مصر: ملاحظات على هامش الجائحة

الإثنين 22 حزيران 2020
مصريون يرتدون الكمامات في لتقلي مساعدات غذائية من منظمة غير حكومية. القاهرة، 5 نيسان 2020. تصوير محمد الشاهد، أ ف ب.

لم يكن مفاجئًا أن يتجاوز عدد المرضى في مستشفيات العزل في مصر سعة استيعابها القصوى جرّاء جائحة كورونا، إذ قد يقضي أهالي المرضى في الأوضاع الطبيعية يومًا أو يومين بحثًا عن سرير متاح في وحدة عناية مركزة.

تنتشر حوادث تعدي الأهالي على الأطباء في المستشفيات الحكومية نتيجة انعدام الخدمات، ويعتمد المرضى على المستوصفات الخدمية والعيادات التابعة للمساجد، التي تقدّم العلاج بأسعار مخفّضة. وتتكرر إضرابات الأطباء واستقالاتهم من وزارة الصحة للمطالبة بظروف عمل عادلة.

أزمة القطاع الصحي في مصر ليست جديدة. الجديد كان حالة الثقة الرسمية، وتصريح وزيرة الصحة قبل عدة أشهر من تزايد أعداد الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد، إلى حدّ يفوق جاهزية مصر للتعامل مع الفيروس. حيث نشر الجيش صورًا لمستشفيات ميدانية متنقلة و22 مستشفى عسكري وغرف عمليات وعناية مركزة متنقلة ومجهزة لحالات الطوارئ، حتى بدا كلّ شيء تحت السيطرة.

كل شيء تحت السيطرة، حتى وإن لم يكن كذلك

بدأ الصدام مع الدولة عند اتهام نقابة الأطباء لوزارة الصحة بالتقاعس في حماية الأطباء وإهمال فحصهم وعلاجهم، وتحميلها مسؤولية الزيادة في أعداد حالات الإصابة والوفيات بين الطواقم الطبية. بقي التوجه الحكومي لمدة هو تكليف الأطباء من غير تخصصاتهم للتعامل مع حالات كورونا دون تدريب، ثم حرمان الأطباء المخالطين من عمل مسحات الكشف عن الفيروس، إلى التعنّت في توفير معدات الحماية وأماكن علاج للأطباء حال مرضهم، أو حتى زيادة بدل العدوى الذي يبلغ حاليًا 19 جنيه مصر، أي أقل من دولار ونصف. 

وصلت الأزمة ذروتها بعد استقالة جماعية من أطباء مستشفى المنيرة احتجاجًا على موت زميلهم الطبيب وليد يحيى، حيث لم توفر له وزارة الصحة غرفةً للعلاج، في الوقت الذي وفّرت فيه غرفتين للفنانة رجاء الجداوي وقامت بعمل مسحات لأفراد فريقها دون أن تظهر عليهم أعراض. 

يتعامل النظام مع الاعتراض تلقائيًا كتهديد أمني وعصيان أمر مباشر، لذا بدأت ردود أفعال الإعلام الرسمي على الاستقالات الجماعية للأطباء بإنكارها ووصفها بالوهمية، ثم إشهار كارت الإرهاب والتهديد باستخدام الإجراءات الأمنية والإدارية، مع انتشار شهادات الأطباء والمرضى على مواقع التواصل الاجتماعي. 

في الجهة المقابلة، تآلفت قطاعات من الأجهزة الإدارية مع مبادئ العسكرة والتجنيد الإجباري في الجيش، فظهرت حملات تخوين الأطباء على استقالاتهم وتشبيههم بالجنود المنشقين في المعارك. ليتحول الاحتفاء بـ«الجيش الأبيض» إلى حملات تشهير ومطالبات بالحرمان من تراخيص العيادات الخاصة، ودفع تكاليف التعليم الحكومي بأثر رجعي. ووصل الأمر أن طالبت بعض الصحف والبرامج بتطهير نقابة الأطباء من العناصر الإرهابية، وفتح الباب للصيادلة والمتطوعين ليحلّوا محل الأطباء في المستشفيات. 

الدولة في مواجهة «الأشرار» 

لخّص السيسي في حديث له رؤية الأمن للانتقادات الموجهة لوزارة الصحة؛ حيث قال إن «الأشرار» يقومون بـ«حملات تشكيك» ضد جهود الدولة في مواجهة الوباء، وإن هذه الحملات تستهدف إفقاد الثقة في الحكومة. توافقت تلك الرؤية مع بيان النائب العام الذي أعلن عن عقوبات جنائيّة بالسجن والغرامة لمروجي الشائعات حول فيروس كورونا. 

أسفرت حالة التعبئة والاستنفار الحكومية هذه عن فتح ثلاث قضايا أمن دولة عليا -على الأقل- لسنة 2020، تم على إثرها القبض على عدد من الأطباء والصحفيين والباحثين السياسيين، الذين أعلنوا اعتراضهم على سوء الوضع، ووُجهت لهم تُهم الاشتراك مع جماعة محظورة، وبث أخبار كاذبة من شأنها تهديد الأمن والسلم العام.

قررت جميع مستشفيات القطاع الخاص الامتناع عن تقديم الخدمة للمصابين باعتبارها خدمة مكلفة جدًا، دون ربح يوازي المخاطرة

ورغم المدخل الأمني في التعامل مع الأطباء ووصف المضربين منهم بالمتخاذلين، لا يبدو أن هناك سلطة حكومية على مستشفيات القطاع الخاص؛ حيث رفضت جميع مستشفيات القطاع الخاص تحديد حدّ أقصى لتسعيرة غرف العناية المركزة وأجهزة التنفس الصناعي، وقررت الامتناع عن تقديم الخدمة للمصابين باعتبارها خدمة مكلفة جدًا، دون ربح يوازي المخاطرة.

