ملعب الجبل: مهاجرون ولاجئون تجمعهم «لعبة فطبول»

أحد أفرقة كرة القدم التي تلعب في ملعب جبل عمان.

ملعب الجبل: مهاجرون ولاجئون تجمعهم «لعبة فطبول»

الخميس 22 تشرين الأول 2020

وسط جبل عمّان، وليس بعيدًا عن «حيّ المصاروة»، أحد أفقر أحياء عمّان المهمّشة، وقريبًا من عدّة بيوتٍ دبلوماسيّة وسفارات وملحقات ثقافيّة، تحتشد مجموعاتٌ من اليمنيّين والنيجيريّين والسودانيّين والصوماليّين، وبعض الأردنيّين والمصريين، على لعبة كرة قدم، تقام يوميًّا على ساحة فارغة من أرضٍ اسمنتيّة قاسيّة، خشنة؛ الوقوع عليها إيذانٌ باستثنائك من اللعبة أسبوعًا بأكمله. ينتصب محل القائمين غصنان أو أنبوبان بلاستيكيان، وللملعب حدود واهنة، لا تكاد تُرى، وعلى جوانب الملعب عشراتٌ من المشجعين، من أطفالٍ وشُبّان وشيوخ، يعلو هتافهم ونشيدهم وراء كل هدف، أو فرصة ضائعة.

يرجع تاريخ الملعب لبستان امتلكته عائلة أبو قورة، بحسب جارهم أبو أحمد، الذيّ تملّك بيتًا في المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي. بعد سنوات أضحى البستان موقِفَ سيّاراتٍ لموظّفي ومراجعي إحدى شركات الاتصالات الأردنيّة التي كان لها مقر في الحي، والتي بدورها عملت على تعبيده وتهيئته مصفًّا. لاحقًا، أنهي العقد بين المُلّاك وشركة الاتصالات، بعد انتقال مقرّ الشركة لمكانٍ آخر، لتصبح الأرض اليوم ملعبًا يوميًا لـ«أبناء الجبل» من اللاجئين، كما يُحبّون تسمية أنفسهم.

كان طارق (41 عامًا) القادم من مصر أول من فكّر بجعل الأرض ملعبًا يرتادونه أسبوعيًا، حين كان يعمل في مطعمٍ مقابل السفارة العراقية في جبل عمّان عام 2009، كما يذكر. قبل ذلك، اعتاد أن يستأجر وأصدقاؤه من العمّال المصريين ملعبًا في منطقة وادي صقرة في عطلتهم أيام الجمعة. «في البداية الشباب المصريين من بلدياتنا، من طنطا يعني، قلنا نلعب هنا أحسن أرض واسعة وهادية (..) كنا نيجي لما يروّحوا الموظفين». يقول طارق إن جميع من يلعبون اليوم يعرفون بعضهم البعض من خلال الملعب تحديدًا، فأول مجموعة بدأت اللعب دعت أصدقائها وهم دعوا أصدقائهم، وهكذا. «فترة بفترة صاروا يتلموا الناس. أقل أعمار معنا من نص العشرينات، والأكبر عم سعيد هناك، حارس الجول، في آخر الخمسينات. وزي ما انت شايف، أنا باجي بالبسكليتة كل أسبوع»، يختم طارق حديثه.

هكذا أصبح يوم الجمعة خاصًا بالمصريين، وبقية أيام الأسبوع يكون الملعب فيها لــ«أبناء الجبل»، وذلك بحسب الترتيب الذي أصبح متعارفًا عليه بين روّاد الملعب. خالد (22 عامًا)، طالب أردنيّ، في كلية اللغات في إحدى الجامعات الأردنية، كان الوحيد الذي التقيناه يلعب مع المصريين يوم الجمعة، ومع أبناء الجبل خلال الأسبوع، فهو يسكن بجوار الملعب، وبدأ باللعب قبل ثلاثة أعوام. بحسب خالد، فقد تعددت تسميات الملعب؛ في البداية كان اسمه «الملعب الأبيض» بسبب التربة التي كانت تغطيه، ولاحقًا «ملعب معروف»، لوجود لوحة إعلانيّة معلقة لأحد الأطباء بهذا الاسم، وأخيرًا «ملعب الذواق» لمجاورته لمطعم الذواق. يقول خالد إن نظام اللعبة خلال الأسبوع يختلف عن يوم الجمعة، حيث توجد أفرقة مرتبة مسبقًا وجدول للمباريات، ومستوى أكثر احترافًا.

