكنها كانت بيئة يتوفر فيها حد أدنى من خدمات البنية التحتية. والآن، بدلًا من فرن الغاز، عليها أن تدور لتجمع الحطب من أرجاء المكان لتوقد نار الطبخ. وبدلًا من الماء في الحنفيات، عليها أن تستيقظ في الصباح، وترافق ثلاثة حمير محملة بجراكن البلاستيك إلى عين ماء «الصِيّغ»، التي تبعد نصف ساعة عن مغارتها، ثم تقف هناك تنتظر دورها في طابور النساء القادمات مع حميرهن، ثم تسير نصف ساعة أخرى في طريق العودة.

وما زاد الأمر سوءًا هو أن ضرة ليلى، رَفعت، بمجرد وصولها، يدها عن قطيع الأغنام الذي كان يملكه زوجها، ويبلغ 350 رأسًا، وأوكلت المهمة إليها.  تقول ليلى إنها تجد نفسها، بعد كل هذه السنوات، تعذرها. فقد كانت هذه ابنة عمه التي أنجبت له ثمانية، وأمضت حياتها تكد في رعاية أبنائه وأغنامه ليتزوج عليها صبيتين دفعة واحدة. «هي تعبت أكثر مني ومن غيري بكتير، وسوّتله مال. وراح اتجوز عليها».

كانت ليلى غريبة في هذا المكان، ووحيدة من دون أهل، لم يكن بإمكانها في ظل صعوبة الاتصالات في ذلك الوقت التواصل معهم بسهولة. وحتى عندما كانت تفعل، لم يكن لها «عين» للشكوى، لأن أهلها كانوا أصلًا رافضين لهذه الزيجة.

احتاجت قرابة الستة أشهر لتبدأ شيئًا فشيئًا في تقبل واقعها والانخراط فيه. «خلص، قلت نصيبي، ورضيت بنصيبي». وخفف عليها أن ضرتها المصرية جاءت بعدها بأشهر قليلة، وشاركتها مهام العناية بالأغنام. وهي تتذكر بالضبط تاريخ وصولها؛ 6 تشرين الأول 1981، لأنها كانت «ليلة ما انطخّ السادات».

تقدم ليلى في الاستراحة قلايات البندورة، وسندويشات البيض والجبنة، والمشروبات الباردة للعاملين في المكان.

كان زوجها يعمل في استراحة تقدم المشروبات للسياح، في حين تتولى الزوجات الثلاث، التي كانت تسكن كل واحدة منهن مع أولادها في مغارة، أمور المنزل والقطيع، فيبدأ يومهن بالاستيقاط فجرًا، والدخول في دوامة العجن والخبز والطبخ والحلب والخضّ والتحطيب، وبالطبع، رعي الأغنام. تتذكر ليلى عندما كانت تصعد بالأغنام الجبال، وتجمع في الوقت نفسه الحطب الذي تعود به آخر النهار محمّلًا في حزمة على رأسها. بعد أقل من سنتين، عندما أنجبت ابنتها البكر حياة، التي فقدتها بعد ذلك وهي طفلة، صارت تحمل الرضيعة على رأسها، بدلًا من الحطب. عادت ليلى إلى الرعي وهي ما تزال في النفاس. «سرحت وحياة عمرها 14 يوم. كنت أحطها في المِصْفَر». وتشرح أن «المِصْفَر» هو الشيء الذي يسميه الناس في الوقت الحاضر «الكوت»، وكانت النساء أيامها يصنعنه من الصوف، ويستخدمنه في نقل الرضّع على رؤوسهن.

أنجبت ليلى، بعد حياة التي توفيت وعمرها أقل من سنتين، ثلاثة أولاد وبنتين. أول ولادتين لها كانتا في المغارة، بمساعدة الداية حمدة. أما أولادها الباقون فأنجبتهم في مستشفى معان، لأنهم جاؤوا بعد الرحيل إلى قرية أم صيحون، وهو تجمع مكون من 122 وحدة سكنية، بنته الحكومة للعائلات التي تسكن الكهوف، وانتقلت إليه عائلة ليلى العام 1985.

