عاملات في القطاع الصحي: نساء على خط المواجهة

الأحد 17 أيار 2020
تصميم بيان حبيب

تُشكّل النساء ما نسبته 44 % من مجمل العاملين في القطاع الصحي الأردني، وقد مرَرن، شأنهن شأن قريناتهنّ في كل دول العالم التي تأثرت بفيروس كورونا، بأشهرٍ عصيبة تركت أثرها على حيواتهنّ المهنية والشخصية على حدٍ سواء.

لا تُنكر أي من النساء اللواتي تحدثنا معهن عبر الهاتف في حبر شعورهنّ بالخوف في بداية الأزمة، لكن ذلك لم يمنع أيًّا منهنّ أن تكون على رأس عملها في اليوم التالي. 

عبر استعراض قصصهن الشخصية، نحاول أن نتعرَّف على الوجوه التي أخفاها اللباس الواقي، الذي لازمهن على مدار الشهرين الفائتين وسيظل يُلازمهنّ حتى إشعارٍ آخر.

شيرين جرادات 

في بداية الأزمة، وصل عدد العيّنات المطلوب فحصها في مختبرات مستشفى الملك المؤسس في إربد إلى ما يُقارب 300 عيّنة يوميًا، وقد يرتفع العدد في بعض الأحيان إلى 400 عينة يوميًا، وهي أرقام كبيرة جدًا بالمقارنة مع طاقة المختبر وكادره، بحسب رئيسة شعبة المناعة والفحوصات الخاصة شيرين جرادات. 

بسبب هذا العدد، اضطرت شيرين (41 عامًا) لتغيير طبيعة الدوام في المختبر، الذي يتألف فريقه من ستة عاملين. نظرًا لأن المختصّين من طاقم المختبر بالفحوصات الخاصة، ومنها فحص الكورونا، هم ثلاثة عاملين فقط، بمن فيهم هي -المسؤولة عنهم-، كان من الضروري الاستعانة بشخص آخر لديه خبرة في هذا المجال، ليتوزع العمل على أربعة عاملين فقط.

تقول شيرين «صرنا نداوم بالنهار وبالليل وأيام الجمعة والسبت، يعني كل الأيام كاملة، فصرنا نداوم بالنهار من الساعة 8 نضلنا بحدود الساعة 3 أو 4 نطلّع مجموعة من العينات، وبعديها يجي كمان الشيفت الثاني، يجي المسا بحدود الساعة 5 ويضلهم للساعة 12 للساعة 1 الفجر عبيل ما يطلعوا كل النتائج»، وقد يتعيّن عليهم البقاء أحيانًا حتى الساعة السادسة صباحًا.

«بصراحة في البداية كان في شوية رفض، إنه يعني إنت كيف هيك بتعرضي حالك وبتعرضي عيلتك وهاد، بعدين يعني اتقبلوا الوضع إنه هي مشكلة وطنية»

تضيف بأنها اختارت تقسيم العمل بين الذكور والإناث «على أساس أنه الشباب يداوموا بالليل»، لأن من الصعب على الإناث العاملات في المختبر أن يخرجن من بيوتهنّ في المساء ويعُدن في ساعة متأخرة من فجر الليلة التالية، ولكنهنّ يعوّضن هذا الغياب عن الدوام الليلي، بالعمل في نهاري الجمعة والسبت. 

ويبقى العاملون، بحسب شيرين، على تواصل مستمر عبر تطبيق الواتساب لتنسيق شؤون العمل والأولويات، ففي الوقت الذي يمكن التمهل فيه في إخراج نتائج العينات العشوائية، يكون من الضروري الإسراع في إخراج نتائج الفحوصات التي تتم بعد اكتشاف بؤر جديدة للمرض. 

لا تُخفي شيرين أن عائلتها لم تتقبَّل هذا الوضع الجديد بسهولة، فهي أم لثلاثة أولاد، بنت (11 عامًا) وابنان (15 و17 عامًا)، وتُقيم مع والدتها المُسّنة، حيث تقول «بصراحة في البداية كان في شوية رفض، إنه يعني إنت كيف هيك بتعرضي حالك وبتعرضي عيلتك وهاد، بعدين يعني اتقبلوا الوضع إنه هي مشكلة وطنية، وبما إنه إحنا ماخدين full precautions [الاحتياطات الكاملة] يعني شوي شوي صاروا يتقبلوا الموضوع وتعودوا بصراحة»، وقد طمأنتهم فيما بعد نتائج الفحوصات السلبية التي تجرى للكادر باستمرار.

على الرغم من ذلك، لم تخِفَّ حدّة التوتر، متعدد الأسباب، الذي عانت منه شيرين وزملاؤها في هذه الفترة، بحسب ما روته. ابتداءً، تقول شيرين إن الغرفة التي يعملون بها مجهزة بشكل جيد وكافٍ لحماية الفريق، لكنهم يقومون بفتح العينات للحصول على المادة الوراثية للفيروس يدويًا قبل وضعها على جهاز البلمرة، ولا يُمكن أن يتخلصوا من «خوف أنه ننقل المرض لعائلتنا»، رغم تأكيد مختصين أن احتمالية حدوث ذلك ضئيلة جدًا.

ثم لا تملك شيرين إلا أن تُفكّر بالناس الذين ينتظرون النتائج وما يترتب عليها، بمن في ذلك المرضى وعائلاتهم، ووزارة الصحة والكوادر الطبية، الأمر الذي خلق ضغطًا هائلًا أثناء العمل للتأكد من دقة النتائج. تقول رئيسة الشعبة -التي أمضت ما يقارب 18 عامًا في العمل في المستشفى ككل-، إن الفريق يسعى إلى التأكد من نتيجة الفحوصات قدر الإمكان، كونهم يدركون جيدًا تبعات النتيجة الإيجابية، وحتى «ما نكون ظلمنا بني آدم أنه ما كشفنا نتيجته» على حد تعبيرها. 

في ظل كل هذه الضغوطات، تقول شيرين إن ما أنقذها هو وجود والدتها ودعمها الكبير في رعاية العائلة، لكن هذا لا ينفي تقصيرها، رغمًا عنها، بحق أولادها، خصوصًا في ظل تطبيق نظام «الدراسة عن بُعد» الذي فاقم من مسؤولياتها، إذ تعتبر أن «الولد ما بيستوعب كل شي من الفيديوهات اللي بيبعتوها بالمدرسة، فأكيد بيكون فيه تفاصيل بيسألوني عنها أكثر من لما كانوا في المدرسة».

«حسيت أنه أنا بموقف لازم أكون واقفة مشان بلدي.. أنا مسؤولة عن هذا الفحص، أي نتيجة بتطلع أنا بكون مسؤولة عنها»

لكن بسبب ضيق الوقت، تختار شيرين أن تمنح التركيز الأكبر لابنها الصغير، الطالب في الصف الخامس الابتدائي، لكونه «لساته بمرحلة التأسيس، أما الكبار بصراحة مش كتير معهم، يعني خلص دبّر حالك يعني. بس هاي الفترة اللي هي تقريبًا من الساعة 5 ونص أو 6 للساعة 12 بلشانة بالأولاد». 

تتأمل شيرين -التي تخرجت من جامعة اليرموك-، في إجراءات المستشفى لإدارة أزمة الكورونا، وتعتبر أن الإجراءات ما كان يُمكن لها أن تكون أفضل حالًا، وهي فخورة بعملها أكثر من أي وقتٍ مضى، إذ تقول «حسيت إنه أنا بموقف لازم أكون واقفة مشان بلدي (..) أنا مسؤولة عن هذا الفحص، أي نتيجة بتطلع أنا بكون مسؤولة عنها». 

يظل مطلبها الوحيد هو التحوّل إلى مختبرات مؤتمتة بالكامل، بحيث لا يتوجب عليهم القيام بمهمة فتح العينّات يدويًا بعد اليوم.