الهروب إلى الحياة

في دوري الجبل ثماني فرق، تتنافس فيما بينها، لكلّ واحدةٍ منها اسم مخصوص، وهي: أياكس، الشعلة، إنتر ميلان، الأولمبي، مبارك، يوفنتوس، ليستر، ديماريا. وتضم في صفوفها لاعبين من مختلف الجنسيات، وكلٌ منها يمتاز بأمر خاص به. فيوفنتوس أسسه الشباب النيجيريون، والأولمبي هو الأصغر من حيث متوسط الأعمار، فأكبر لاعب فيه لا يتجاوز 19 عامًا وفيه لاعبون لم تتجاوز أعمارهم 14 و15 عامًا، أما إنتر ميلان وديماريا فهما الأقوى والأكثر تحقيقًا للانتصارات، يقول خالد.

جاء عبدالله (20 عامًا) مع عائلته المكونة من 10 أفراد قبل ثمانية أعوام من اليمن، بعد أن كان مقيمًا في مدينة جدة السعودية، وانضم حديثًا لدوري الجبل رفقة أخويه فرج وعمر، بعد أن كان يلعب مع الشبان الأصغر سنًا في ملعب مدرسة شكري شعشاعة المجاورة للملعب. ويلعب الآن مع فريق إنتر ميلان، أما أخويه فيلعبان مع الأولمبي، وأحدهما حارس مرمى.

بات ملعب الجبل يشكل حاضنةً اجتماعية لأبناء اللاجئين وعائلاتهم، إذ ترى رجالاً كبارًا على حافة جدار الملعب، وأطفال يلعبون خلف المرمى ريثما ينتهي إخوتهم الكبار من اللعب.

تحضر الألقاب بكثرة في ملعب الجبل، فأسماء كـ«علي دروجبا» و«عبد الله إيتو» وحتى أسماء الأفرقة نفسها تسمعها بين الأطفال الحاضرين، وتتعدد أسباب التسمية ولكلٍّ قصته. فعلي دروجبا سمي بذلك بسبب احتفالية قام بها بعد تسجيله لهدف بالرأس في أول دوري له، تشبه طريقة دورجبا لاعب تشيلسي. أما عبد العزيز (34 عامًا) مدرب فريق أياكس، فيقول عن سبب تسميته إن تأسيس الفريق قبل عامين رافق تألّق فريق أياكس أمستردام بلاعبيه صغار السن في دوري أبطال أوروبا.

معظم الحاضرين إلى الملعب أتوا إلى الأردن بعد عامي 2010-2011 بسبب الحروب أو الاضطرابات التي عصفت ببلادهم، وأصبحوا ضمن سجلات مفوضية شؤون اللاجئين، يقيمون في أحياء جبل عمان، تحديدًا حي المصاروة، بأدراجه المسكونة بالأشباح كما يقول سكّانه، ويعملون في ما يتاح لهم من مهن. يعمل عبدالله وأخوه في سوبر ماركت قريب، وعلي يعمل مراسلًا لمجمع تجاري ويقيم مع زوجته، وعبد الحكيم الذي جاء من الصومال ودرس الاقتصاد في جامعة مؤتة لا يزال عاطلًا عن العمل في انتظار مولوده الأول. تتعدد ثقافاتهم ولغاتهم فتحضر إثارة اللعبة وتكتيكاتها كلغة مشتركة، لا عجمة فيها. «النيجيريين بحكوا إنجليزي، بس اليمنيين لأ، فبالإشارة بتفاهموا، خلص بتشوفه فاتحلك بتلعبله الكرة»، يقول خالد.

بات ملعب الجبل يشكل حاضنة اجتماعية لأبناء اللاجئين وعائلاتهم، إذ ترى رجالاً كبارًا على حافة جدار الملعب، وأطفال يلعبون خلف المرمى ريثما ينتهي إخوتهم الكبار من لعب مباراتهم. وجزء كبير من اللاعبين تجمعهم صلات قرابة، وعلاقات نسب ومصاهرة، بُنيت في أحياء جبل عمّان، كما يوضّح خالد. «بيجوا ختايرة مرات بحضروا، واللي بيجوا يشتروا من بيت الرمان [محل عصائر] أغلبهم هون نسايب وقرايب، وكلهم بعرفوا بعض». فيما يقول علي دروجبا إن هذا الشكل من تنظيم اللعب كان معمولًا به في أحيائهم في أوطانهم الأولى. «عندنا في حي البستان في صنعاء لوحده 90 فريق يلعب».

«ملهم الأبطال والأجيال»

يبدأ الموسم مع دخول التوقيت الصيفي، ويمتد طوال أشهر الصيف وينتهي معه. «لما يدخل الشتا، الوقت يقصر وتظلّم الدنيا وما حد بقدر يلعب»، يقول عبد العزيز. صادف هذا العام دخول الموسم الكرويّ في «دوري الجبل» مع حظر التجول الشامل الذي طبقته الحكومة الأردنية، ضمن إجراءات مكافحة جائحة كورونا. التزم «أبناء الجبل» بكافة الإجراءات، ومع تخفيف القيود تدريجيًا لجأوا لملاعب المدارس المجاورة، فاكتشفت أمرهم الشرطة مرتين، في الأولى جعلتهم يعودون لمنازلهم، لكن في الثانية لم تتركهم قبل إجبارهم على الركض لربع ساعة حول الملعب؛ «الضابط سألنا ليش بتلعبوا؟ قلناله إحنا عارفين إنه ممنوع بس إيش نعمل، إحنا زهقنا من البيت (..) عقوبة كانت، أجوا يحمّلونا بعدين شفقوا علينا».

كل ما سبق يرسم صورة عن تعليمات أصبحت أمرًا واقعًا وعُرفًا يطبق على أبناء الجبل جميعهم، إلّا أن التدقيق بصورة أكثر تفصيلًا يجعلنا نرى قوانين مطبقةً على الجميع، فلا يسمح لأيّ كان باللعب لنادٍ غير ناديه باستثناء الحارس، وتكون هناك انتقالات للّاعبين بين الأفرقة بموافقة أطراف العملية جميعها؛ المدرب واللاعب نفسه ومدرب الفريق الآخر، بالإضافة إلى تصعيد مستمر للمواهب وازدياد أعداد المشاركين من سنة لأخرى. «الموسم الماضي كانوا ستة فرق، الموسم هذا ثمانية فرق، من متعة اللعب في الملعب هذا، الناس تحب تيجي تلعب وتتفرج»، يقول عبد العزيز، مشيرًا إلى فتى يجلس بجانب الملعب: «مثلًا هذا معتصم، عمره 15 سنة، أنا تعاقدت معه، ممكن يلعب المباراة الجاي، لكن أنا احتاجه السنة الجاي ليش؟ لأنه هالسنة محتاج يجلس ويتفرج ويشوف الناس كيف بلعبوا».

«النيجيريين بحكوا إنجليزي، بس اليمنيين لأ، فبالإشارة بتفاهموا، خلص بتشوفه فاتحلك بتلعبله الكرة».