في كل أحمالها، تقول ليلى إنها كانت تظل في العمل إلى ما قبل ولادتها بساعات. «كنت أسرح مع الغنم، أحلب، وأغسّل على إيدي، وأجيب المي. ولما كان يصير معي الوجع، ما أفكر إنه وجع ولادة، أفكر إنه وجع من الشغل».

تعلمت ليلى ممن حولها على مرّ السنوات أن تفعل الكثير من الأشياء، وفي المقابل، علّمت من حولها أشياء أخرى. هي فخورة بالأطباق التي أضافتها إلى غذاء عائلتها، التي رأت أنه كان يفتقر وقتها إلى التنوع، ويكاد يقتصر على الرشوف والجريش وخبز الشراك والسمن والزبدة. «أنا سنة ما جيت، كانوا يعلقوا على الشاي وخبز الشراك الحامي. خلاص هذا الفطور. الظهر رشوف، وعند الليلة، إذا واحد عنده منسف، يروحوا يتعشوا عنده».

تقول بفخر إنها علمتهم عمل «المحشي زي مصر»، ولفّ الملفوف الذي وجدتهم يفرمونه ويقلونه مع بصل وبندورة. كما علمتهم صنع الكعك بالتمر، والكيك الذي كانت تخبزه في الطابون. وفي المقابل، تعلمت منهم «الخبز واللزاقيات. وتعلمت أحلب وأخضّ وأسوّي جميد وسمن بلدي». وتقول إنها تعلمت أيضًا «النطع»، أي الغزْل بلهجة المنطقة. فصنعت بسطًا وحقائب كانت تبيعها للسياح، «وسويت لعيالي حرامات، كنت ألفهم فيها لما أخلّفهم».

خلال السنوات الثماني والثلاثين الأخيرة، كانت ليلى تزور عائلتها في مصر بين فترة وأخرى. وكانت لهجتها سنة بعد سنة، تتحول أكثر فأكثر نحو لهجة بدو البترا. لدرجة أن أهلها في مصر «قالولي ودنا مترجم نفهم عليكي».

أطول مدة بقيتها من دون زيارة، كانت في الفترة التي أعقبت وفاة والدتها العام 1986. ففي أول زيارة لها بعد زواج والدها مرة أخرى، تقول ليلى إنها صدمت عندما رأت امرأة أخرى تسكن بيت والدتها، وترتدي ذهبها. «صار معي عقدة نفسية، وقلت خلاص، مصر ما بروحها». وقتها غابت 14 سنة، لدرجة أنهم في مصر «قالوا هاي ماتت».

بعد الرحيل إلى أم صيحون، ومثل معظم العائلات التي كان لديها حلال، لم تقطع عائلة ليلى صلتها بالمغارات، فقد كانت الوحدات السكنية الجديدة بالغة الضيق، لا تزيد مساحة الواحدة عن 40 مترًا مربعًا، مقامة على أرض مساحتها أقل من 400 متر. لم يكن هناك متسع، ليس فقط لقطيع من مئات الرؤوس، كالذي يملكه زوجها، بل كان صعبًا، في البيوت المتقاربة، الاحتفاظ حتى ببضع رؤوس من الماعز بسبب «الريحة والبعوض والقارص». على عكس الوضع في البترا، حيث مساحات شاسعة للسكن ولـ«خزن الحلال». لهذا ظلت عائلة ليلى، محتفظة بكهوفها في البترا. وظلت هي ترعى الأغنام، وتنام في كثير من الليالي معها في المغارة.

