نبيلة الحشوش، بين المياومة في المزارع وتنظيم العاملات والعمال

الثلاثاء 29 تشرين الأول 2019
المزارعة والناشطة العمالية نبيلة الحشوش. تصوير عمّار الشقيري.

ما زالت ابنة غور الصافي نبيلة الحشوش، تواظب على اثنتين؛ العمل عاملة مياومة في مزارع الأغوار الجنوبيّة وتنظيم اعتصامات ووقفات احتجاجيّة لتحقيق مطالب عماليّة في شركة البوتاس العربيّة في غور الصافي. إثر نشاطها الأخير مع عمال الشركة، تم توقيفها الأسبوع الماضي في سجن الجويدة، بعد عدة شكاوى تقدَّم بها موظفون في الشركة، ورئيس مجلس إدارتها، جمال الصرايرة. 

خرجت الحشوش بكفالة الخميس الماضي، بعدما أخذ القاضي بأسباب تكفيلها كونها أمًّا مرضعةً لطفلٍ لم يكمل السنة من عمره. بعد خروجها بيوم، كان عليها ليس فقط رعاية الطفل إلى جانب أخوته (ثلاثة أولاد، أحدهم مصاب بالتوحد، وطفلتان) إنما أن تستيقظ باكرًا كذلك؛ إذ كانت كعاملة مياومة في انتظار «المعلم ينزّل البصل».

حصلت الحشوش على شهادة الثانويّة العامة في التمريض من مدرسة أم الهشيم الثانوية في غور الصافي، ثم خضعت بعدها لدورة تدريبيّة في مستشفى البلدة، وتزوجت من قريبها العسكري، محمد العشوش. لكنها  تركت التمريض «بسبب الأوضاع الاقتصاديّة»، وتوجهت للعمل كعاملة مياومة لحصاد المحاصيل في المزارع منذ عام 2009. 

في السنة ذاتها، بدأ انخراطها في العمل العام، حين لاحظت استغلال العاملات اللواتي يتلقين يومية ثابتة. اتفقت الحشوش مع أصحاب المزارع الكبيرة على أن يكون الأجر على الإنتاج، أي «مقاولة»، وهو ما يوفر على صاحب المزرعة التكاليف، وتستفيد منه العاملة في الوقت نفسه. تقول الحشوش إن ذلك وفّر على المزارعين مواصلات العمال، وشراء أكل لهم بسبب الوقت الطويل. «الآن صار [العمل] على الإنتاج، وليس مياومة، وصارت البنت اتطلع 20 دينار بدل ستة»، تقول الحشوش التي توضح أن نظام المقاولة كان موجودًا لكنها عملت على تنظيم تطبيقه.

اليوم، تشرف الحشوش على 250 عاملة مياومة، من أردنيات وسوريات ومصريات، يقعن تحت مسؤوليتها، وهي من تحصل على الأجرة من صاحب المزرعة. «أنا بشتغل متطوعة، بحكي مع العمال تليفونات، بوزع الأجرة على العمال، وأدور الصرافة من البنوك، وأحيانًا ما بنتبه على الولاد. بيطلع مرات نقص أو خربطة، وأنا بتحمل المسؤوليّة». 

ترشّحت الحشوش للانتخابات النيابيّة الأخيرة عام 2016، في ظل عملها بالزراعة. «البنات [كنّ] يقولن اليوم ننتخبكي، وبكرا تنزلي بينا على المزارع». حصلت الحشوش على ما يقارب ألف صوت تقريبًا، ولم تنجح. 

بداية النشاط مع عمّال البوتاس

عام 2017، بدأ نشاط الحشوش ينصبّ على تحسين أوضاع عمّال شركة البوتاس، إذ فوّضها عمّال نظافة ومراسلون، يتبعون إحدى الشركات المتعاقدة مع شركة البوتاس لتقديم خدمات التنظيف والضيافة، للتحدّث باسمهم، والمطالبة بحقوقهم. «نبيلة هي الكل بالكل هون، هي تقدر تطالب بحقنا، هي واعية وبتعرف»، يقول أحد العمّال. 

تركّزت مطالب العمّال حول شمولهم بالضمان الاجتماعي، ودفع بدل عمل إضافي، وتأمين معدات سلامة ومواصلات، والتأمين الصحي. يقول أحد العمّال الموقعين على ورقة تفوّض الحشوش بالتفاوض مع ربّ عمله، إنه كان يعمل من الساعة الثامنة للرابعة مساءً، وأحيانًا حتى الساعة السادسة بزيادة ساعتين لكن دون أن يتلقى أجرًا إضافيًا عنهما. «إحنا وقعنا على ورقة لنبيلة إنه تطالب بحقوقنا. بدنا تأمين، أكل وشرب، مواصلات، وسلامة عامة. الراتب 220 وخصم 15 ضمان. بنشتغل كل الأيام ما عدا الجمعة، ومرات نشتغل نلم ملح». يقول آخر إنه عمل حتّى الفجر في أحد المرّات و«لما تكون تعبان وتوخذ مغادرة بيخصموا عليك».

