عاملون وعاملات في الغزل والنسيج: من أجل من تعمل نقابتنا؟

عاملات في مصنع ألبسة في مدينة الحسن الصناعية في إربد. تصوير علاء الشماع.

عاملون وعاملات في الغزل والنسيج: من أجل من تعمل نقابتنا؟

الجمعة 28 شباط 2020

في صبيحة الثامن من شباط الحالي، نفذت أكثر من 500 عاملة إضرابًا مفتوحًا عن العمل في أحد مصانع إنتاج الملابس وحياكة الغزل والنسيج في لواء بْصيرا، في محافظة الطفيلة، احتجاجًا على عدم صرف حوافز بدل زيادة إنتاج المصنع خلال كانون الثاني، وعدم صرف الزيادة السنوية المستحقة بمبلغ خمسة دنانير، إلى جانب صعوبة الحصول على المغادرات والإجازات. وبحسب جريدة الغد، فقد طردن من مكان العمل بعد ساعات قليلة على بدء الإضراب.

في مساء اليوم ذاته، توصلت العاملات إلى اتفاق مع إدارة المصنع للاستجابة لمطالبهن، فضلًا عن توفير الإجازة المرضية، التي أبقيت صلاحية منحها بيد طبيب المصنع نفسه، بوساطة وزارة العمل.

لكن وسط ذلك، لم يرد ذكر للنقابة التي يفترض أن تغطي هذا القطاع، وهي النقابة العامة للعاملين في صناعة الغزل والنسيج والألبسة، التي تأسست عام 1954.

يقول المهندس ناصر الرفوع، الذي كان أحد الوسطاء بين العاملات وإدارة المصنع، إن معظم العاملات في المصنع، البالغ عددهن 700 عاملة، بعضهن محافظة الطفيلة، لا يعرفن حتى عن وجود نقابة للغزل والنسيج، وهو ما يفسر بحسبه لجوئهن إليه كوسيط، كونه عمل في الإدارة الفنية للمصنع ذاته قبل ذلك. ويضيف أنه ورغم الأنباء التي أثارت الرأي العام في ذلك اليوم، إلا أن أحدًا لم يتدخل سوى مدير العلاقات العامة في وزارة العمل عدنان الدهامشة.

غياب النقابة فتح باب التساؤلات عن مسؤوليتها في متابعة قضايا العمال، في ظل تصريحات رئيسها، فتح الله العمراني، حول الدفاع عن قضايا عاملي القطاع في العموم، خاصةً بعد استثناء العاملين في قطاع الغزل والنسيج من قرار الحكومة هذا الأسبوع برفع الحد الأدنى للأجور إلى 260 دينارًا، ليظل الكثير من عمال القطاع يتلقون الحد الأدنى السابق البالغ 220 دينارًا.

عاملات بصيرا: لم نسمع بالنقابة

تشهد البيانات المتعلقة بالعاملين في قطاع الغزل والنسيج تفاوتًا. فوفق أرقام دائرة الإحصاءات العامة حتى تموز عام 2019، يعمل في القطاع قرابة 90 ألف عامل وعاملة. قرابة 40 ألفًا من هؤلاء أردنيون وأردنيات، فيما يحمل أكثر من 50 ألف عامل وعاملة جنسيات آسيوية أخرى، على رأسها البنغالية. لكن بيانات نقابة العاملين في الغزل والنسيج والألبسة حتى نهاية عام 2019 تشير إلى أن القطاع يضم حوالي 75 ألف عامل وعاملة، قرابة 60 ألفًا منهم مهاجرون، أي 80%، و15 ألفًا أردنيون، أي 20%. وتشكل النساء الغالبية سواء بين المهاجرين أم الأردنيين، إذ يمثلن قرابة 69% من مجموع العاملين في القطاع وفق أرقام النقابة.

يشتمل القطاع على صناعة السجاد والجوارب والأقمشة والمناشف والملابس الجاهزة وكل ما يعنى بالحياكة والخيطان. ووفق جداول النقابة، فإن قطاع الغزل والنسيج يشمل 59 مصنعًا، تتوزع بين ثلاثة مدن صناعية وعدد من المصانع المتفرقة خارجها. إذ يوجد 20 مصنعًا في كل من مدينتي الحسن وسحاب الصناعيتين، و13 في الظليل، وستة مصانع متفرقة في مدينة إربد. إلا أن أرقام وزارة الصناعة والتجارة تشير لوجود أكثر من 960 مشغلًا ومصنعًا للقطاع في مختلف مناطق المملكة.