كانت البيوت الجديدة، كما تقدم، صغيرة جدًا «فصار اللي معه قرشين يبني». بنى زوجها على المساحة الملحقة بالوحدة السكنية غرفًا إضافية، وسكنت كل امرأة مع أطفالها في غرفة. وتتذكر ليلى أنه في تلك السنة بدأ التحوّل الأول في غذاء عائلتها وكثير غيرهم، عندما كفّوا عن الخبيز، بسبب انشغالهم بالبناء الذي كان عبئًا أضيف إلى الأعباء اليومية الموجودة أصلًا. فتحولوا إلى الخبز الأبيض الذي كانوا يجلبونه من المخابز القريبة في وادي موسى، علمًا بأنهم لم يأكلوه قبلها في حياتهم. فوقت سكنى الكهوف، تقول ليلى، إن الأطفال كانوا ينزلون إلى الموقع الأثري، ويعودون أحيانًا بخبز أبيض أعطاهم إياه السياح فـ«كنا ننقعه في مية ونحطه للدجاج».

قبل أم صيحون، تقول إنه لم تكن هناك محلات قريبة، فكان الناس يجلبون أغراضهم من محلات وادي موسى. وبشكل عام، لم يحتاجوا الكثير من هذه المحلات، فقد كانت العائلات في الكهوف تنتج تقريبًا كل غذائها. «المونة» كانت منتجاتهم الخاصة من سمن وجميد وبيض من الدجاج الذي يربونه. وكانوا يأكلون من كروم الرمان والعنب والتين المزروعة حول عينيّ ماء الصِيّغ وأبو عليقة. وأيضًا «كان كل واحد عنده مسكبة، نزرع فيها كم بيت بندورة وكوسا».

مغارة ليلى التي تزوجت فيها، ولا زالت تقضي فيها شهور الشتاء.

يضاف إلى ذلك، تقول ليلى، القمح الذي كانوا يزرعونه في سطوح النبي هارون. الآن، قليلون هم من يزرعون القمح، فقد انشغل الناس عن الزراعة بالسياحة. والقلائل الذي يزرعون لا يفعلون ذلك لحصاده، بل لكي يرعى فيه حلالهم في الربيع. إذ لم يعد هناك مطر مثل الماضي، والقمح المزروع حاليًا ينبت قصيرًا جدًا، على عكس الماضي عندما كانت سنابله بطول طفل، كما تقول.

توفي زوج ليلى قبل 20 سنة، ووجدت نفسها فجأة أرملة في الثامنة والثلاثين، مضطرة لإعالة خمسة أبناء، عمر أكبرهم 15 سنة، وأصغرهم أربع سنوات. ترفض ليلى الخوض في تفاصيل اضطرارها إعالة أطفالها، مكتفية بالقول: «الحمد لله. المهم سلامة عيالي».

تركت بعد زوجها العمل في الأغنام، وعملت في خبز الشراك، فكانت تخبز كل يوم ما يقارب الـ300 رغيف، توزعها على الدكاكين التي تعاقدت معها. «كنت أقوم من الساعة خمسة بعد صلاة الفجر، أعجن، وأطهى وأودي للدكانة. وبعدين أعجن وأطهى وأودي للدكانة الثانية». كانت تخبز أيضًا لمناسف حفلات الزفاف، ويستأجرها منظمو الفعاليات السياحية التي تجري في المكان، لصنع الخبز.

لكنها تركت «الشراك» بعد أربع سنوات، فإضافة إلى أن كثيرين جدًا دخلوا على المهنة، تعبت ركبتاها من جلوسها لساعات طويلة، تعجن وتخبز ما مقداره شوال طحين كل يوم. اشتغلت، بعد تركها الخبيز، سبع سنوات، عاملة نظافة مع شركة خاصة داخل الموقع الأثري. ثم تركت العمل، وافتتحت محلًا صغيرًا على طريق الدير لبيع التذكارات التي كان ياتي لها بها أبناؤها من عمّان. وهذا تركته أيضًا بعد بضع سنوات. «صرت أتعب من درج الدير، طالعة نازلة، وأخاف أركب حمار».

قبل ثلاث سنوات، فتحت ليلى استراحة في كهف يقع في منطقة «ثم الوادي» مقابل مبنى المحكمة الأثري، تقدم فيه للعاملين في المكان قلايات البندورة، وصحون الفول والحمص، وسندويشات البيض والجبنة، والمشروبات الباردة. وجهزتها ببضع فرشات، وقطعة من الحصير، يجلس عليها زبائنها لتناول الطعام. استراحتها مقصد العشرات يوميًا ممن يدفعون لها، إضافة إلى الدينار، بالدولار واليورو وغيرها من عملات أجنبية، يتقاضونها من السياح نظير خدماتهم. وهي تميز كل عملة، وقيمتها، وعندما يتجمع لديها ما يكفي، تستبدلها في البنك.