في تشرين الأول من السنة الماضية، اشتكت مجموعة من عمّال النظافة والمراسلين الذين يعملون في شركة البوتاس للحشوش أنهم ذهبوا لمزرعة أحد المسؤولين في الكرك لفرط الزيتون. على مدار يومين، وعلى دفعتين، أنجز هؤلاء العمال الخمسون المهمة، دون أن يتلقوا أجرهم. يقول أحد هؤلاء العمال، فضّل عدم ذكر اسمه: «أخذنا على الكرك، قالولنا في شغل، نزلنا بمزرعة، لبعد المغرب وروحنا، ووصلنا على الـ11، كنا فوق الخمسين، على مدار يوم، وظل شغل وطلعت مجموعة ثانية اليوم الثاني».

احتجت الحشوش ببث مباشر على الفيسبوك، فاتصل بها أحد المسؤولين في الشركة، «وقاللي هذول الشباب بيلقطوا عندي، وأعطوهم باكتين دخان ويومين إجازة»، كبديل عن الأجر. «ناديت العمال يشتكوا، طلعت بث، وحكوا معي عمّال نظافة، وعملنا قعدة بغور المزرعة على أساس نعمل وقفة احتجاجية»، تضيف الحشوش.

بين فترة وأخرى يحتج العمال، على بعض تجاوزات أصحاب العمل، فتتحرك الحشوش أولًا وتبثّ على صفحتها في الفيسبوك، وتزور بعضهم في مناطق أخرى مثل غور المزرعة، لتناقشهم. بثّت الحشوش على فيسبوك وقائع أحد اللقاءات مع هؤلاء العمّال نهاية شهر أيلول الماضي، «صار بعدها الكل يتواصل معي، حتى سواقين الشاحنات بالشركة، وحكولي مشكلتهم كاملة».

طلب المتصرف الحشوش، كما تقول، في الأول من الشهر الحالي، لكنها لم تذهب، بل ردت: «أنا مشواري ما خلص مشان تحبسوني». في اليوم التالي، نفذَّت الحشوش وقفة احتجاجية مقابل شركة البوتاس على الرصيف المقابل لبوابة الشركة مع بعض العمّال وسائقي سيارات الشحن في الشركة، اعتراضًا على فصل بعضهم وعمل آخرين في غير مسماهم الوظيفي.

«نبيلة هي الكل بالكل هون، هي تقدر تطالب بحقنا، هي واعية وبتعرف»، يقول أحد العمّال. 

يقول أحد هؤلاء العمّال الذي فضّل عدم ذكر اسمه: «رحنا الصبح لقينا الأمن والدرك قالولنا اعتصام ما فيه. أنا دخلت على الشركة، إجينا بدنا نطلع نعتصم مع المجموعة، حكولنا اللي بده يطلع فصل».

يقول هذا العامل، الذي وقع على ورقة تفوض الحشوش بتبني مطالبه، إنه وجد أن بعض ما يقوم به في العمل ليس مجبرًا به، وفقًا لقانون العمل، ومنه ما حدث السنة الماضية حين عملوا في قطاف الزيتون، بالإضافة إلى أعمال أخرى: «تدهن رصيف، مواسير، تشيل شوك بدون معدات سلامة، اتطلّعني على شغل ثاني ليش؟ [إذا] بتسأل عن الضمان، بيقلك مش عاجبك روح»، وتتطابق رواية هذا العامل مع روايات لعمّال آخرين.

في هذه الوقفة الاحتجاجيّة، خرج سهل الكساسبة، المقاول ومالك شركة البحار الأربعة المتعاقدة مع شركة البوتاس لتقديم خدمات النظافة والضيافة، وتحدث مع العمّال، وكانت معهم الحشوش التي سألته عن التجاوزات بحق هؤلاء العمّال. بدا أن المقاول لا يعلم بوجود هذه المخالفات، مثل عمل عمّال نظافة بأعمال أخرى، كما قال في أحد المقاطع المصوّرة التي حصلت عليها حبر لتلك الوقفة الاحتجاجيّة.