عند تواصلنا مع العاملات اللواتي نفّذن إضراب بصيرا مطلع الشهر الحالي، تفاجأن بوجود نقابة للعاملين في الغزل والنسيج، فبحسبهن لم تقم النقابة بأي زيارة أو كشف أو محاولة التعرف على ظروف العمل في مصنع يضم أكثر من 700 عاملة.

كانت سامية،* التي شاركت في الإضراب، إحدى هؤلاء العاملات التي لم تسمع بالنقابة سوى عن طريقنا. وتضيف أنه لو كانت النقابة قوية بالفعل لما كانت استغربت وجودها، مبينةً أن الأولى من وساطة وزارة العمل هو وجود نقابة قوية تدافع عن مصالح عاملاتها في القطاع، لا تركهن تحت سطوة إدارات المصانع. وطالبت بالكشف السريع للأحوال والظروف العمالة التي تعيشها العاملات في بصيرا، سعيًا لتحسينها.

أما الثلاثينية رائدة،* التي اختارت العمل في المصنع لمساعدة زوجها في إعالة أبنائهما الثلاثة، فترى أن وجود نقابة عمالية قوية يحد من سطوة أصحاب العمل، ويدفعهم لدفع كافة الحقوق المالية والمعنوية، بدءًا من التعامل الحسن ووقف الاعتداءات اللفظية، وصولًا إلى ضمان الإجازات المرضية والسنوية والمغادرات التي تضطر لها لرعاية أبنائها.

يقول رئيس النقابة فتح الله العمراني إن النقابة رفضت تبني الإضراب المفتوح الذي أعلنته العاملات في بصيرا «لعدم قانونيته»، كونه يطالب بزيادة العلاوة ومساواتها بالإداريات، رغم حصول العاملات على الزيادة السنوية المقدرة بخمس دنانير، وعدم وجود انتهاكات تستحق الإضراب، بحسبه. وأضاف أن صاحب المصنع هدد بإغلاقه والسفر خارج البلاد في حال استمرت العاملات بإضرابهن، عبر شكاوى تقدم بها المالك للنقابة.

وبحسبه، فإن العاملات يعرفن عن وجود النقابة وقمن بالتشاور معها لتنسيق الإضراب، إلّا أن رفض النقابة دعاهن لعدم التعرف عليها وإنكار عملها. مشيرًا إلى أن عدم وجود مكان خاص للمبيت في المصنع حدّ من قدرته على الالتقاء بالعاملات لساعات طويلة.

هذه العلاقة المتوترة مع النقابة لا تقتصر على عاملات بصيرا. فعام 2018، نفذ سامي وعشرات العمال الآخرين في أحد المصانع الكبرى في مدينة الحسن الصناعية إضرابًا لمدة ساعة على مدار عدة أيام في شهر رمضان، احتجاجًا على فرض الإدارة ساعة عمل إضافية دون أجر إضافي، علمًا أن العمل خلال شهر رمضان يبدأ في الثامنة صباحًا وينتهي في الواحدة بعد الظهر، مع وصول الحافلات التي تقل العمال من مقر المصنع في مدينة الحسن إلى إربد والمفرق.

يقول سامي إن إدارة المصنع أخّرت قدوم الحافلات ساعة كاملة لفرض بقائهم داخل المصنع وراء آلاتهم واستمرار العمل، إلا أنهم فضلوا الجلوس تحت شمس الصيف حتى العدول عن قرار الساعة الإضافية. ورغم علم مندوب النقابة في المصنع، إلا أن أحدًا لم يستجب.

«وقفنا أيام تحت الشمس في رمضان، ما حدا عمللنا قيمة حتى بعد إعلام النقابة بهذا الانتهاك. اضطرينا بعد كم يوم نرجع للمصانع ونشتغل الساعة الإضافية ببلاش»، يقول سامي.