تملك ليلى في مسقط رأسها أرضًا ورثتها عن والدها، ويتولى أبناء شقيقها استثمارها لها. وهي تتمنى العودة للتقاعد في مصر، التي عندما تزورها، يعاملها أقاربها هناك مثل «الشيخة». في هذه المرحلة من حياتها، تقول ليلى إنها تستطيع التقاعد والعودة إلى مصر، لكنها باقية باختيارها لتكون قريبة من أولادها وأحفادها. لقد تزوجت ابنتاها، واحدة في أم صيحون والثانية في الولايات المتحدة، ويعمل ابنها الأكبر في مراقبًا في المحمية الأثرية، والثاني في ترميم الآثار، أما الصغير، حماد، وهو في الرابعة والعشرين، فهو يعمل على بغل في الموقع الأثري. وتزوج قبل سنة من فتاة دانماركية، تعمل دليلة سياحية، تعرف عليها عندما جاءت مع مجموعتها إلى استراحة ليلى، ويقيم الاثنان بين الدنمارك والأردن.

ليلى في الاستراحة مع الشاب الذي يقلّد شخصية جاك سبارو للممثل جوني ديب.

المفارقة أن ليلى التي المفترض أن تكون المأساة الأكبر في حياتها قد انقضت بانتقالها بعد أربع سنوات من زواجها إلى منزل من الإسمنت، صارت تفضل سكنى المغارة على الوحدات السكنية. تقول إنها لا تطيق ضجة الحياة في أم صيحون، وإحساسها بالحصر داخل بيوتها. «بحب سكن المغارة. أنا ما بريد الحِس والإزعاج والحركة، بريد الهدوء».

بعد وفاة زوجها، أرادت أن تعود للإقامة الدائمة في المغارة، لكن الذي أبقاها في أم صيحون هو أولادها الذين كانوا ما يزالون على مقاعد الدراسة، ولم ترد لهم أن يتعذبوا في الرحلة كل يوم إلى المدرسة. فقط خلال العشر سنوات الأخيرة، بعد أن زوّجت ابنتها الأخيرة، شعرت أنها امتلكت أخيرًا حريتها. وهي تذهب إلى أم صيحون، حيث يسكن أبناؤها، فقط وقت اشتداد الحر في الصيف، من أجل المكيف. أما الشتاء فتقضيه بكامله في المغارة التي تزوجت فيها، وتنصب داخلها الآن خيمة صغيرة، تنام فيها، مؤكدة أنها أدفأ بكثير من منازل أم صيحون المكشوفة للبرد القارص.

حين زرناها، لم يكن لديها كهرباء في المغارة، لكنها كانت تخطط لتركيب ألواح طاقة شمسية بعد رمضان، من أجل السهر في الليل. «عندي جيران بالمغارة، وييجوا عيالي، نساوي عشا، نتعلل وننام».

تقول ليلى إنها ستظل تعمل في الاستراحة ما دامت قادرة على الوقوف على قدميها، الاستراحة التي تعرف كل زبائنها تقريبًا، فتسأل أحدهم وهي تلف له السندويشة عن أخبار عائلته، وتقول لآخر إن حمارته التي كان يشكو من أنها ترفض المشي، وأعطاها لشخص آخر «راحت على الـView ومركز الزوار»، وتمزح مع الشاب الذي قلد هيئة الممثل جوني ديب في شخصية جاك سبارو، فأطال شعره، وخطط عينيه بالكحل الكثيف، فتقول له إنه يفعل ذلك لإغواء السائحات. ثم تستدرك ملتفتة للزبون الغريب الذي تصادف وجوده في الاستراحة، قائلة بأمومة «العيال هدول أنا عارفيتهم من قبل، هدول عيالنا».