يؤكّد الكساسبة لحبر أنَّ جميع الموظفين لديه مشمولون في الضمان الاجتماعي من تاريخ مباشرتهم بالعمل، وعند سؤاله عن شمول هؤلاء العمّال بالضمان قبل ذلك قال «من قبل ما كانوا تابعين إلي، أنا جيت بنص هاي السنة». وحول العمل لوقت إضافي بدون الدفع لهم يقول: «بالعقود وضمن العطاء ما فيه عندي شغل أوفر تايم بأي شكل من الأشكال (..) هي بتعود لمصداقية العامل، أنا كعطاء، أنا عطاء نظافة وضيافة إذا بيشتغلو مع مقاول ثاني ويوخذهم، أنا ما عندي علم، وعمري ما كلفت عامل يشتغل إضافي».

بعد تلك الوقفة، استطاعت الحشوش كما تقول الحصول على توقيع الكساسبة على ورقة تعترف ببعض مطالب العمّال المحتجيّن، تتعلّق بتغيير مشرفي العمّال، والالتزام بالمسمى الوظيفي، والخضوع للضمان الاجتماعي. كما حصل العمّال بعد الوقفة على عطلة يوم السبت، ما عدا سبت واحد في الشهر، من رصيد إجازاتهم السنوية، وهو ما يؤكّده أحد العمّال والكساسبة. «يوم السبت من يوم دوامهم، أنا أعطيتهم إجازة بدل إجازات سنويّة [بدل ما] يطالبوني فيها نهاية السنة»، يقول الكساسبة لحبر. 

هكذا، انتقلت الحشوش بعد تسوية أمور عمّال النظافة التابعين لشركة الكساسبة، إلى مطالب سائقي الشحن، وملفات أخرى تتعلّق بشركة البوتاس، مثل عطاء صيانة حفارتيّ البحث عن الملح بترا ورم، وصارت تبث على الفيسبوك متحدثةً في هذه القضايا. نتيجةً لذلك، رفُعت على الحشوش ثلاث قضايا؛ قضيّة في الأغوار، وقضيتان في عمّان. واحدة رفعت مطلع الشهر الحالي، وتم التحقيق فيها وإحالة الحشوش بسببها إلى المحكمة، وهي مقدمة من قبل رئيس مجلس إدارة شركة البوتاس العربيّة، جمال الصرايرة. وواحدة مقدمة من ثلاث أشخاص يعملون في شركة البوتاس، والقضيتان تتعلقان بالذم والقدح والتحقير ضمن قانون الجرائم الإلكترونيّة، والثالثة قضيّة سابقة رفعها النائب رجا الصرايرة. 

قيس المجالي، وهو مشرف نقل في شركة البوتاس، هو أحد الأشخاص الثلاثة الذين رفعوا قضيّة مشتركة على الحشوش. ينفي المجالي ما يجري تداوله من أن رئيس مجلس إدارة الشركة جمال الصرايرة دفعهم  للشكوى، قائلًا إنه رفع قضية ذم وشتم وتحقير على الحشوش لاتهامها إياه بأنَّه تسبب بفصل بعض السائقين وتنفيع آخرين. يقول المجالي: «معلومات اللي بتحكيها عنّا كلها خاطئة، وقالت عنا أذناب وسكرانين على طاولة وحدة. سوّت فتنة بيني وبين زملائي، تهاوشت مع زملاء بسببها. أنا ودي شغلة وحدة: مين اللي وصّل ليكي المعلومات الخاطئة؟ إلنا شرط واحد [لإسقاط القضيّة]: تعطينا أسماء اللي أعطاها المعلومات الخاطئة». 

ويسأل المجالي عمَّن سمح للحشوش بالحديث نيابةً عن سائقي الشحن، فيما يُظهر الشريط المصور للاحتجاج بعض السائقين وهم يتحدثون لها عن مشكلاتهم في هذا القسم ومطالبهم، فيما يقول أحدهم «إحنا موكلين أمرنا إلى الأخت نبيلة».

توقيف من أجل «الضغط»؟

القضيّة الثانية رفعها على الحشوش رئيس مجلس إدارة شركة البوتاس العربيّة، جمال الصرايرة، بصفته الاعتباريّة كما يقول لحبر. ويشترط لإسقاط القضية أن «تيجي تعتذر وأنا مسامحها». وعند سؤالهِ حول تجاوزات تتعلّق بالعمل الإضافي غير المدفوع لعمال النظافة وعملهم بغير مسماهم الوظيفي، وهي التي دفعت العمال لتفويض الحشوش بالمطالبة بمطالبهم، يقول الصرايرة إن ذلك شأن المقاول. «أنا مَنا مسؤول عن المقاول (..) العلاقة بين العمال والمقاول بيحددها قانون العمل والضمان الاجتماعي. يطلبوا من المقاول، المقاول يعطيهم ما يعطيهم [هذا شغله]».

