هل أثقلت أزمة كورونا كاهل الجدّات؟

الثلاثاء 26 أيار 2020
تصوير حسام دعنة. صورة أرشيفية.

«ما بحس حالي جندي مجهول، الناس بشوفوني بسماح»، تُحدثنا حليمة طنايب (68 سنة) وهي أرملة وأم لثمانية، عن اعتنائها بأطفال ابنتها المُمرّضة سماح، فيما تعلو وجهها ابتسامة فخر.

سماح (34 سنة) أم لأربعة أطفال؛ ابنتان وابنان، تعمل في مجال التمريض، ومنذ بدء جائحة كورونا، تتعامل سماح بشكل مباشر مع المصابين بالفيروس في مستشفى الأمير حمزة، أحد المستشفيات الخمسة المعتمدة لعزل مرضى كورونا في الأردن. خلال الجائحة كانت سماح واحدة ممن تابعن عملهنّ، بشكل اختياريّ، مع فرق العزل في المستشفى، حتى أنها تغيّبت عن منزلها، للقيام بواجبها المهني، 28 يومًا.

في بياناتها المتكرّرة، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن فيروس كورونا المستجد أكثر خطورة على كبار السن من غيرهم من الفئات. هذه الخطورة أثارت قلق الجدّة حليمة، لأن احتمالية انتقال العدوى ستزداد بديهيًا مع اختلاطها بسماح وأطفالها بشكل مكثّف أكثر. تقول حليمة إنها لبّت طلب ابنتها بالاعتناء بأولادها بكل صدر رحب، على الرغم من خوفها في البداية. «بالأول خفت لأنه بسمع كورونا بنتقل بسرعة، بس سماح حكتلي يمّة هاد اختياري وأنا حابة هيك. قلت الأعمار بيد الله وأنا ما بخاف». كما أضافت حليمة أن ابنتها ما زالت صغيرة بالسن ولديها أطفال ومع ذلك لم تخف، فلِمَ يجدر بها الخوف.

رغم أنها تعاني من الضغط والسكري، إلّا أن حليمة ترى نفسها تتمتع بصحة جيدة، وقد اعتادت منذ وفاة زوجها قبل سنوات على الاعتناء بأحفادها أثناء دراسة سماح في مرحلة البكالوريوس، وحتى طوال فترة عملها بعد انفصالها عن زوجها. «بحسّهم أغلى من ولادي. وسماح بتسوى عندي كل أخوتها لأنها بتدير بالها عليّ وما رمتني وحافظة معروفي».

قبل الجائحة، كانت الأم والجدّة تفضّلان عدم وضع الأولاد في الحضانة، لشعورهما بأن أغلب الحضانات «تعاني من مشاكل» و«غير آمنة» على حد تعبيرهما. وفق تقرير أحوال الأسرة الأردنية 2018 الصادر عن المجلس الوطني لشؤون الأسرة، ظهر أن 75% من الأسر التي تكون فيها الأم غير متفرغة لا تفضل إرسال أولادها إلى حضانات، وبينت النتائج أن أكثر البدائل شيوعًا عن دور الحضانة هو وجود أحد الأقرباء لرعاية الطفل بنسبة 56%، تليها الحضانة المنزلية بنسبة 20%.

إضافة إلى ذلك، تقول حليمة إن الحضانة خيار مُكلف، خاصة بوجود أكثر من طفل في الأسرة الواحدة. بحسب نتائج المسح الوطني لمؤسسة الملكة رانيا لتنمية الطفولة الوطني المبكرة 2015، يتراوح معدل تكلفة الطفل الواحد شهريًا في دور الحضانة بين 24 و69 دينارًا.

الجدة حليمة تستيقط في الصباح الباكر لتقوم بإعداد طعام الإفطار لأحفادها، ثم تبدأ بالتنظيف والأعمال المنزلية الروتينية، «بتيجي سماح بتلاقي الغسيل مغسول والطبخة مطبوخة» توضح حليمة. كما تقول إن نظام عمل سماح يحتّم عليها الغياب لساعات طويلة عن المنزل في الوضع الطبيعي، إلا أن انتشار فيروس كورونا المستجد ضاعف ساعات العمل وأصبح غياب سماح عن المنزل بالأيام أمرًا لا بدّ منه وتضيف «يعني أنا تعودت على غيابها بالشغل من زمان، بس مع كورونا الوضع غير، ظلت 14 يوم كاملين بالشغل، وبعدين ظلت كمان 14 يوم حجر بالفندق، لهيك أخدت ولادها عندي بالبيت».