يقول العمراني إن المصانع لم تخالف قانون العمل بزيادة ساعاته دون وجه حق، مبينًا أن القانون يحكم العمال بثمانية ساعات، وإن كان في شهر رمضان. «إنسانية أصحاب المصانع واهتمامهم بالعمال ريّحهم برمضان»، يقول، معتبرًا أن بعض العمال، الرافضين لكافة أنواع العمل أصلًا، يحاولون تأليب زملائهم على الإدارات. وأضاف أن مشكلة القطاع تكمن في أنه لم يحدد ساعات عمل لكافة المصانع في شهر رمضان، وهو ما تعمل عليه النقابة في الوقت الحالي.

اعتداءات وتهديد بتسفير العمال المهاجرين

ينقسم الأجر المقرر بـ220 دينارًا والذي يتلقاه العاملون والعاملات المهاجرون في هذا القطاع، بين مبلغ نقدي يُقبض شهريًا، ومبلغ عيني يتمثل في المأكل والشرب والمسكن.

لعدة سنوات، اكتفى موسى، العامل المهاجر من بنغلادش، بوجبة إفطار مكونة من بيض مسلوق وكوب حليب؛ إفطار لا يكاد يسد رمقه بما يمكنه من العمل أكثر من خمس ساعات، ليتجه بعدها منهكًا إلى مسكنه الذي تعوزه التدفئة والنظافة، ويتناول طبق غداءه المكون من صحن الأرز «الناشف» عادة.

يقول موسى ورفيقه سليمان وآخرون من العمال البنغاليين، إنهم تعرضوا لسوء المعاملة وتأخير دفع الأجور، علمًا بأن الإدارة ترغمهم على العمل أكثر من ثماني ساعات دون دفع أجر إضافي بدل ذلك.

ووفق تقارير صحفية، وأنباء حول إضرابات سابقة، يشتكي العاملون في القطاع من تأخر دفع الأجور وزيادة ساعات العمل بشكل خاص في شهر رمضان، وسوء جودة السكن والمأكل المقدم للعمال المهاجرين. ففي أحد المصانع التابعة لمدينة الحسن الصناعية، نفذ عشرات العمال البنغاليين في عام 2018 إضرابات متعددة احتجاجًا على تأخر دفع أجور ثلاثة شهور ورداءة نوعية الطعام والمسكن. ووفق ما يروي موسى، كان استمرار التوبيخ والتحقير، وفي بعض الأحيان، الاعتداء الجسدي هو الشرارة التي أطلقت هذه الإضرابات.

ورغم الشكاوى المتعددة التي تلقتها النقابة، إلا أنها اكتفت بدور الوساطة مع إدارات المصانع، وفق موسى، الذي يبين أن النقابة سعت لإقناع العمال بالعدول عن إضرابهم مقابل تحقيق مطالبهم، لكن  الالتزام بهذه المطالب لم يكن يتجاوز أكثر من أسبوع أحيانًا، لتعود الإدارة بعدها إلى تعاملها السابق وتقديم الخدمات الرديئة ذاتها.

فضلًا عن ذلك، تلقى موسى وزملاؤه المهاجرون في المصنع عدة تهديدات باتهامهم بالفرار وعدم تجديد تصاريح العمل والإقامة، وهو ما تؤكد مديرة مركز تمكين للدعم والمساندة، ليندا الكلش أنه يحدث في كثير من المصانع التي تتأخر في دفع الأجور، حيث يهدَّد العمال المهاجرون بالتبليغ عن عدم تجديد تصاريح عملهم وأذونات إقامتهم، لثنيهم عن المطالبة بأجورهم، إضافة لحجز جوازات سفرهم والاعتداء عليهم لفظيًا أو جسديًا. 

«علينا غرامات إقامة بس ما معنا ندفع، وكل مرة بَحكي، إنت في تسفير»، يقول موسى الذي يشير إلى غياب النقابة عن متابعة هذه الظروف. «ما في نقابة، بس أنا بدي حقي، بدي فلوس».

يقول موسى إنه ظل شهورًا غير قادر على السفر لبلاده بسبب عدم توفر المال الكافي لتغطية غرامات التأخر عن دفع رسوم الإقامة، وتذكرة الطيران، وذلك لعدم دفع أجره، دون تحرك واضح للنقابة رغم المطالب المتواصلة وقتها حول هذا الشأن.

يقول سليمان، وهو كذلك عامل بنغالي في مدينة الحسن الصناعية، إنه توجه إلى النقابة عدة مرات بعد تهديده باتهامه بالفرار لعدم تجديد تصريح عمله وأذون الإقامة، إلا أنها لم تفعل أي شيء للضغط على الإدارة بحسبه، ما أبقاه داخل سكنه عدة أيام خوفًا من الخروج من باب المدينة الصناعية.

عاملات في أحد مصانع الألبسة في الأردن عام 2016. عن موقع BetterWork.org التابع لمنظمة العمل الدولية.

نقابة «غائبة» ونقيب يلوم عمّالًا

وفق مدير المرصد العمالي أحمد عوض، فقد سجل القطاع العديد من الاحتجاجات نتيجة الانتهاكات التي يتعرض لها العمال الأردنيون والمهاجرون في مختلف المصانع، «في ظل غياب النقابة عن متابعة مطالبهم والبحث والتحري عنها»، بحسبه.

ويتابع عوض أن النقابة، كغيرها من النقابات العمالية، ضعيفة الحرص على البحث عن هموم العاملين سواء أردنيين كانوا أم مهاجرين، مضيفًا أن غياب التتبع الممنهج عن الانتهاكات التي يتعرض لها منتسبو وعاملو القطاع يغيّب الوعي لدى العمال بحقوقهم، خاصة لدى من هم أجانب.

ويقول عوض إن النظام الداخلي الذي تعمل النقابة وفقه ينضوي تحت النظام الداخلي الموحد لنقابات عمال الأردن، الذي يؤكد أن مسؤولية النقابات العمالية تتمثل بالدفاع عن فئات العمال من إجحاف أصحاب العمل وأطماعهم وتأمين حياة وظروف أفضل لهم.

في هذا السياق، يقول العمراني إن النقابة ترصد كافة الإضرابات والمطالبات العمالية وتجلس للدفاع عن مطالب العمال لا التوسط لها، إلا أن بعضهم يتهربون من العمل بطرق عدة، بحجة سوء السكن والمأكل والتعرض للاعتداء الجسدي واللفظي، بحسبه.

ويرى العمراني أن الجلوس على طاولة الحوار مع الإدارات ضروري لعقد اتفاقيات تحقق مطالب العمال وتؤمن لهم أفضل الظروف، سواء للعمال المهاجرين والأردنيين، وسواء كانوا منتسبين في النقابة أم لا.

يقول العمراني إن النقابة تجلس للدفاع عن مطالب العمال لا التوسط لها، إلا أن بعضهم يتهربون من العمل بحجة سوء السكن والمأكل والتعرض للاعتداء الجسدي واللفظي.

يتفق رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، مازن المعايطة، مع حديث العمراني، معتبرًا أن «نقابة الغزل والنسيج ورئيسها من أفضل النقابات وأقربها لهموم العمال ومشاكلهم»، وأن العمال المهاجرين خاصةً يحاولون التهرب من العمل والفرار، دون تأدية ما نصّت عليه العقود.

بحسب الكلش، فإن غياب النقابة يدفع العمال المهاجرين للجوء إلى مراكز الدعم والمساندة للترافع عنهم أمام القضاء أو منحهم الاستشارات القانونية أو توجيه مخاطبات لجهات مسؤولة ومختصة بالانتهاكات التي يتعرضون لها. حيث تعامل مركز تمكين في السنوات الأربع الأخيرة مع 29 قضية قدمها العمال ضد المصانع، معظمها جماعية.

معظم القضايا أو الحالات التي تعرضت لها الكلش تعلقت بعدم دفع الأجور، وعدم تجديد تصاريح العمل أذون الإقامة، وحجز جوازات السفر، أو زيادة ساعات العمل عن المنصوص عليها بالقانون، وإساءة المعاملة من قبل المشرفين، والظروف المعيشية السيئة كالمسكن والطعام.