يوم الخميس 10 تشرين الأول، حقق قسم الجرائم الإلكترونيّة مع الحشوش في واحدة من هذه القضايا المرفوعة ضدها. «حطوني عند مديرية الشرطة على أساس موقوفة. قالوا لي بتروحي على مديرية شرطة العاصمة بعدين حولوني على قصر العدل»، تقول الحشوش، التي أوقفت من يوم الإثنين 21 تشرين الأول حتّى صباح الخميس 24 تشرين الأول.

يقول محاميها عامر الدميري إن هذه القضايا تأتي «من باب الضغط المادي والنفسي والمعنوي عليها». ويقول إن الحشوش مواطنة «وعندها حقوق ومتطلبات بالحياة، وما كان قصدها تسيء لبني آدم، [قصدها] توصل رسالة معينة مضمونها إنه إحنا إلنا حقوق». ويتوقع أن تحلّ القضيّة قريبًا، خاصة بعد أن تدخلت «وساطات» لحلها. 

مساء اليوم، نشرت الحشوش على صفحتها على فيسبوك منشورًا تعتذر فيه لجمال الصرايرة بالقول: «لعله قد خانتني الكلمات وتطرقت لما هو خارج موضوع النقد البناء والحق بالتعبير عن الرأي، بصدور بعض المصطلحات التي تعتبر إساءة شخصية وأنا أعتذر عن ذلك»، وذلك بعد أن التقت بالصرايرة اليوم.

تعلّق المحامية والناشطة في مجال الحريات تغريد الدغمي على قضية الحشوش وقانون الجرائم الإلكترونيّة بإن «أخذ الحقّ ليس بالتوقيف. الأصل هو الحريّة، والتوقيف هو الاستثناء، والقانون حدد ضوابط للتوقيف». 

ووفقًا للمادة 114 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة فإنَّ «التوقيف هو تدبير استثنائيّ، ولا يكون التوقيف إلّا إذا كان هو الوسيلة الوحيدة للمحافظة على أدلة الإثبات، أو المعالم الماديّة للجرميّة أو للحيلولة دون ممارسة الإكراه على الشهود أو المجني عليهم، أو لمنع المشتكي عليه من إجراء أي اتصال بشركائهِ في الجريمة، أو المتدخلين فيها، أو المحرضين عليها». 

وتضيف الدغمي: «أنا ضد التوقيف على قضايا حرية الرأي والتعبير إطلاقًا. بالمقابل فيه طرف آخر بيحكي العدالة تقتضي أن الذي تم الإساءة إله يوخذ حقه، [لكن] هناك وسائل بديلة لرد اعتبار وإنصاف الطرف الآخر غير التوقيف، مثل الاعتذار والتعويض».

تتذكر الحشوش تحركها الأول ضد شركة البوتاس، ولجوءها للاعتصامات ضد البطالة والفقر، ولتحسين ظروف عمال المنطقة. «أول اعتصام كان لهذه المطالب العمالية لموظفي البوتاس في 2017». في تلك السنة اتصل مسؤولون بالحشوش لتوقف الاعتصامات بسبب نيّة وفدٍ وزاري زيارة المنطقة. تقول الحشوش عن تفاصيل الاجتماع الذي تخللته الزيارة: «ما خلّو الناس تسولف، ومضّوها نحن جئنا بحرّ الصيف، وما حد استجاب».

بعدها، سمعت الحشوش أن مسؤولًا حكوميًا ينوي المجيء للمنطقة في زيارة أخرى. فحضّرت لاعتصام، وطبعت «تيشيرتات» وجهزت يافطات على نفقتها الخاصة، لتطلبها إحدى الجهات الأمنية لثنيها عن الاعتصام، إذ عُرض عليها عليها الحضور شريطة ألا تتحدث، وطلب منها أن تقدم المطالب مكتوبة على ورقة. «قلت له والله ما اتفقنا. أنا إلي شهرين صبح وعصر أزرع بصل ونعسان وبدي أنام. أخذوا أقوالي وحطوني بالسجن، لما خلص الاجتماع طلعوني». كان هذا أول توقيف للحشوش، كما تقول، بسبب نشاطها لتحسين أوضاع العمّال في البوتاس.

مع حلول الليل في الأغوار، هممنا بمغادرة غور الصافي. في نهاية المقابلة، قالت الحشوش إنها ستنزل للعمل في الزراعة في اليوم التالي، وترجع لترضع ابنها. لكنها ستتوقف عن العمل بعد أيام لحضور الجلسة القادمة في المحكمة. ولعل هذا الاحتكاك بالمحاكم عزز أمنيتها بدراسة القانون لتصبح محامية، وتأسيس جمعية للدفاع عن حقوق العمال.


هذا التقرير جزء من مشروع «عيون» للصحافة المحلية الذي تنفذه حبر وشبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج).