عن الحياة داخل مكبّ: قصة شابة امتهنت نبش النفايات

تصميم محمد شحادة

عن الحياة داخل مكبّ: قصة شابة امتهنت نبش النفايات

الجمعة 20 أيار 2022

انتفضت زهرة[1] (34 سنة) من نومها مفزوعة على ألم حاد سبّبه ما بدا أنه سنّ مدبب انغرز في أصبع قدمها. وعندما نظرت إلى الإصبع الذي سال منه الدم، أدركت سريعًا أنها عضّة واحد من الفئران التي اعتادت سماعها «تخربش» داخل عريشة أهلها المقامة على حدود مكب نفايات اللجون في محافظة الكرك، حيث تعمل مع 13 عائلة تقريبًا في نبش النفايات وبيع ما هو صالح للتدوير من حديد وبلاستيك وكرتون للمتعهد الذي تضمّن المكب من مجلس الخدمات المشتركة في المحافظة. فركت مكان العضة بفصّ ثوم، وأخذت حبة مضاد حيوي، وعادت إلى النوم. وفي اليوم التالي، أحضرت قطع طوب، وضعت عليها لوح خشب، وفوق اللوح فراشها، صانعةً لنفسها سريرًا مرتفعًا عن الأرض خارج العريشة.

حدث هذا معها السنة الماضية، وهي لا تتذكر ذلك بوصفه حدثا استثنائيًا، إنه مجرد واحد من تفاصيل حياتها اليومية في المكان الذي أقامت فيه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مع والديها وأخيها، وعائلة أختها المتزوجة. ثم انضم إلى دائرتها العائلية أخيرًا خطيبها، الذي تعرفت عليه في المكب. ففي هذا المكان، كل يوم هو معركة يومية مع القوارض والذباب، والهواء الفاسد المحمل بالعفن، الذي يدخل إلى قصباتها الهوائية المعتلّة، التي تعالجها بالأدوية والتبخيرات في المستشفى.

عملت زهرة في نبش النفايات قبل ثلاث سنوات، ملتحقة بعائلتها المكونة من ثمانية أفراد، والتي سبقتها إلى الموقع عام 2015. تقاعد والدها من الجيش عام 2001، وعمل منذ ذلك الوقت سائقا وعامل مياومة في المزارع، قبل أن يستقر  في هذه المهنة، والتي كان أولاده، وأصغرهم الآن في منتصف عشريناته، يدخلون ويخرجون منها بحسب فرص الأعمال التي يحصلون عليها. وهي تقول إنها التحقت بالمهنة بعد أن سُدّت أمامها الفرص في الغور،[2] حيث تنتمي العائلة، وحيث عملت هي لأكثر من عشرين عاما في مزارعها. فقد بدأت العمل باليومية في سن الثالثة عشرة خلال العطل المدرسية، قبل أن تترك المدرسة في سن السادسة عشرة، لتتفرغ للعمل.

تقول زهرة إن اليومية، حيث تقيم، تبلغ في المتوسط ستة دنانير. صحيح أن هناك بديلا أفضل، هو مزارع جنوب عمان التي تبلغ اليومية فيها في المتوسط عشرة دنانير، لكن العمل فيها يشح عدة شهور في السنة.

قبل ثلاث سنوات، كان وضعها متعثرًا بشدة بسبب عجزها عن سداد أقساط قرضٍ أخذته من إحدى مؤسسات تمويل المشاريع الصغيرة، واستخدمته لتركيب نوافذ لمنزل عائلتها. وهو قرض اضطرت بعدها لأن تأخذ قرضا آخر لتسدّ أقساطه.

تتذكر زهرة أول يوم عمل لها في اللجون. لقد ذهبت ذلك اليوم، في ما كان مقررا أن يكون زيارة لعائلتها. وكان معها خمسة دنانير فقط، دفعتها أجرة للطريق. تقول إنها وصلت عصرا، ارتاحت قليلا، ولاعبت ابن أختها الرضيع، ثم تذكرت أمرا بديهيا، «قلت هسّة رح أرجع، ما رح ألاقي مصروف أروّح». لهذا قررت أن تعمل بما يؤمن أجرة العودة.

