موسم الهجرة إلى إسطنبول

تصميم بيان دحدح

موسم الهجرة إلى إسطنبول

الثلاثاء 10 آذار 2020

«آخر واحد بطلع، يسكّر الباب ويطفّي الضو وراه».

يتداول الأردنيون في إسطنبول هذه العبارة الساخرة تعليقًا على الأعداد المتزايدة من الذين بدأوا خلال السنوات القليلة الماضية بالتوافد إلى المدينة التركية، حتى باتوا يشكلون مجتمعًا أردنيًا مصغرًا، ليس فقط في العدد، بل في التنوع؛ رجال ونساء، عائلات وأفراد، شباب في عشريناتهم، وآخرون في الخمسينات، خريجو دراسات عليا، ومن لم ينهوا تعليمهم الثانوي، عمّال في مطاعم وورش بناء، يتشاركون الغرف في مناطق شعبية، ومقتدرون اشتروا شققًا فارهة في المجمعات السكنية الراقية في ضواحي المدينة.

لكل واحد منهم سبب جعل من المدينة ملاذًا طويل الأمد؛ سلامة الذي لم يعد محلّ خدمات تنظيف المنازل الذي كان يعمل فيه في عمان يغطي معيشة عائلته، وهو الآن في إسطنبول يعمل في قطاع الخدمات السياحية، إسراء التي جاءت قبل سنتين لتكمل الدكتوراه، فوجدت نفسها تختبر لأول مرة الاستقلال والحرية في فضاء عام تتحرك فيه النساء بالراحة والثقة التي يتمتع بها الرجال، راتب الذي أسس مشروعه الخاص في التسويق العقاري بعيدًاعن تعقيدات قوانين الاستثمار في الأردن و«حيتان» السوق، كما يسميهم، وحنين، الأم التي ترى في إسطنبول مدينة صديقة للأطفال ومثالية لتأسيس عائلة.

وإسطنبول ليست فقط ملاذًا للباقين بإرادتهم؛ هناك أيضًا العالقون؛ مثل أحمد الذي استثمر جزءًا كبيرًا من تحويشة عمره في مطعم متعثر ما زال عاجزًا عن بيعه، ومحمد الذي خرج من السجن، واستغل فترة الاستئناف في قضية المطالبة المالية المرفوعه ضده ليغادر كي لا يعود إلى السجن، وفاطمة التي انتقلت مع زوجها وأطفالهما بتشجيع من أقارب سبقوهم، لكن الصعوبات التي واجهوها تجعلها تصف تركيا بأنها «مقلب».

هؤلاء وغيرهم ممن التقتهم حبر على امتداد شهر آب الماضي الذي قضته في إسطنبول، وسيروون قصصهم بشكل أكثر تفصيلًا (انظر/ي القصص أدناه)، هم جزء من 4.7 مليون مهاجر قدموا إلى تركيا من 192 دولة، منهم 3.6 مليون لاجئ سوري. ويشكلون جميعهم قرابة 4% من مجمل سكان تركيا البالغ عددهم 83 مليون نسمة. ولإسطنبول، التي يبلغ عدد سكانها 15 مليون نسمة تقريبًا، وهي إحدى المحافظات التركية الـ81، وقلبها السياحي والتجاري، حصة الأسد من هذه الأرقام، إذ يقيم فيها مليون ومئة ألف أجنبي.

بالنسبة للأردنيين الذين باتوا جزءًا من هذه الفسيفساء، كانت تركيا تقليديًا، وجهة الطلبة والسياح، التي تثبت الأرقام تزايدهم، بالتحديد خلال السنوات القليلة الماضية، إذ قفز عدد السياح الأردنيين من 131 ألف سائح العام 2014 إلى 203 آلاف تقريبًا العام 2016، ثم إلى 406 آلاف العام 2018.[1] وقفز عدد الطلبة في مؤسسات التعليم العالي من 128 في العام 2014 إلى 1622 العام 2017،[2] ثم إلى 3716 في الوقت الحالي.[3]