تقلّص البدائل

أمّا العائلات التي كانت، قبل أزمة كورونا، ترسل أطفالها إلى الحضانات فوجدت نفسها كذلك في مواجهة تحدٍ مغاير، وذلك بسبب محدودية الخيارات. فقد علّقت الحكومة منذ بداية أزمة كورونا دوام الحضانات والمدارس والجامعات، ما اضطر العديد من الأسر التي واصل فيها الوالدان العمل خارج المنزل خلال أيام الحظر إلى الاستعانة بالجدّة للعناية بالأطفال، الأمر الذي بدّل روتين الأسرة عن الوضع الطبيعي وفاقم الحِمل على الجدّات.

سناء نازم (34 سنة) من سكان محافظة إربد، تعمل قابلة في مركز صحي بالبادية الشمالية وهي أم لثلاثة، طفلة رضيعة ترسلها إلى الحضانة وطفلان (7 و9 أعوام) يرتادان المدرسة. تغيب سناء عن المنزل في الصباح بحكم عملها، وكذلك زوجها الذي يعمل عسكريًا، إلا أن هذا يتوافق مع مواعيد الأطفال. «بالعادة بتتزامن رجعتي من الشغل أنا وأبوهم مع ترويحة ولادي من المدرسة وبنتي الصغيرة من الحضانة، فما كان في داعي أخلّيهم عند جدّتهم»، تقول سناء.

والدة سناء، صباح هياجنة (59 سنة) تقول إن نظام حياتها تغيّر كليًا وبات مرهقًا للغاية في ظل أزمة كورونا. «بالأيام العادية بجيبوا بناتي ولادهم عندي، في المناسبات يعني، بس هلأ مع الحظر سناء بتجيب ولادها التلات كل يوم عندي، بحبهم كتير بس بطّل الواحد صغير ويتحمّل». 

صباح أم لثماني بنات وجدّة لثمانية عشر حفيدًا، «عادةً بتلاقي عندي بالبيت سبعة منهم. اللي بتروح عرس، أو مناسبة، أو عندها شغلة، بتحط ولادها عندي» تقول صباح، «بس ما كانت الشغلة دائمة، هلأ مع كورونا صرت كل يوم أمسك الأولاد». كما تعبّر صباح عن قلقها من تفشي فيروس كورونا المستجد وازدياد وتيرة اختلاطها بالصغار «بخاف على حالي من الكورونا، مش بس علي، ع الصغار كمان، شو بدي أعمل».

حاولت سناء التخفيف عن والدتها عن طريق أخذ إجازة، إلّا أن ذلك لم يجدِ نفعًا لأن رصيد إجازاتها لم يسمح لها بذلك. «صراحة مع الوضع الصعب كان بيني وبين زوجي خيار إنه آخد إجازة بلا راتب وأقعد عند الأولاد، بس ما زبطت، وهي الحمد لله تيسرت الأمور»، تقول سناء.

مزايا الأزمة

من ناحية أخرى، يبدو أن بعض الجدّات سعيدات بالإيجابيات المصاحبة لأزمة كورونا. «لا تفهموني غلط» تقول نجاح البدوي، 65 سنة، ضاحكةً، «من يوم ما بلشت كورونا وبنتي بتشتغل من البيت وهي بتمسك ولادها، عشان هيك أنا مبسوطة».

تعتني نجاح بطفلتيْ ابنتها التي تعمل في إحدى وكالات الأنباء وتضطر لتركهما عندها، وتقول إنها مهمّة جميلة ولكن مرهقة في الوقت ذاته. «أمها وأبوها ما بقصّروا، حرام، وأنا بحب البنات كتير، بس أكذب عليكو؟ الواحد بس يكبر ببطّل يتحمل»، تقول نجاح. ووضّحت أن بعد أن كَبُر أولادها وغادروا المنزل وأصبحوا مستقلّين، صار لها روتينها اليومي الخاص، ولكنه انقلب رأسًا على عقب بعد أن تسلّمت مهمّة العناية بحفيدتيها الصغيرتين.

سابقًا، كانت نجاح تستيقظ صباحًا متى شاءت، ولكن بعد ذلك «انحرمت نومة الصبح» في الأيام التي اعتادت فيها استقبال حفيدتيها. كما أنها تحب الزيارات الصباحية في بعض الأيام على حد قولها. «كنت أشرب قهوة مع سلفاتي أو أروح أفطر مع صحباتي، هيك كانت حياتي، بس بعدين كل شي تغيّر، ربّطوني».