ما حدث هو أنها بدأت النبش في النفايات عصر ذلك اليوم، وانتهت الساعة السابعة من صباح اليوم التالي. وما كان مقررًا أن يكون يومًا واحدًا، امتد إلى سنوات. فرغم المشقة، كان العائد مغريًا، فقد كانت يوميتها تصل إلى 14 دينارا، وتتجاوزها أحيانا في حال واصلت الليل بالنهار، وهذا ما فعلته. وها هي الآن مرتبطة بالمهنة، ومن المقرر أن تتزوج من رجل يعمل فيها منذ 12 سنة، وكلاهما ينتظر، من أجل إتمام الزفاف، عودة العمل في «اللجون» الذي أوقف «مجلس الخدمات» تدوير النفايات فيه نهاية العام الماضي بانتظار إحالة عطاء التدوير على متعهد جديد.

نبش نفايات «اللجون» مهنة عائلية

مكب اللجون واحد من 22 مكبًا في المملكة، اثنان منها، وهما الغباوي والعقبة، يداران بشكل مستقل من قبل أمانة عمان وسلطة العقبة الاقتصادية. في حين تدار المكبات الباقية من قبل مجالس الخدمات المشتركة التابعة لوزارة الإدارة المحلية، والتي تُضمّن هذه المكبات بعقود سنوية لمتعهدين.[3] يأخذ المتعهدون ما هو صالح للتدوير إلى مصانع في عمان والزرقاء، فتدوّر بعضها مثل الحديد وأنواع محددة من البلاستيك والكرتون، وتعيده إلى السوق المحلي، في حين تصدّر إلى الخارج الألمنيوم والنحاس والكرتون وبلاستيك عبوات المياه.[4]

أحيل أول عطاء لتدوير نفايات «اللجون» عام 1996، بحسب مديره زعيّن العرود. وتبلغ المساحة الحالية للمكبّ الذي وُسّع أكثر من مرة، نتيجة تشبع أرضه بالنفايات، 1400 دونم، ويدخل إليه حوالي 300 طن من النفايات يوميًا من البلديات العشر التابعة لمحافظة الكرك. وبحسب العرود فإن قيمة العطاءات التي تدرجت خلال السنين من بضعة آلاف ووصلت قبل بضع سنوات إلى 100 ألف دينار تقريبًا، تحدد سنويًا بحسب حجم النفايات الواردة للمكبّ وأسعار المواد الصالحة للتدوير في السوق وقت طرح العطاء.

يستعين المتعهدون، في مكبات المملكة، بعمّال يتولون نبش النفايات وفرزها. ومكب اللجون هو الوحيد الذي تمارس فيه هذه المهنة عائلات تقيم في الموقع، تقول زهرة إنها عائلات قادمة من الأغوار الوسطى والجنوبية، وهي المناطق التي انتمى إليها عدد كبير من متعهدي المكب، الذين أحضروا أقاربهم إلى المكان، وفي الغالب، أقاموا هم أيضًا مع عائلاتهم فيه، وشاركوا في العمل، واستفادوا -في الأثناء- من المساحات الفارغة المحيطة بالمكبّ في تربية الأغنام.

تقيم كل عائلة عريشتها بواسطة مواسير حديد تشكل الهيكل، الذي يغطى بمشمعات بلاستيك وبطانيات قديمة. وتتكون العريشة في العادة من قسمين؛ واحد للجلوس والنوم، والآخر للطبخ والاستحمام. ويُحضر الناس من بيوتهم أمتعة النوم وأدوات الطبخ من مواقد وجرار غاز. وتقول زهراء إن الكهرباء تأتي من مولد كهربائي يعمل على البنزين، يملكه أحد المقيمين في المكان، ويتقاسمون ثمن وقوده، وهو يُشغّل بضع ساعات كل ليلة، ليتمكن قاطنو العرائش من إضاءة مصابيحهم وشحن هواتفهم وطبخ طعام العشاء.

لا عرائش في المكان حاليًا، فمع انتهاء عقد المتعهد،  يُلزم «مجلس الخدمات» العائلات بالرحيل إلى حين اكتمال إجراءات العطاء الجديد وقدوم متعهد آخر. وإن كان من المفترض في مثل هذا الوقت من كل عام أن يكون هذا قد حدث فعلا، لكن الأمر تأخر هذه السنة، لأن وزارة الإدارة المحلية بصدد تطبيق معايير جديدة لتنظيم عمليات تدوير نفايات المكبات في المملكة،[5] وهذا ما جعل زهرة تعود مضطرة إلى مزارع الغور.

يتقاضى العمال أجورهم في المكب إما على شكل يومية أو مقابل «الإنتاج»؛ وهو الشكل الأغلب للتعاقد، ويعني أن يجمع العاملون بضاعة، يبيعونها للمتعهد مقابل السعر المحدد لكل صنف في السوق وقتها. وهذا ما اختارته زهرة، لأنه يعطيها الفرصة لأن تعمل دون تحكّم من أحد.

السنة الماضية كان المتعهد يشتري كيلو الحديد بأربعة أو خمسة قروش، ويبيعها بعشرة قروش. ويشتري كيلو البلاستيك بثمانية أو تسعة قروش، ويبيعها بـ22 قرشا. ويشتري كيلو الألمنيوم بربع دينار أو 30 قرشا، ويبيعها بـ80 قرشا. ورغم أن أسعار البيع للمصانع ليست ثابتة في السوق، وقد تتغير هبوطا وارتفاعا، خلال السنة الواحدة، إلا أن هذا لا ينعكس على سعر الشراء من العمال، الذي تقول زهرة إنه يحدد بداية كل سنة مع المتعهد، ويظل إلى نهاية العام. وبالتالي فإن المتعهد هو من يتحمل الخسارة في حال انخفضت الأسعار خلال السنة، أو يقتنص الربح، في حال ارتفعت.

«شغل المكب مقرف مقرف»

تقول زهرة إن «شغل المكب مقرف مقرف، يعني لدرجة مقرف. تحمّلت، مرضت أول أسبوع ومشّيتها. قلت بتعوّد. كانت تصيبني كحّة، وأتعب وأستفرغ».

ليست النفايات هي المصدر الوحيد لتلوث الهواء، وأسراب الذباب في المكان؛ هناك أيضا مصنعان للسماد العضوي ملاصقان للمكب يجلبان الزبل من مزارع مواشي ودجاج مجاورة. وعند اشتداد الحرارة في الصيف تفوق الرائحة المنبعثة منهما رائحة النفايات نفسها.

كان يوم زهرة يبدأ في السادسة صباحًا، حيث تنزل من المعرش إلى «الجورة»، وهي المكان الذي تفرغ فيه ضاغطات النفايات حمولتها ويبلغ عمقها حوالي 12 مترًا تقريبًا، وتبعد عن المعرشات كيلو متر ونصف تقريبا تقطعها في الغالب مشيا، إلا إذا تصادف أن كانت سيارة المتعهد هابطة إلى المكان فتركب فيها.

تقول إن العمل داخل المكب يكون على مرحلتين؛ الأولى هي جمع البضاعة «مخلوطة»، ويكون هذا في موقع الجورة،حيث تذهب ومعها «بزّاريات» فارغة، وهي شوالات طولها متر وعرضها متر ونصف، وتبدأ في نبش تلال النفايات في المكان، وتضع ما تجده من مواد صالحة للتدوير في أكياسها. وهي تنجز في العادة، ما بين خمس إلى سبع بزاريات، تتقاضى دينارين عن كل واحدة، يدفعها لها والدها، فتعاقد المتعهد يكون مع رأس العائلة الذي يتولى توزيع المهام والأجور على العاملين من أفراد عائلته، وأحيانا كثيرة العائلات الأخرى، إذ قد تتشارك أكثر من عائلة في العمل. تأتي بعدها سيارة المتعهد وتحمل البضاعة إلى موقع قريب من المعرشات حيث يبدأ البقية بفرزها إلى أصنافها المختلفة، ثم يزنها المتعهد وينقلها إلى المصانع.

لا وقت لكي يتم الفرز النهائي في الجورة، تقول زهرة، لأن العمال يجب أن يستخرجوا أكبر قدر من البضائع الصالحة للتدوير في أقصر وقت قبل أن تجرف آليات المجلس النفايات وتردمها بالتراب. فالمجلس يمنح المتعهد فرصة 24 ساعة لنبش النفايات. بعدها يجب أن يتنحى العمال وينتقلوا إلى «جورة» أخرى كانت الضاغطات تفرغ فيها حمولاتها أثناء نبشهم لنفايات الجورة الأولى.