لكل فريق مدرب وكابتن وقرابة 11 لاعبًا، يكون ثمانية منهم داخل الملعب وثلاثة خارجه على مقاعد الاحتياط. توزّع أيام الأسبوع على الأفرقة، ويتولى المدربون مسؤولية تنسيق المباريات فيما بينهم، «عشان ما في فريق ينظلم» يقول عبد العزيز. ويسعى كل مدرب لتطوير فريقه بشكل مستمر، فأشرف مثلًا أعاد تفعيل فريق إنتر ميلان منذ عامين وبدأ يدرّبه ويستقطب لاعبين لتغطية المراكز التي تحتاج لتدعيم في الفريق. حين التقيناه كان يستعد لإشراك ريتشارد، لاعب فريق يوفنتوس النيجيري، في أول مباراة له بعد نجاح استقطابه، ليكون لاعب ارتكاز منتصف الملعب في الفريق. «بنعمل صفقات بيننا بس، بنقول والله شريت اللاعب هذا بمليون، بس هيك حكي»، يقول أشرف ضاحكًا ومشيرًا لريتشارد. وللمدرب القرار في الفريق ولا يتجاوزه أحد، «وهو اللي يحل أي مشاكل بتصير»، يختم أشرف.

مثال آخر على تطور الأفرقة هو فريق الأولمبي، الذي يلعب لأول مرة في الدوري، ومتوسط أعمار لاعبيه أقل من الأفرقة الأخرى. «قبل ثلاث سنوات كانوا يلعبوا ورا الملعب مع الصغار، في ملعب «لخشو» مثل ما بسموه الصوماليين»، يقول خالد. لكن الانضمام لفريق ليس بالأمر البسيط، إذ يخضع اللاعب الجديد لاختبار من المدرب وفترة تجربة، وبعدها ينضم رسميًا ليرتدي قميصه الرسمي.

الشاب اليمني خالد الطيري يلعب مع فريق ديماريا، وفي ذات الوقت يصفه أصدقاؤه بصحفيّ الجبل، فهو الذي قام بإنشاء مجموعة «محترفي جبل عمان» على فيسبوك لتكون منصة ينشر عليها تغطياته الصحفية عن المباريات وجداول إحصائيات الموسم، التي تشمل نقاط كل فريق ومركزه وهداف البطولة. وفي نهاية الموسم، يطرح تصويتًا لاختيار التشكيلة المثالية لمحترفي الجبل، مكونة من 11 لاعبًا، ويكون مدرب الموسم هو مدرب الفريق البطل.

العم وجيه، كما يحب أن يُنادى، الذي دأب على مشاهدة جميع مباريات ملعب الجبل أيام الجمعة وخلال أسبوع، يصف مستوى المنافسة قائلًا: «تعال خلال الأسبوع وتشوف الاحتراف». يتضح ذلك حين نعلم أن لاعبين محترفين ينشطون في دوريات الدرجة الأولى والثانية من الدوري الأردني يأتون للملعب لقضاء وقتهم. «عنا لاعبين زي عبدالله إيتو كان يلعب بنادييّ سحاب والموقر، والنيجيري مودي كان يتدرب بشباب الأردن كمان»، يقول خالد. «هذا الملعب ملهم الابطال والأجيال»، يقول عبد العزيز.

وعلى الرغم من المتعة التي تكتسي أجواء المنافسات، إلا أن طبيعة الملعب والمنافسة تجعل كلفة الالتحامات والإصابات فيه أكبر من غيره، فاللاعب يوسف أصيب قبل أكثر من عام بركبته ولم يستطع إجراء عملية جراحية لارتفاع كلفتها، فتحول من مهاجم هدّاف إلى مراقب يجالس الجمهور فقط «عندي رباط صليبي والغضروف، وهيني بلعب خفيف خفيف»، يقول.

مع ذلك، لا يشتكي اللاعبون. فكل ما يطلبونه حاليًا، بحسب خالد، «يضربولنا عامودين حديد يكونوا عارضات، ومكنستين خشنات، إحنا بنكنسه، وسطل دهان بس، إحنا بندهنه».