بدأت الجدّة بالعناية بحفيدتيها منذ ثمانية سنوات تقريبًا. الحفيدة الكبرى تذهب إلى المدرسة صباحًا وتعود بعد الظهر، وقد عملت والدتها (ابنة نجاح) مؤخرًا على تسجيلها بفترة الانتظار مقابل دفع مبلغ إضافي بسيط للمدرسة، حتى تتمكن من اصطحابها فور عودتها من العمل من أجل تخفيف العبء عن الجدة.

لكن نجاح تعتني في الوقت ذاته بالحفيدة الأخرى، التي تعد صغيرة على المدرسة وكذلك كبيرة على الحضانة، لذا فكّرت والدتها بوضعها في الروضة، ولكن جدّتها أصرت على إبقائها لديها بعد أن علمت أن تكلفة الروضة هي 950 دينارًا في السنة الواحدة. «قلتلها ماما حرام تدفعي هيك مبلغ، خلص خليها عندي (..) وهينا سنة بتمر ورا سنة على هالحال».

تعللّ نجاح رغبتها بالعناية بحفيدتيها بحبها الشديد لهما وأيضًا بتعثر الظروف المادية لابنتها وزوجها، كما لا خيار آخر أمام ابنتها لأن حماتها متوفّاة، على عكس ابنها مثلًا. «ابني كان بحكي معي مزح وعرض علي يحط ولاده عندي لو مرته اشتغلت، قلتله ما بقدر. أنا استهلكت ماما خلص»، تقول نجاح.

تعب مرغوب

«كتير أخواتي بلوموني وبقولولي ناقصك تعب؟ ما صدّقنا كبروا»، تنقل لنا خديجة القرالة (56 سنة) حوارها مع أخواتها عندما علمن بأنها ستبدأ استقبال أطفال ابنتها العاملة إشراق القرالة (33 سنة). «هو تعب مرغوب، الواحد بيجي ع حاله، فش حدا قريب ع بنتي وأكيد لازم أساعدها»، تقول خديجة. 

كانت تعتني خديجة بطفليْ ابنتها إشراق التي تعمل مراسلة لإحدى القنوات، ورغم أن جزءًا كبيرًا من يوم الطفلين ينقضي في الروضة والمدرسة، إلّا أنها تحتاج عون أمها لأن عملها يتطلب أحيانًا البقاء لساعات طويلة في المكتب أو الميدان. 

تستدل خديجة بمَثل «ما أغلى من الولد إلا ولد الولد» وتقول ضاحكةً أن حفيديها ذكيان ودائمًا ما يستغلّان غياب أمهما لطلب تناول الشوكولاتة والحلويات و«بتدلعوا عليّ وعلى جدهم». 

تخبرنا خديجة إنها كانت قبل الأزمة تضبط جدول يومها وفقًا لهما، فعندما يحين موعد الرجوع من المدرسة، تنتظر الأولاد في مكان وقوف الباص، في الموعد ذاته كل يوم. وعندما يحين موعد (درس الدين) التي ترتاده أسبوعيًا في المسجد، تصطحبهما معها إلى المسجد، خاصة الحفيد الأصغر الذي يعود من الروضة في وقت مبكر من اليوم. «بطلب منه ما يعمل صوت وبعطيه تلفوني يلتهي فيه» تقول الجدّة خديجة، «الواعظة بتحبه وبتحبّبه بالجامع لهيك عوّدت حالي آخده معي».

«أمي دعمتني وهي سبب من أسباب نجاحي لأنها خلتني أشعر إنه أولادي بأمان».

ليس لدى إشراق بديل آخر، فلا أحد من أقاربها يسكن بجوار منزلها وتستطيع الاعتماد عليه في الاعتناء بالأطفال سوى والدتها، والجدّة خديجة متفهمة لذلك. «حكينا خلصنا تربية، بس كأنّا رجعنا نربي من أول وجديد. إشراق حرام ما بدها تتعبني، بس ما في حدا قريب عليها تحطهم عنده»، تقول خديجة.

لكن منذ بدء أزمة كورونا، بدأ زوج إشراق العمل من المنزل بينما استمرت هي بعملها خارج المنزل بحكم طبيعة عملها الصحفي، وبدأ الأطفال بقضاء الوقت مع والدهم الذي يقوم بدوره بإطعامهم والعناية بهم حتى عودتها المنزل. لهذا عادت حياة الجدّة خديجة خلال أزمة كورونا لطبيعتها الأولى؛ من استيقاظ متأخر في الصباح، هدوء أكثر، قيلولة أطول في الظهيرة وحرية أكبر في الحركة. تشعر إشراق بالامتنان لوالدتها وتقول: «أمي دعمتني وهي سبب من أسباب نجاحي لأنها خلتني أشعر إنه أولادي بأمان».