وتظهر الأرقام أيضًا، زيادة كبيرة في عدد المقيمين من غير الطلبة والسياح. إذ تمنح قوانين الإقامة التركية الأجانب الراغبين في تمديد إقامتهم أكثر من الثلاثة أشهر سنويًا المسموح لهم بالبقاء فيها، إذن إقامة لسنة واحدة وقد يصل إلى سنتين. يسمى هذا إذن إقامة قصيرة الأمد. ويحدد القانون 14 بندًا تُمنح هذه الإقامة بموجبها، من بينها الانخراط في دورات تدريبية أو بحث علمي أو امتلاك عقار وغيرها. من بين هذه البنود «السياحة»، وهذا ما أعطى هذا النوع من أذون الإقامة اسمه الدارج في أوساط العرب هناك وهو «إقامة سياحية» لأن «السياحة» هو السبب الذي يقدمه طالبو هذا النوع من الأذون لتبرير الإقامة. وإلى نهاية العام 2019، كان هذا الإذن يُمنح ويجُدّد تقريبا بشكل تلقائي لمن يطلبونه. وتظهر الأرقام[4] أن 19 ألف أردني تقريبًا حصلوا على أذون إقامة بين الأعوام 2014 و2019، منهم 12 ألف تقريبًا في السنوات الثلاث الأخيرة.

هناك أيضًا قفزة في عدد مشتري البيوت من الأردنيين خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ زاد العدد من 483 العام 2017 إلى 1362 العام 2018.[5] ثم إلى 1596 العام 2019.[6] وفي أيلول 2018، عندما خفّضت تركيا قيمة العقار الذي يمنح مشتريه حق الحصول على الجنسية التركية من مليون دولار إلى 250 ألف دولار، احتلّ الأردنيون المرتبة السابعة بين المستثمرين الذين حصلوا على الجنسية بموجب هذا التعديل ، إذ كان هناك 57 مستثمرًا أردنيًا بين الـ981 مستثمرًا الذين قدّموا وقتها لنيل الجنسية.

وفي وقت لا تتوفر فيه أرقام معلنة وموثقة في ما يتعلق بالهجرة العائلية إلى تركيا، فإن الإحصائيات تتضمن مؤشرات على تزايد هجرة الناس مصطحبين أطفالهم. من البيانات التي يوفرها معهد الإحصاءات التركية، ما يتعلق بالسكان الأجانب مصنفين بحسب مكان الولادة. وهي بيانات تظهر تزايدًا واضحًا لأعداد المولودين في الأردن من بين المقيمين الأطفال تحت سن الرابعة عشرة. فقد زاد عددهم من 373 للعام 2014 إلى 2345 في العام 2018.[7]

ما سبق كله يدل على توجه أعداد متزايدة من الأردنيين للرحيل إلى تركيا. لكن هذا كُبح جماحه مؤخرًا عندما أصدرت الحكومة التركية نهاية العام الماضي، قرارًا مفاده أنه ابتداء من بداية العام 2020، فإن تجديد الإقامات قصيرة الأمد سيكون حصرًا لمن يقدمون «أسباب مبررة» للبقاء في تركيا. ونقل أحد المكاتب القانونية عن مسؤولين أتراك أن المبررات التي ستتيح لصاحبها البقاء في تركيا بعد السنة الأولى، هي ببساطة أن يتحصل على أي من أذون الإقامة الأخرى، مثل إذن العمل، أو لم الشمل العائلي، وغيره. أي أن يقدم أي سبب آخر غير السياحة، وهو السبب التي كانت هذه الإقامات تمدد بموجبها. كما كان هناك قائمة بأسماء الدول المستثناة من هذا الإجراء، لم يكن من بينها الأردن. القرار، كما صرّح مسؤول في دائرة الهجرة التركية، يأتي في إطار سياسة تركيا في ما يتعلق بـ«مكافحة الهجرة غير الشرعية، والحد من المخالفات التي يرتكبها الأجانب على أراضيها».

على رأس هذه «المخالفات»، العمل من دون تصريح. وهو أمر ينطبق على عدد كبير من الأردنيين المقيمين في إسطنبول، من بينهم عدد ممن قابلناهم.