شهد غوانمة 

في هذا العام، تُتّم شهد غوانمة (31 عامًا) عقدًا كاملًا من العمل كممرضة في مستشفى الملك المؤسس، الذي فضَّلته على المستشفى الخاص الذي عملت فيه لأشهرٍ معدودة في العاصمة عمّان لأسباب متعددة، أولها قربه إلى مكان سكنها في قرية سحم الكفارات في محافظة إربد.

لم يكُن هذا العمل سهلًا على مدار هذا العقد، فهي أم لثلاثة أطفال، لم يُكمل أصغرهم عامه الأول بعد، وقد اضطرت في السنوات الأولى إلى التأكد بأن مناوباتها الليلية لا تتزامن مع مناوبات زوجها الذي يعمل في جهاز الدرك، بحيث لا يغيب كلاهما عن الأولاد في وقتٍ واحد.

«تعاملنا معهم والله من غير شر زي كأنه الواحد حدا من أفراد عيلته موجود عنا في المستشفى»

قبل بدء الأزمة، كان القسم الذي تعمل به «قسم عزل درجة أولى بيدخلوا فيه المرضى، يعني [اللي] معاه جرثومة بسيطة بالمسالك البولية، معاه جرثومة بجرح معين من مكان العملية، بتوخدي احتياطاتك وعادي»، أمّا وقد تحوَّل إلى قسم يُعزل فيه مرضى الكورونا فقد زاد الخوف وتبدلت القواعد، فـ«اللباس لحاله عبارة عن قصة يعني، كنّا كثير يعني نتعب بس نلبس». وبدلًا من أن يدخل الممرضون إلى غرف المرضى كل أربع ساعات لقياس الضغط والحرارة كما هي العادة في الوضع الطبيعي، تقول شهد بأنهم حاولوا تقليل عدد مرات الدخول، في محاولة لتقليل التعرّض للمرضى قدر الإمكان، ولكن «تعاملنا معهم والله من غير شر زي كأنه الواحد حدا من أفراد عيلته موجود عنا في المستشفى». 

على الرغم من أن أفراد عائلتها كانوا «متفهمين الموضوع» بحسب شهد، إلا أنها تعتبر الخوف الذي شعرت به طبيعي طالما أنها «أول تجربة» مع المرض الذي يختلف عن تجربة مرض إنفلونزا الخنازير التي عاصرتها في المستشفى أيضًا، فكما تقول «بتخافي تلقطي العدوى واتضلي طالعة، لأنه الواحد زي ما حكيتلك عنده أولاد صغار، عنّا مثلًا من غير شر أبهاتنا وأمهاتنا مرضى ضغط وسكري».

بيد أنها ومع مرور الوقت، وحفظ إجراءات السلامة والوقاية، اعتادت على الخطوات التالية «طبعًا اللباس اللي كنا بنلبسه طول اليوم مباشرة بنخلعه بغرفة الغيار تبعت الممرضات، ونفوت نغسّل كامل (..) حتى الشنطة نفسها اللي بنكون لابسينها بتكون بخزانتي صح بس أطولها بعقمها وكل إشي»، وتمضي في تعقيم السيارة التي تستقلها للقدوم إلى العمل. ثم تصل إلى المنزل، وتحرص ألا تصطحب أيًا من أطفالها، الذين تتركهم ما بين منزل والديها أو منزل والدي زوجها، قبل أن تغتسل مرة أخرى في المنزل وتضع ملابسها في الغسالة.

عندما تواصلنا مع شهد، كانت هي وزملاؤها في القسم في إجازة لمدة 21 يومًا تقريبًا، خضعت خلالها للفحص. جاءت هذه الإجازة «بعد ما روّحنا كل مرضانا إحنا (..) اللي كانوا عنّا بالقسم، أمّا لسا في مرضى عنا بمستشفى الملك المؤسس، بس إحنا مرضانا كملناهم، سكرنا القسم وعقمناه وعطلوا الكادر». 

سمر*

إذا ما أردنا الحديث بصراحة، تُخبرنا سمر، وهي عاملة نظافة في مستشفى استقبل مرضى الكورونا، أن عددًا كبيرًا من زملائها فضَّل ترك العمل عند بدء أزمة كورونا، باستثناء من هم «بعازة للشغل، يعني اللي هم بينفعش يبطلوا، زي حكايتي». 

خرجت سمر (46 عامًا) إلى سوق العمل للمرة الأولى قبل سنتين، عندما أصيب زوجها بمرض السرطان، وتوقف عن العمل في الكافتيريا التي كان يعمل بها. لم يكُن أمامها أي خيار آخر، فهي أم لخمسة أولاد، أربعة بنات وابن، تتراوح أعمارهم بين 16 عامًا وثلاثة أعوام. 

لا تملك سمر اليوم خيار التخلي عن هذا الدخل، حيث تتقاضى راتبًا شهريًا قيمته 195 دينارًا بعد خصم اشتراك الضمان، وتحرص أن تعمل حتى في أيام عطلتها الأسبوعية لتتقاضى 15 دينارًا إضافية، لتعتمد العائلة فيما بعد على «تلبيس الطواقي» للوفاء بكل التزاماتهم، على حد تعبيرها. 

تقول سمر «أول مرة دخلت جوا عالقسم، صدّقي إنه أنا فعليًا، أنا بني آدمة، أول مرة دخلت عالقسم كنت خايفة، بس مع وقفة التمريض والأطباء، يعني حرام يعني كلهم كانوا يفوتوا معاي لغاية ما أخلّص شغل ويطلعوا معي، يعني ما كانوا يتركوني ولا لحظة لحالي. فبدك تحكي شوي شوي تلاشى الخوف». لكن يظل اللباس الذي ترتديه يزيد عملها صعوبةً، فـ«طبعًا بعد ما أخلص بطلع من القسم زي اللي كأني نقعة مي من قد ما بكون مشوبة. وأنت بتعرفي كنظام شغلي بدي أضطر أزيح وأمسح وأشطف وأليّف، يعني بالعافية بكون قادر أتحرك».

تحرص سمر على الالتزام بإجراءات الحماية خوفًا على صحة عائلتها، ولذا تركت لها قطعًا من الملابس المخصصة للمستشفى، لا ترتديها نهائيًا إلا هناك، ومن ثم تحرص على عدم الاقتراب من الطفلتين الأصغر سنًا في المنزل حتى باتت ابنتها الصغرى تقول ببراءة «ماما إنت بطلت تحبّيني». 

تقول سمر إن علاقتها بابنتيها الصغيرتين مختلفة عن الآخرين، فهما «ما بيفارقوني نهائي (..) يعني من لما دخلت على قسم العزل نهائيًا بطلت أنام جنبهم». بيد أنها ومع مرور الوقت، استطاعت أن تشرح لهما عن اضطرارها للابتعاد عنهما في هذه الفترة، حتى اقتنعت إحداهما بأنه «في وحش كورونا، بس يروح ماما بتصير تيجي عندنا (..) هلق هذا كل اللي بمخيلة بناتي بس».

دعاء سمارة 

تعتبر دعاء سمارة (28 عامًا)، وهي مقيمة أطفال في مستشفى الملك المؤسس، أنها اختارت هذه المهنة وهي مدركة تمامًا لكل المخاطر والضغوط النفسية التي يمكن أن تتعرض لها، بيد أن أسوأ ما في فيروس كورونا خلقه خوفًا من نوع آخر. 

تقول دعاء، التي تخرجت من جامعة العلوم والتكنولوجيا في عام 2016، أنها تعي كونها «معرّضة أنه يصير معايا هاي الأشياء، ويعني أشياء أسوأ من هيك.. وأصلًا إحنا بنشتغل في شغل بنضل صاحيين 38 ساعة وبنّامش وكل هاي الأشياء ممكن تؤذي يعني في الآخر، إحنا بنخاف نوخذ هذا الفيروس ونعطيه لحدا إحنا بنحبه».

حتى مع اتخاذ جميع الاحتياطات، بما في ذلك الالتزام باللباس الواقي، فقد حرصت دعاء على عزل نفسها في منزل العائلة في الرمثا عندما كانت تُناوب في قسم مرضى الكورونا، بحيث تقول إنها تظل «بعيدة عنهم، يعني بغرفة لحالي وأشيائي لحالي وكل اشي، عايشة زي كأني لحالي». ثم تظل ملتزمة بقواعد التباعد الاجتماعي طيلة الوقت، حتى وإن لم يكُن لها مناوبة في ذلك القسم. 

وقد لمست دعاء دعمًا استثنائيًا من عائلتها، دعمًا تقدّره لأنهم، برأيها، تقبّلوا احتمالية أن يكونوا مثل أي عائلة أردنية قد يتم عزلها بالكامل، فتقول «أهلي وأهل الأطباء وأهل الموظفين بالمستشفى من أصغر واحد إلى أكبر واحد فيهم كان ممكن يكونوا زيهم زي أي عيلة أردنية أو بيت أردني انعمل عليه حجر تام وما يطلعوش وما يفوتش عليهم ولا حدا، بس هما زي ما دعموا كل واحد فينا طول حياته لحد ما وصلت أنا لليوم، هم كانوا مستوعبين كل اشي، مستوعبين التعب تبعنا.. مستوعبين إنه إحنا خايفين، مستوعبين إنه إحنا متحمسين برضه يعني». 

على الرغم من كل الصعوبات التي يواجهها العالم، لا يزال هناك مساحة، بالنسبة لدعاء وزملائها، لمتعة التعلم عن كثب، وطرح الأسئلة وقراءة آخر ما توصل إليه الخبراء.

قد يبدو هذا الحماس الذي تتحدث عنه دعاء وكأنه يخلق مشاعر متناقضة، على حدّ وصفها، ولكن هذه هي الحقيقة، فعلى الرغم من كل الصعوبات التي يواجهها العالم، لا يزال هناك مساحة، بالنسبة لها ولزملائها، لمتعة التعلم عن كثب، وطرح الأسئلة وقراءة آخر ما توصل إليه الخبراء. 

تشعر هي، كما يوصيهم الأخصائي الذي يشرف عليهم، الدكتور وائل هياجنة -الذي تعتبره قدوةً لها لتفانيه وطريقة تعامله مع المرضى-، بالامتنان، وتقتبس منه الخلاصة إذ يقول «بالعكس أنت لازم تكون حاسس دايمًا وممتن إنه أجتك فرصة تعمل هذا الإشي، تشتغل هذا الشغل».

كانت هذه المرة الأولى التي تُعالج فيها دعاء الأطفال دون أن يروا وجهها، ولا تملك إلا أن تتساءل إن كان هؤلاء الأطفال، ومنهم من بقي لمدة خمسة أسابيع في المستشفى، سيتعرّفون على أشكال الأطباء الحقيقية بعد نزع اللباس الواقي عنهم.

هديل حجاوي 

عندما بدأ عدد مرضى الكورونا القادمين إلى مستشفى الأمير حمزة في عمّان بالازدياد، عُقد اجتماع مع المقيمات في المستشفى، وذلك ليَخترن ما بين العمل المباشر أو غير المباشر مع المرضى بحسب ظروف كلّ منهنّ. 

كانت مقيمة الباطنية هديل حجاوي (28 عامًا) من بين من حضرن الاجتماع، وكان بإمكانها أن تختار الاكتفاء بإجراء البحوث حول الفيروس، والتواصل مع المرضى عبر الهاتف لأخذ المعلومات اللازمة، لكنها فضّلت أن تستمر في مناوباتها التي كانت قد بدأتها بالفعل، حتى قبل انعقاد الاجتماع، فأضحت هي طبيبة الباطنية الوحيدة التي استمرت في العمل المباشر إلى جانب زملائها من الذكور. 

تقول هديل أنها تساءلت عن الفرق بين المقيم والمقيمة في مثل هذه الظروف، فـ«حتى هو المقيم عنده عيلة.. والمقيم متجوز وعنده ولاد، وإذا مش متجوز عزابي، عنده أم وأب (..) في الآخر يعني ما حدا ما عنده أهل». في بداية شهر آذار، وعندما ظهرت أولى الحالات، تقول هديل «لسا ما كنّا يعني فاهمين شو كورونا، مش مستعدين صراحة أبدًا»، ولكنّهم قطعوا شوطًا طويلًا بسرعة كبيرة، فتعلموا كل الإجراءات السليمة، وأصبحوا يذهبون إلى مناوباتهم وهم مطمئنون، على حد قولها. 

بالإضافة إلى المهام الروتينية التي تقوم بها، هي وزملاؤها، في هذه الفترة، بما فيها الاطلاع المستمر على الفحوصات والأدوية المُعطاة إلى المرضى والتوصية بإعادة أخذ المسحة من بعضهم، يتعيّن عليهم أن يجيبوا على السؤال المتكرر من قبل من لا يعانون من أعراض المرض أسوةً بغيرهم: «طب أنا مو مريض ليش حاطيني بالمستشفى؟».  

تقول هديل إنهم يحاولون تقديم الدعم النفسي لهذه الفئة، فـ«في منهم صراحة كثير بيكون نفسيتهم متضايقة من القعدة»، وتضيف أنهم يشرحون لهم أن عليهم أن يتمتعوا بالصبر، حتى لا ينقلوا العدوى دون علمهم لضعيفي المناعة فهذا «وباء بالآخر».

تخرَّجت هديل من جامعة طرابلس في ليبيا في عام 2015، وفضَّلت أن تبقى هناك حتى في ظل حالة عدم الاستقرار التي شهدتها ليبيا بعد ثورات الربيع العربي في عام 2011. ثم انتقلت إلى أبو ظبي، حيث تقيم عائلتها حاليًا لتنهي سنة الامتياز وتعود بعدها للأردن وحدها لإكمال دراستها. 

كونها تقيم وحدها في شقة تملكها العائلة في عمّان، لم تُكن بحاجة لعزل نفسها في الفندق الذي وفره المستشفى لزملائها الذين لا يملكون مساحةً منفصلة عن عائلاتهم. بيد أن الأمر ليس هيّنًا عليها، حيث تقول «بالعادة دايمًا بنتجمع خاصة برمضان يا أنا بسافر يا هم بيجوا، يعني ما عمره قعدت لحالي برمضان». 

تضيف هديل «مش سهلة يكونوا ستك جنبك وقرايبك جنبك ومش قادرة توصليلهم يعني»، فهي حريصة على عدم رؤية أي منهم، وخصوصًا جدتها التي تبلغ من العمر 80 عامًا، والتي كانت معتادة على قضاء عطلة نهاية الأسبوع في منزلها أو في منزل خالتها التي تقيم بالقرب منها أيضًا، ولكن كل علاقاتها اليوم تقتصر على المكالمات الهاتفية. 

يُخفِّف من وطأة هذا الضغط التشجيع المتواصل الذي تتلقاه هديل من عائلتها، الذين يتصلون بها يوميًا لتشجيعها، ودعم زملائها الذين يتشاركون الحال ذاته، إلى جانب رسائل الجيران الذين تحرص ألا تختلط بهم أبدًا في الوقت الحالي. بيد أنهم متفهمون، وقد تركت إحداهنّ رسالة على باب شقتها كتبت فيها «إحنا بنشكرك، وإحنا معك، وإحنا اللي واقفين معك»، تركت في نفسها أثرًا طيبًا لا يُستهان به، بحسب وصف هديل.


*اسم مستعار بناء على طلب صاحبته