حتى مع توفر المال والعلاقات، أو سوء الحالة الصحية وكبر السن؛ يمكن بصعوبة حجز سرير في مستشفى خاص تصل تكلفة التأمين فيه إلى 100 ألف جنيه. تحاول منظمات خيرية جمع تبرعات وخلق مبادرات أهلية للتكفل بأدوية وإطعام المصابين، أو مدهم بأسطوانات أكسجين منزلية تؤخر احتياجهم للعناية المركزة. كما ظهر فجأة، وفي نموذج فريد، سوق للتبرع ببلازما المتعافين من فيروس كورونا أو بيعها. 

ومع وصول الوباء لذروته، لا يبدو أن هناك استخدامًا لمستشفيات الطوارئ وعربات الإسعاف الخاصة بالجيش، في حال وجودها؛ حيث ينتظر ذوو الحالات الحرجة أيامًا للحصول على جلسات الأكسجين، إلى أن يموتوا خنقًا. 

تحوّل خطاب وزارة الصحة سريعًا من جاهزيتنا لمواجهة المرض إلى الرهان على وعي الشعب وتحميله مسؤولية عدم الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي. تتساءل وزيرة الصحة باستغراب عن وصول الحالات للمستشفيات متأخرة بحيث يصعب إنقاذها: «لماذا تتركون أهاليكم لهذه الحالة؟ كورونا ليست وصمة»، وتوجه حديثها للأطباء بألا ينتظروا نتائج تحليل (PCR) للبدء بعلاج المرضى. في جميع الحالات يتحمل المسؤولية الأطباء وأهالي المرضى، لا الشلل المؤسسي ولا انعدام التخطيط.

جدير بالملاحظة أن هذه الأزمة أظهرت تصريحات وبيانات صحفية من فاعلين سياسيين غير السيسي، حيث ظهرت تصريحات لرئيس الوزراء، وزيرة الصحة، وزير التعليم العالي وحتى نقابة الأطباء، ولا وجود للجيش في الصورة العامة حتى الآن. 

الجيش في مصر هو القوة المهيمنة سياسيًا واقتصاديًا على المجال العام، وكارت النظام الذهبي في ترويجه لنفسه كصمام الأمان للدولة المصرية. عدم ظهوره في كمائن حظر التجوال والمبادرات الاجتماعية لإطعام المرضى وتوفير احتياجاتهم من الأدوية، يعني ضمنيًا الحفاظ عليه من الاستنزاف إلى أن تحتاجه الدولة لحفظ الأمن الفعلي، في حال تدهور الأوضاع الأمنية.

«نعترف أن لا طاقة لنا بزوار الفجر»

ينهي البيان الختامي لائتلاف أطباء مصر رسالته الأخيرة بهذه الجملة المقتضبة؛ «نأسف أن نكون قد خذلناكم في هذا الوقت.. ولكن نعترف أن لا طاقة لنا بزوار الفجر»، بعد إعلان إغلاق صفحتهم على فيسبوك وإنهاء عملهم الحقوقي، إثر تهديدات بمحاكمات عسكرية وإرسال قوائم بأسماء الممتنعين عن العمل للأمن الوطني «لإحضارهم» في حال تخلّفهم عن العمل.

في السلطويات العسكرية، لا يهتزّ الأمن القومي بالموت الجماعي أمام المستشفيات، وإنما بأعمال الشغب والتمرد.

في السلطويات العسكرية، لا يهتزّ الأمن القومي بالموت الجماعي أمام المستشفيات، وإنما بأعمال الشغب والتمرد. استطاعت الدولة فرض حظر التجول في الشوارع حتى دون إعلانه رسميًا، في أحداث سبتمبر 2019. رأينا قدرة الشرطة على التواجد والانتشار في كافة أنحاء الجمهورية لتفتيش هواتف المواطنين ومنع المظاهرات لما يزيد عن شهرين، لكن يبدو أن العائد من السيطرة على الوباء لا يقارن بالحفاظ على النظام نفسه. 

تشبه لحظة التخبط والتعبئة الحالية فترة بداية الانقلاب العسكري في 2013، حيث الانفلات والهستيريا في كل مكان، أي شكل من أشكال التذمر أو التساؤل يقابل بالتخوين وإهدار الكرامة، ويتهم كل صوت عاقل بالتخاذل مهما بلغ هدوءه. 

تعادي السلطوية العلم لأنها لا تستطيع الالتزام بمنهجيته؛ يتطلب العلم حدًا أدنى من النقاش واختبار الأوامر الإدارية قبل الشروع في تنفيذها، ومقدارًا من الشفافية وتخصيص الموارد، وهامشًا زمنيًا للوصول إلى النتائج، وهو الأمر الذي لا تقبل به السلطوية العسكرية. 

كرر السيسي مستهزءًا أكثر من مرة قوله إنه لو ركن لدراسات الجدوى لما بدأ أيًّا من مشاريعه قبل عدة سنوات، الأمر الذي جعله يأمر بإنهاء المشاريع قبل مواعيدها بغض النظر عن نتائج ذلك. حالة الاستثناء الدائم هي مدخل النظام المصري في التعامل مع معوقات التنمية وإدارة الأزمات، حيث لا صوت يعلو فوق صوت حربه المستمرة منذ يونيو 2013، حتى وإن كانت المعركة الحالية ضد الأطباء، خط دفاعنا الوحيد.