تقول زهرة إن الجميع في المكان يكونون في سباق مع الزمن، وعليهم أن يزيحوا ما جمعوه بعيدًا عن الجورة، قبل أن تأتي آليات المجلس وتجرفها مع بقية النفايات، وهو أمر حدث معها مرة، عندما جُرفت لها بزاريتان، «من قهري صرت أصيح (..) لإنه تعبي هاذ».

السباق في الجورة ليس فقط مع جرافات المجلس، بل بين العاملين أنفسهم، فالمنافسة محمومة، وكل شخص يحاول ملء أكبر عدد من البزاريات، «اللي مو شاطر، راحت عليه». لهذا، فإن الترتيب الذي درج عليه المتعهدون لمنع المشاحنات بين العاملين هو توزيع ضاغطات النفايات على العائلات بالعدل. والعدل هنا، تلفت زهرة، لا يتعلق فقط بالعدد، بل بالنوع أيضًا، حيث تختلف جودة النفايات من ضاغطة إلى أخرى، تبعا للجهة التي جاءت منها. أفضل نفايات هي القادمة من سجن سواقة، وجامعة مؤتة، خصوصًا الجناح العسكري، وقوات الدرك، ففيها كميات كبيرة من علب الكولا والفول والحمص الحديدية، وعبوات المياه، وجراكن الديزل البلاستيكية، وأحيانا الأسلاك.

خمس دقائق للتنفس

ليس هناك ساعات عمل محددة، فالنفايات متاحة 24 ساعة. كانت زهرة في الغالب تعود إلى المعرش عصرًا لتطبخ لوالديها وتأكل وترتاح، ثم تعود في الثامنة مساء وتبقى هناك إلى منتصف الليل، وأحيانا إلى الثانية أو الثالثة فجرًا، فالعمل في هذه الأوقات هو الأفضل على الإطلاق لأن عدد العمال يكون قليلًا، والمنافسة أقل بكثير من النهار، «عشان أجمّع بضاعة، وأطلّع إنتاج».

تنزل زهرة للعمل الليلي، بمرافقة أخيها، وقد ثبتت على جبينها مصباحًا، فلا إنارة نهائيًا في الجورة، ومع ذلك هي لا تخاف لأن المكان «أمان»، وهذه واحدة من مزايا أن يكون الجميع في المكان أقارب. كما أنها لا تخاف من الكلاب التي تستوطن المكب وتتغذى على فضلات الطعام والدجاج الذي تدفن الأطنان منه شهريًا شركة دجاج الوطنية المجاورة للمكب. تقول زهرة إن الكلاب تميز عمال المكب وموظفي المجلس، وهي مسالمة جدا معهم، بل هي تشكل عامل حماية لهم، «ما بتحكيش معنا إحنا، بس البرّاني». عندما تبدأ الكلاب النباح بعدائية، فهذا يعني أن رِجلًا غريبة دخلت المكب، فلا أحد يملك الحق بالدخول ونبش النفايات إلا عن طريق المتعهد لأن هذه النفايات ملكه.

هناك خطر حقيقي من النفايات الطبية المخلوطة بالنفايات العادية، بالإضافة إلى الزجاج والمخلفات الحادة.

الخطر الحقيقي، تقول زهرة، هو النفايات الطبية التي تكون مخلوطة بالنفايات العادية، مضيفةً أن الجميع يحرصون بشدة على الابتعاد عنها خوفًا من الإبر التي قد تؤدي إلى التقاطهم العدوى، ومع ذلك يأخذون منها ما لا يشكل خطرًا، مثل أكياس المحاليل الوريدية وعبوات مواد التنظيف، إضافة إلى علب الأدوية المنتهية الصلاحية، والجراكن المستخدمة في وحدات غسيل الكلى. وهناك خطر آخر هو التعرض للجرح من الزجاج والمخلفات الحادة، تقول إنها ترتدي في العادة كفوفًا وحذاء رياضيًا، وهناك أوقات ارتدت فيها حذاء السلامة «safety» اشترته من البالة. لكن لا يلتزم الجميع بذلك، لقد تعرض أخوها الأصغر قبل أربع سنوات لجرح من لوح زجاج مكسور، ظهر معه عظم كفه، فحملوه إلى مركز صحي القطرانة حيث خيط الجرح بخمس غرز.