وتُبين أنّ معظم الانتهاكات ترتكب في المصانع الصغيرة، لكن المصانع الكبيرة مسؤولة عنها جزئيًا بسبب تكليفها للمصانع الأصغر بطلبيات كبرى، وضغطها على هذه المصانع لرفع الإنتاجية ضمن ساعات العمل ذاتها، مما يقود لضغط أكبر على عمال المصانع الصغيرة.

وتضيف الكلش أن الخدمات القانونية التي يقدمها مركز تمكين للدعم والمساندة منوطةٌ بالنقابة أيضًا، بحكم النظام الداخلي لها الذي يفرض الدفاع عن العمال وتأمين ظروف العمل المناسبة لهم.

وعن ردة فعل النقابة عند رفع القضايا في المحاكم، تقول الكلش إن عمل النقابة يتمثل بمحاولة المفاوضة الجماعية بين الإدارات والعمال، قبل إيصالها للمراكز. لكنها تقول إنه لم تسجَل أي محاولة تدخل لإيقاف قضية تم الترافع عنها قضائيًا، إضافة إلى عدم توجه العمال للتقاضي ضد النقابة نفسها عن تقصيرها بالدفاع عنهم.

تساؤلات حول فائدة الانتساب

يتساءل عمال أردنيون عن مصير الاشتراكات السنوية التي تُقتطع من رواتبهم وتدفع للنقابة. إذ يقول محمود، الخمسيني الذي يعمل في أحد خطوط إنتاج الملابس بمدينة الحسن الصناعية منذ 18 عامًا بعد تقاعده من السلك العسكري، إنه ألغى اشتراكه من النقابة نهاية عام 2018 عن طريق مندوب النقابة في مصنع «كلاسيك»، لعدم جدواه في تحقيق مطالب العمال أو تثقيفهم أو حتى تنظيم بعض النشاطات التي تسهم برفع سوية العمل.

ورغم إدراكه أن مبلغ الستة دنانير سنويًا الذي يمثله الاشتراك في النقابة ليس مجديًا على مستوى المعيشة، إلا أن محمود يرى أن بيته أولى به من نقابة تخلو من النشاطات والفعاليات التي تصب في مصالح العامل، وغالبًا ما تقف في صف إدارات المصانع لضمان دفع الاشتراكات عن طريقها.

يتفق مع هذا الرأي أبو لطيف، وهو أحد الإداريين بمدينة الحسن، معتبرًا أن النقابة لا تقدم للعامل والإداري أي مقابل، وأنه دفع الاشتراك ليس أكثر من جباية للنقابة التي لا تكلف نفسها عناء متابعة شكاوى العمال، خاصةً المهاجرين منهم، الذين يصفهم أبو لطيف بالمغتربين لأجل لقمة العيش، والذين ربما يعانون أكثر من الأردنيين.

أما موسى وسليمان، فلم يبديا أي اهتمام بالاشتراكات نفسها، بقدر تركيزهما على ضرورة استجابة النقابة لمطالبهم والوقوف في وجه الانتهاكات التي يتعرضون لها، خاصة من قبل أصحاب المصانع الصغيرة، فضلًا عن تهديداتهم بتبليغ وزارة العمل لعدم تجديد تصاريحهم.

يقول العمراني إن النقابة وقعت اتفاقية مع إدارات المصانع لتسهيل الاشتراك في النقابة من خلال اقتطاعها من رواتب العاملين في القطاع بشكل اختياري، على أن يدفع المشترك نصف دينار شهريًا مقابل دورات تدريبية وورشات وفعاليات تقدمها النقابة لمنتسبي القطاع.

ويتابع رئيس النقابة أن الاشتراكات تسدد فواتير الكهرباء والمياه لأربع مكاتب لها في الظليل وإربد وعمّان والجنوب، كما أنها تسدد أجرًا شهريًا لثلاثة مباني استأجرتها النقابة لمكاتبها. كما يذهب جزء من الاشتراكات لصالح الدورات التدريبية والبرامج التنموية للعمال في مختلف المدن، لرفع سويتهم وصقل معارفهم الحقوقية والعملية.

يوضح المعايطة أن رسم الاشتراك موحد لكافة النقابات العمالية بقيمة دينار واحد شهريًا بمجموع 12 دينارًا سنويًا، ليكون المنتسب للنقابة «عضوًا فعالًا» يشارك باجتماعات الهيئة العامة والورشات والفعاليات، في حين يكتفي باقي عمال القطاع بصيغة «العضو المؤازر» عن طريق دفع اشتراك شهري يبلغ نصف دينار بدل تقديم خدمات نقابية والدفاع عنهم وتمثيلهم أمام المصانع واللجان الحكومية. لكنه يؤكد أن العضو المؤازر لا يختلف عن الفعال في مفاوضات النقابة للدفاع عن حقوق العمال أو تمثيلهم أمام اللجان الحكومية في الكشوفات على المصانع ورفع الحد الأدنى للأجور مثلًا، مبينًا أن القانون يعطي العضو المؤازر كامل حقوق الأعضاء الفعالين في النقابة.

أغلبية على الورق 

يبلغ عدد دافعي اشتراكات النقابة من المنتسبين حوالي 30 ألفًا، يشكل المهاجرون 21,500 منهم، فيما البقية أردنيون، بحسب العمراني. ويعزو رئيس النقابة قلة نسبة المشتركين الأردنيين إلى أنهم في الغالب لا يستمرون بالعمل طويلًا لدى المصانع، وإنما يعملون بشكل مؤقت لشهور قليلة فقط، وهو ما يشكي منه أصحاب المصانع للنقابة.

يمثل العمال المهاجرون ما يقارب 80% من عمال قطاع الغزل والنسيج في الأردن، وفق أرقام النقابة، و72% من دافعي الاشتراكات. لكن بحسب العمراني، ليس لهؤلاء ممثل عنهم في مجلس النقابة، بسبب عدم قانونية الترشح والانتخاب لغير الأردنيين بحسبه.

إلا أن المعايطة يخالف العمراني بالقول إن مجلس النقابة يضم عضوًا باكستانيًا عن العمال المهاجرين، وفقًا لقانون دولته الذي يسمح للأردنيين بالترشح والانتخاب للنقابات العمالية، أي من باب المعاملة بالمثل، مبينًا أن ذلك يساعد في إيصال شكاوى المهاجرين بكافة جنسياتهم إلى مجلس النقابة والتعامل معها.

بعد ستة أشهر من حديثنا الأول معهم، كان موسى وسليمان وآخرون قد انتقلوا إلى بنغلادش والإمارات بحثًا عن فرصة عمل أفضل، بعد أن دفع لهم صاحب العمل جزءًا من مستحقاتهم لم يغطِّ سوى غرامات التأخر عن تجديد الإقامات وتذكرة الطيران باتجاه واحد.

ورغم علمه بأغلبية أبناء بلده في النقابة والقطاع، لم يطالب سليمان بوجود ممثل عنهم في مجلس النقابة، معتبرًا أن الممثل البنغالي لن يستطيع تنفيذ كافة مطالبات العمال، وأنه قد يطرح المشكلات الاعتيادية على المجلس دون إيجاد حل على أرض الواقع، لعدم قدرته على تقديم الحلول وحده وسط مجلس كامل لا يركز على حقوق العمال والبحث عنها.

أما موسى، فيوضح أن ممثل الجنسية البنغالية أو ممثل العمال الأجانب في مجلس النقابة لن يتجاوز عمله أكثر من فض النزاعات الداخلية التي قد تحصل بين العمال في المساكن وخطوط الإنتاج. ويضيف أنه لم تُقدم مطالبات للمجلس بهذا الصدد لعدم جدواها، مبينًا أن المشكلة ليست في التمثيل، وإنما في الهيكل الإداري للنقابة.

على صعيد العمال الأردنيين، يقول محمود إن انتخابات النقابة لا تجري في اجتماع هيئة عامة ولا في مكان واحد، حيث ينتخب العمال مندوبَيْن  فقط من كل مصنع، وأن هؤلاء هم ينتخبون مجلس النقابة، دون إجراء أي دعاية أو بيانات انتخابية. ولم يتغير رئيس النقابة منذ أكثر من 20 عامًا، علمًا بأن مدة الدورة الانتخابية خمس سنوات، بحسب العمراني.


هذا التقرير جزء من مشروع «عيون» للصحافة المحلية الذي تنفذه حبر وشبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج).

* اسم مستعار بناء على رغبة صاحبته.