القرار الذي نُفّذ منذ قرابة الشهرين ما زال تطبيقه محاطًا بقدر كبير من الضبابية. والكلمة التي تصف حال الأردنيين في تركيا هي الانتظار، خصوصًا بعد أن تقدمت مجموعة منهم هناك بطلب إلى الحكومة التركية استثناء الأردنيين، أسوة بجنسيات أخرى من القرار، فطلبت الحكومة التركية أن يكون التخاطب مع الحكومة الأردنية، الأمر الذي قال الناطق الإعلامي في وزارة الخارجية، ضيف الله الفايز لحبر، إنه تمّ فعلًا «ونحن بانتظار ردّ الجانب التركي». وفق الفايز، فإن القرار الأخير يندرج ضمن «الشؤون الداخلية والقرارات السيادية» للدولة التركية، ولا يملك الأردن التدخل فيه، لأن الإقامة في مثل هذه الحالة هي «امتياز لا حقّ». لكن الأردن طلب من الحكومة التركية، كما يقول، مراعاة «الجانب الإنساني» عند تنفيذ هذا القرار. ذلك أن بعض من رُفضت طلباتهم للتمديد، وطُلب منهم المغادرة، هم عائلات لديها أطفال في المدارس، في وقت العام الدراسي في منتصفه. ومن هنا «طلبنا منح المواطنين الأردنيين فرصة أطول لتصويب أوضاعهم (…) ووعدونا أن ينظروا بالطلب».

ما الذي جعل تركيّا مقصد هذا العدد من الأردنيين؟

في انتظار إجابة رسمية حاسمة من الحكومة التركية، فإن السؤال المطروح هو: ما الذي جعل تركيّا مقصد هذا العدد من الأردنيين؟

في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، التقت حبر في إسطنبول شهر آب الماضي، بـ23 أردنيًا وأردنية، اختاروا المدينة مستقرًّا لهم. نقلنا عن عدد من هؤلاء تجاربهم المتنوعة في قصص منفصلة. وهذا المقال هو مقدمة لهذه القصص، ومحاولة لشرح السياق العام الذي يتحرك فيه هؤلاء. وهو مبني على المشترك من تجاربهم.

لقد كان لافتًا أن الدافع الأساسي للرحيل عند من التقيناهم، ممن لديهم أطفال، كان، كما قالوا، تأمين مستقبل الأبناء من خلال تعليم بنوعية جيدة، وكلفة أقل. لقد تحدث هؤلاء بشكل أساسي عن التعليم الجامعي، الذي توفّره الحكومة التركية بكلفة أقل بكثير بما لا يقارن مع الرسوم الجامعية في الأردن. إضافة إلى توفيرها خمسة آلاف منحة دراسية سنويًا للطلاب الأجانب في الجامعات الحكومية. وقد قالوا لنا إنهم اختاروا الرحيل قبل وصول أبنائهم سن الجامعة، لأنهم أرادوا منحهم فترة كافية لكي يتأسسوا في اللغة التركية. وقد دعم هذا القرار، أن تركيا توفر لكل الأطفال الموجودين على أراضيها تعليمًا مدرسيًا مجانيًا.

بالنسبة لهؤلاء وغيرهم، دعم قرار الرحيل من أجل التعليم، عامل اقتصادي، يتمثل في تدني كلفة المعيشة في تركيا، مقارنة بالأردن. وفق مسح المدن الأكثر غلاء في العالم، والذي تجريه مؤسسة «Mercer» سنويًا، احتلت عمّان المرتبة 75 ضمن قائمة مكونة من 208 مدن، هي الأكثر غلاء للعام 2019، متقدمة من المرتبة 94 التي احتلتها العام 2018. في حين احتلت إسطنبول في العام 2019 مرتبة متأخرة نسبيًا عن عمّان، هي 154. لكنها مثل عمان، ازدادت غلاء مقارنة بالعام 2018، الذي احتلت فيه المرتبة 163.

ومع ذلك، قال معظم من قابلناهم إن كلفة المعيشة في إسطنبول متدنية مقارنة بالدخل المتحصل في الأردن، بمعنى أن من وجدوا المعيشة رخيصة، هم أولئك الذين جاؤوا إلى تركيا، ولديهم مصدر دخل من الخارج، فكان لدى بعضهم رواتب تقاعدية، أو إيجارات منازل. أمّا عند الاعتماد بشكل تام على دخل من تركيا، فإن كلفة المعيشة، وإن ظلت أقلّ من الأردن، إلّا أن الفارق أقلّ من حالة من يتلقى دخلًا من خارج تركيا، ليس فقط بسبب الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد التركي، وانخفاض سعر الليرة التركية. ولكن أيضًا لأنه ليس من السهل أبدًا إيجاد فرصة عمل بطريقة نظامية، إذ هناك تعقيدات كبيرة تواجه من يريدون العمل في تركيا، وبالتحديد أولئك الذين يأتون ليعملوا براتب لدى آخرين، فالعمل بوظائف توفر راتبًا جيدًا، يستدعي إتقانًا تامًا للغة التركية، في بلد من النادر أن تجد فيها من يتحدث الحد الأدنى من الإنجليزية أو أي لغة أخرى. ومن لديه رأس مال كاف لفتح استثمار صغير مثل مقهى أو مطعم، فإن قانون العمل التركي يلزمه بتوظيف خمسة أتراك مقابل كل عامل أجنبي، مع دفع كل حقوقهم من حد أدنى للأجور وتأمينات صحية واجتماعية، وهذا ما يجعل من كثير من الاستثمارات الصغيرة غير مجدية اقتصاديًا. أمّا أصحاب المهن الحِرفية، فإن ما يحد من فرصهم في العمل هو أنهم مضطرون لمنافسة العاملين في هذا المجال من الأتراك واللاجئين السوريين الذين يبلغ عددهم في تركيا 3.6 مليون لاجئ، ومُنحوا منذ العام 2016 حق العمل بشكل رسمي.

لهذا فإن فرص العمل المتاحة للأردنيين، كما اتضح خلال اللقاءات لمن ليس لديه رأس مال، هي في سوق العمل غير الرسمي، أي العمل من دون إذن عمل قانوني. ففي تركيا، حيث يشكل حجم قطاع العمل غير الرسمي ما نسبته 34% تقريبًا من حجم الاقتصاد الكلي، فإن هناك الكثير من أصحاب الأعمال ممن يخرقون هذا القانون، ويوظفون عمالًا من دون استصدار تصاريح عمل لهم. وكما يحدث مع أي عمالة غير قانونية، لا يلتزم أصحاب الأعمال بالحد الأدنى من الأجور، البالغ 2324 ليرة تركية (263 دينارًا أردنيًا تقريبًا)،[8] ولا بساعات العمل المقرّرة، ولا بإشراك العمال في التأمين الصحي والاجتماعي. وفي هذه الحالة، فإن أداة الأردنيين المضطرين إلى هذا النوع من الأعمال لمنافسة الأتراك والسوريين، هي أداة أي عمالة مهاجرة غير رسمية؛ انخفاض الأجور، وطول ساعات العمل. وهذا ما يجعل هذا النوع من العمل المجالَ الذي يتوجه إليه اليائسون، ومن بينهم مثلًا الهاربون من مطالبات مالية، مثل محمد. لكن هذا لا يعني أن جميع من يعمل في هذه الوظائف يعاني بالضرورة من تردي الدخل. لقد أخبرنا من قابلناهم إنهم يقومون إضافة إلى وظائفهم هذه بنشاط جانبي مربح، هو العمل في «السياحة». إنه الاسم الذي يطلق على نشاط «السمسرة»، أي تقديم الخدمات للسياح أو المهاجرين الجدد، ويتمثل في تسويق الشقق، وتذاكر السفر، والرحلات السياحية وسيارات الأجرة. في هذا النوع من العمل، والذي يستخدم نشاطًا جانبيًا، يعمل هؤلاء وسطاء بعمولة بين المكاتب المتخصصة، والراغبين في هذه الخدمات، ويعثر الممارسون لهذا النشاط على زبائنهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي تضم عشرات المجموعات التي أسسها المغتربون في تركيا، وتنقسم بحسب الجنسيات، ولدى الأردنيين بضع مجموعات منها، يحظى بعضها بمتابعة ما لا يقل عن 40 ألف متابع.

عامل آخر يدخل في الحسبان بالنسبة للأردنيين في تركيا، ويلعب كما قالوا لنا، دورًا كبيرًا في قرارهم الاستمرار في العيش في تركيا، حتى مع تدني الدخل، وهو نوعية الحياة. ويشمل البنية التحتية المتطورة في المدينة، وعلى رأس ذلك، شبكة نقل عام ضخمة، وبالغة التنظيم تغطي كل إسطنبول. يضاف إلى ذلك توفر عدد كبير من أماكن الترفيه من متنزهات وشواطئ، ومساحات خضراء، ومتاحف، في كل المدينة، وهي مجانية، أو بأسعار متدنية. لقد قال كثيرون إن فرص الترفيه المجاني غير المحدودة في المدينة، هي أمر يعوض كثيرًا موضوع تدني الدخل، بالتحديد للأسر التي لديها أطفال.

فرص العمل المتاحة للأردنيين في تركيا، كما اتضح خلال اللقاءات لمن ليس لديه رأس مال، هي في سوق العمل غير الرسمي، أي العمل من دون إذن عمل قانوني

البيئة الاجتماعية المنفتحة في المدينة تشكل أيضًا عاملًا أساسيًا يعمّق رغبة الأردنيين في البقاء، وقد كان لافتًا كيف أن هذا كان القاسم المشترك، بالتحديد، لدى النساء اللواتي قابلناهن على تنوع توجهاتهن. ومع ذلك، ومع أن قسمًا ممن لديهم أبناء في سن المراهقة، قد عبروا عن قلقهم من تأثير هذا الانفتاح الاجتماعي المدعوم في بلد علماني بالقانون، على أبنائهم، فقد كان مشتركًا أيضًا التأكيد على أن التنوع هو سمة الحياة في إسطنبول، حيث تستوعب المدينة أنماط الحياة المختلفة، منفتحة ومحافظة.

لكن الظروف الاقتصادية في تركيا، والتي ظلت، مع كل التحديات، توفر ضمن الحد الأدنى معيشة مقبولة للقادمين من الأردن، لم تبق كذلك. وهذا هو التحدي الذي بدأ الأردنيون هناك بمواجهته، خلال هذه السنة. وذلك مع بدء ما يسمى بـ«الحملات الأمنية» ضد العمال غير القانونيين ومعظمهم من اللاجئين السوريين الذين يعملون في المدينة بشكل غير نظامي، إمّا لأن أذون العمل لديهم تتبع محافظات غير إسطنبول، أو لأنهم أسسوا مصالح تجارية من غير ترخيص. لقد انطلقت هذه الحملات، التي شملت مع اللاجئين السوريين كل العمال الأجانب المخالفين، للحد من فوضى سوق العمل المستمرة منذ سنوات في إسطنبول بحيث أثارت الشارع التركي، الذي يعاني إضافة إلى ذلك، من التضخم وهبوط الليرة التركية. وقد انتُقد حزب العدالة والتنمية الحاكم بسبب عدم اتخاذه موقفًا صارمًا من هذه الانتهاكات لقوانين العمل. خصوصًا وأن هذه الانتهاكات بلغت أوجها في مرحلة يعاني فيها الاقتصاد التركي من تحديات كبيرة انعكست على الأتراك في حياتهم اليومية. لقد أطلق الحملة رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو المنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري المعارض، بعد فوزه ببلدية المدينة التي كانت تاريخيًا من نصيب الحزب الحاكم. ورأى كثيرون في كسب المعارضة لها، رسالة يعبر من خلالها الشارع التركي عن سخطه على يحدث.

لقد بدأ تدفق اللاجئين السوريين إلى تركيا، كما يقول عمر كادكوي، الباحث في وقف أبحاث السياسات الاقتصادية التركية (TEPAV)، ابتداء من العام 2011، سنة اندلاع الأزمة السورية. لكنهم لم يُمنحوا حق العمل في تركيا إلّا في العام 2016 عقب اتفاقية تركيا والاتحاد الأوروبي في العام نفسه، والهادفة لضبط تدفق اللاجئين إلى أوروبا. وجاءت هذه الاتفاقية بعد سنتين تقريبًا، من منح اللاجئين السوريين ما يسمى بحق «الحماية المؤقتة»، الذي يعد أول تنظيم قانوني لوضعهم في تركيا، وتم بموجبه، تسجيلهم رسميًا في مختلف المحافظات التركية.

يقول كادكوي إن تشريع منحهم حق العمل صِيغ بطريقة هدفت إلى حماية اليد العاملة الوطنية، لهذا منعوا من العمل خارج المحافظات المسجلين فيها رسميًا. وحُدّد لهم سقف هو 10% من مجموع عدد الموظفين في أي منشأة. مع بعض الاستثناءات في ما يتعلق بالعمالة الزراعية والموسمية. لكن الذي حدث هو أن عددًا كبيرًا منهم ترك المحافظات التي سجل فيها وارتحل للعمل في إسطنبول، لأنها «المركز الصناعي والتجاري لتركيا. والأتراك أنفسهم يتركون محافظاتهم ويأتون إلى إسطنبول للعمل والإقامة، ثم يعودون للتقاعد في محافظاتهم الأصلية. والسوريون لديهم السبب نفسه». ووفق كادكوي، فإن هناك شحّا في الأرقام المتعلقة بالتواجد السوري في تركيا، لكن هناك تقديرات تشير إلى أن هناك تقريبًا مليون سوري يعملون بشكل غير نظامي في تركيا بشكل عام.

لقد اُنتقد الحزب الحاكم بسبب عدم اتخاذه موقفًا صارمًا من هذه الانتهاكات لقوانين العمل. خصوصا وأن هذه الانتهاكات بلغت أوجها في مرحلة يعاني فيها الاقتصاد التركي من تحديات كبيرة انعكست على الحياة اليومية للأتراك. وأعظم هذه التحديات هو الديون الخارجية التي بلغت نهاية أيلول الماضي 434 مليار دولار. وهي ديون يقول مورات إردوغان، المدرس في كلية العلوم الاقتصادية والإدارية في جامعة هاجيتيبه (Hacettepe) في أنقرة، ومدير مركز أبحاث الهجرة والسياسة التابع للجامعة، إنها استُثمرت في إنجاز العديد من مشاريع البنية التحتية، مثل النقل والإنفاق وغيرها. يقاسي الاقتصاد التركي أيضًا، وفق إردوغان، من انحدار العملة التركية، التي فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها. «قبل عشر سنوات، كان الدولار يساوي تقريبًا 1.3 ليرة، لكنه يساوي الآن 6 ليرات تقريبًا، وهذا أيضًا يجعل من الصعب تسديد الديون». هناك أيضًا مشكلة البطالة التي يقول إنها «بنسبة 15% تقريبًا، وهي بين فئة الشباب 29% وهذا رقم ضخم (…) وعندما يضاف إليهم اللاجئون، فهذا يزيد المسألة تعقيدًا».

ورغم أن ضخامة حصة سوق العمل غير الرسمي ليست على المديين المتوسط والبعيد في صالح الاقتصاد التركي، ويجب العمل على جعلها أقل فأقل بحسب إردوغان، إلا أن هذا على المدى القصير، بطريقة ما مفيد، لأنه من دونه فإن «هذا يعني أنه ربما يفقد خمسة ملايين شخص وظائفهم، وهذه بالطبع مخاطرة سياسية لن تغامر الحكومة التركية بخوضها».

لكن هذا كان له تبعات سياسية، يقول كادكوي، فمن كانوا يصوتون للحزب الحاكم خلال السنوات الماضية، وكانوا معه في استقبال السوريين، عندما ضافت الحالة الاقتصادية، غيّروا موقفهم، لأن الأمر بالنسبة إليهم، أصبح وفق الآتي: إذا لم يكن باستطاعتهم إطعام أطفالهم، فإنه لن يكون بالإمكان إطعام الآخرين. وهذا ما أدى إلى أن «تزيد حالة الاحتقان».

لقد أطلقت بلدية إسطنبول حملتها الأمنية الأولى ضد المخالفين في تموز الماضي، مباشرة بعد استلام رئيس بلديتها الجديد، أكرم أوغلو مهامّ عمله، ومنحَ العمال، وأصحاب المنشآت غير المرخصة مهلة إلى 21 آب الماضي لتصويب أوضاعهم، ثم مددت المهلة إلى 30 تشرين الأول الماضي.

لقد أُعدّت مادة هذا التقرير كما تقدم خلال شهر آب الماضي، والعديد ممن قابلناهم كانوا يعملون من دون أذون عمل نظامية. ووقتها قال لنا معظمهم إنهم يرون في تركيا مكانًا ينوون الاستقرار فيه. لكن البعض عبّر عن توجسه من أن البلد يفتقد إلى الاستقرار التشريعي. فهناك الكثير من التجاذبات السياسية الداخلية والخارجية التي تؤدي في أحيان كثيرة إلى صدور قرارات جديدة مفاجئة. وما يزيد الأمر تعقيدًا، هو الضبابية في آلية تطبيق التشريعات السارية. وقد كان الإعلان الأخير بخصوص تعديل شروط تجديد الإقامات القصيرة الأمد مثالًا على ذلك. وعندما عدنا إلى بعضهم للسؤال عن خططهم بعد هذا القرار، كانت الإجابة أن الجميع في حالة انتظار، فالأمر ما زال في بدايته، و مازال من المبكر الحكم.