تعاني زهرة من مشكلة في الجهاز التنفسي، ورغم تناولها الدواء يوميًا فإنها كثيرا ما تتعرض لنوبات اختناق تضطر معها للذهاب إلى المستشفى حيث تجرى لها تبخيرة. ويزيد العمل في المكب حالتها سوءًا، لكنها تحاول حماية نفسها قدر الإمكان، فتتلثّم بشالٍ أثناء العمل في الجورة، وتحرص ألا تتنفس بعمق أثناء وجودها وسط النفايات، «بحاول ما آخذ النفس كامل»، وبين وقت وآخر تبتعد عن أكوام القمامة «وبروح بتنفسلي خمس دقايق».

لم تكن زهرة تأخذ إجازات، باستثناء يوم في الشهر، عندما تذهب لاستلام 40 دينارا هي راتب جدتها من صندوق المعونة الوطنية، فتشتري لها مؤونتها، ثم تعود إلى اللجون. وهي تعمل حتى في أيام الجُمع عندما تتوقف الضاغطات ولا يكون هناك نفايات جديدة في الجورة، فتذهب لتشارك في الفرز حيث تتركز النساء في العادة، على عكسها حيث عملها الأساسي في الجورة. تقول إن المتعهد عندما يكون من الأقارب فإن هذا يشجع النساء على النزول للعمل في الجورة لأنه لا أغراب فيها ولا حساسيات تمنع ذلك. لم تكن الحال هكذا السنة الماضية، لكن هذا لم يمنعها هي من استمرار العمل في الجورة، حيث العمال «كله شباب، إلا أنا البنت الوحيدة معاهم»، وكانت تفرض وجودها في الجورة مثل أي واحد منهم. إنها كما يصفها خطيبها «ما بتحط واطي لحدا، وما بتسمح لحدا يتفلسف عليها بكلمة». أو هي على الأقل تحاول ذلك، حدث مرة أن متعهدًا كسر التقليد المتعلق بتوزيع الضاغطات بعدالة، واستعان بعمالِ مياومة لحسابه، أعطاهم حصر الضاغطات الجيدة، وترك للبقية ضاغطات النفايات المنزلية، فلم تعد زهرة تستطيع ملء أكثر من بزاريتين أو ثلاثة، لم تسكت، وكانت تدخل في شجارات حتى لو لم تفز بها، «حتى لو تهاوشت، أنا مجبورة إني أشتغل، وهو عارف إني مجبورة أشتغل».

حُب في المكبّ

كون المتعهد والعمال أقارب، أو أبناء منطقة واحدة، يجعل العمل يسير بكثير من السلاسة، وهناك الكثير من الثقة في التعاملات المالية التي تعتمد على تسجيل الديون. كثيرا ما يأتي الناس بداية العام من دون أن يكون معهم نقود تكفي معيشتهم في المكان، فيقدم لهم المتعهد سلفة يخصمها من ناتج عملهم، كما يخصم أيضا ثمن ما يجلبه لهم من طعام وشراب، فأقرب سوق على المكان هو القطرانة التي تبعد حوالي 23 كيلومتر، وقد جرت العادة أن توصي كل عائلة المتعهد بأن يجلب لها احتياجاتها. يساعد على ذلك أن المتعهد يقطع يوميًا الرحلة من الكرك إلى عمان، فترحيل النفايات يجب أن يتم يوميًا، لأن بقاءها عرضة للعوامل الجوية من شمس حارقة أو أمطار يتلفها.

أسوأ وقت للعمل في المكب، تقول زهرة، هو الشتاء، ففيه تقل النفايات ويصبح العمل في الجورة أصعب بفعل المطر والبرد والرياح الشرقية القارصة. وهو الوقت الذي يشتد عليها ألم يدها اليمنى، لقد وقعت عليها عندما كانت في الرابعة عشرة، وفك المفصل الذي يربط الكف بالساعد، فركب لها الأطباء قطعة بلاتين. ولأن عملها طوال هذه السنوات يعتمد بشكل أساسي على يديها فإن يدها لم تحظ بفرصة لأن تتعافى تمامًا، وبدأت تصاب بالخدر آخر سنتين، «بضربها، ما بحس بيها».

أثناء حديثها عن ألم يدها الذي يشتد عليها في البرد، أشرق وجه زهرة فجأة، عندما تذكرت أنها مرة كانت عائدة مع خطيبها من الجورة، وكانت البرد قارصًا، اشتكت له من ألم يدها، فأخذ كفّها ووضعها في جيبه إلى أن وصلا.

رغم وجودهما في المكان نفسه منذ سنوات، تقول زهرة إنها عرفته عن قرب فقط بداية السنة الماضية، عندما كانت تحاول نصب عريشتها، وكانت وقتها وحدها مع والديها اللذين لم يكن بإمكانهما مساعدتها في تثبيت السقف، تصادف مروره، فنادت عليه، ونصبه لها. وبعدها صارت تلاحظ أنه أثناء عملهما في الجورة يتعمد أن ينبش النفايات من الجهة الأقرب إليها كي يتحدث معها.

بعد الخطبة، صارت في معظم الأحيان تعمل بالشراكة معه، فتنزل كل صباح له بالقهوة والماء ويعاونها في حمل البزاريات بعيدا عن الجورة، وفي أحيان كثيرة يترك بزارياته ويتعاون معها لملء خاصتها، إلى أن يتأكد أنها ضمنت مبلغا معقولا، ثم يعود لبزارياته.

هي لا تعرف متى يمكن أن يتزوجا، لأن الأمر متوقف على 2500 دينار يجب عليه تأمينها، وتشمل المهر وتكاليف العرس وثمن غرفة نوم سيضعها في منزل والدته حيث سيقيمان. وهي ستساعده بما اشترته من أدوات مطبخ بدأت، منذ سنوات طويلة، بشرائها من أجورها في العمل استعدادا لليوم الذي تتزوج فيه.

لا تريد زهرة الاستمرار في نبش النفايات، لأن أحد أكبر هواجسها أن يكون مصير أطفالها مشابهًا للأطفال الذين كبروا وسط النفايات.

تقول إنها لا تريد الاستمرار في هذه المهنة بعد الزواج، لأن أحد أكبر هواجسها هو أن يكون لأطفالها مصير الأطفال الذين رأتهم خلال السنوات يكبرون وسط النفايات، وهناك في المكان الكثير منهم، ابتداء من الرضع إلى ما فوق. يرعى الأطفال في العرائش الجدات أو الأمهات، إذا لم يكنّ من العاملات في المهنة. أما الأطفال في سن المدرسة فهم يُتركون -عادةً- مع أقاربهم في الغور، لأنه لا مدارس قريبة بما يكفي ليلتحقوا بها. وهم يأتون إلى المكب في العطل ويساعدون في العمل. لكن هناك حالات عديدة أُخرج الأطفال فيها من المدرسة وانخرطوا في العمل. تقول إنها لا هي ولا خطيبها يريدون ذلك، فهو  يقول دائما إن أطفاله «يا يعيشوا أحسن مني (..) يا إمّا ما بدّي أخلّفهم». لهذا فإن أحد التصورات لحياتهما المستقبلية هو أن يبقى هو في المكب، وتقيم هي والأطفال مع والدته. لكنها هنا تشير إلى هاجس آخر يتعلق بالنظرة إلى هذه المهنة، فهي بعد زواجها لن تواصل العيش في الغور حيث «ما حدا بعاير الثاني، لو اشتغلت شو ما اشتغلت، ما حدا بحكي معك»، لهذا هي قلقة من التنمر الذي تقول إنها متأكدة أن أطفالها سيتعرضون له، «هناك بعمان (..) بده ييجي يقوله أبوك بشتغل بالزبالة».

لذلك فإن حلمها هو أن تبدأ مشروعا منزليًا للمعجنات، وأن يفتح خطيبها محلا للخضار، لكن كل هذا بحاجة لرأس مال ليس لديها أدنى تصور لكيفية تأمينه، «ما في طريق اللي تفتح باب». لهذا هي لا تستبعد أن تظل عالقة في حياة تقول إنها تختزل في كلمة واحدة، «التعب. التعب ما بنتسى. (..) الواحد شو بده يساوي طيب؟».


*هذا التقرير جزء من مشروع «عيون» للصحافة المحلية.

  • الهوامش

    [1] اسم مستعار، حفاظا على الخصوصية.

    [2] لم تحدد المنطقة حفاظا على الخصوصية.

    [3] المصدر مديرية إدارة النفايات الصلبة، في وزارة الإدارة المحلية.

    [4] تقييم إشراك القطاع غير الرسمي في قطاع إدارة النفايات في الأردن، التقرير الفني، منظمة أوكسفام، 2022.

    [5] المعلومة من وزارة الإدارة المحلية.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية