«كورونا» في غزة وشبح الكارثة

الأربعاء 09 أيلول 2020
كورونا في غزة
محلات تجارية مغلقة في مدينة غزة، ضمن إجراءات مواجهة فيروس كورونا في أيلول 2020. تصوير محمد عابد. أ ف ب

في غزّة، وبعد أن اقتصرت حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد لشهورٍ على القادمين من الخارج عبر معبر رفح وحاجز بيت حانون، دخلت الحالة الوبائية طورًا خطيرًا ليلة 24 آب الماضي، مع إعلان وزارة الصحة تسجيل حالات إصابة بفيروس كورونا داخل قطاع غزة من غير المحجورين في مراكز الحجر الصحي، تعود لأربعة أفراد من عائلة واحدة. وخلال الأيّام التالية بدأ عدد الحالات بالارتفاع المضطّرد، ليصل عدد الحالات، حتى اليوم، 9 أيلول، 1356 حالة، فيما بلغ عدد الوفيات تسعًا.

المنظومة الصحية وإرث الحصار 

منذ منتصف آذار الماضي، نفذت وزارتا الصحة والداخلية في غزة حجرًا إلزاميًا لكل العائدين من الخارج في 14 مركزًا موزعًا على جميع مناطق القطاع، بينها مدارس وفنادق وعيادات ومستشفيات بالإضافة لمراكز للحجر بُنيت خصيصًا استجابة للجائحة، وهي التي اشتكى كثير من المحجورين فيها من سوء أوضاعها الخدماتية. وبحسب أحدث بيانات وزارة الصحة، بلغ إجمالي الحالات المصابة من المحجورين خلال الشهور الماضية 114 حالة مؤكدة، منها 37 حالة نشطة ما زالت تحت العناية السريرية في مستشفى العزل، فيما توفيت حالة واحدة، وتعافت 76 حالة أخرى. 

ورغم تأكيد وزارتي الصحة والداخلية المستمر على حزمهما في تنفيذ الحجر الإلزامي، وبناء خططهما على منع دخول الوباء إلى غزة بشكلٍ أساسي، وتأخيره، في أسوأ السيناريوهات المتخيّلة، إلى أبعد وقتٍ ممكن من أجل العمل على تعزيز الجهوزية، وتدريب الطواقم الطبية وغيرها، إلا أن سيناريو تفشي الوباء في غزة صار اليوم واقعًا، ويُنذر بكارثة حقيقية لمكانٍ تقول تقارير المنظمات الدولية كل عام أنه غير صالح للعيش.

وزارة الصحة أعلنت عن مجموعة من الإجراءات الطارئة خلال الأيام الماضية، منها متابعة دوائر المخالطين وانتشار العدوى، وتخصيص مستشفى غزة الأوروبي لمعالجة حالات كوفيد-19، ونقل الحالات الموجودة في مستشفى الصداقة التركي إليه كذلك، وبعد ظهور عدد من الإصابات لأطباء، تقرر إجراء فحوصات لكل الطواقم الطبية إضافةً لكل المرضى المُقيمين في المستشفيات. يأتي اختيار مستشفى غزة الأوروبي لسِعته، باعتباره ثاني أكبر مستشفيات القطاع بعد مستشفى الشفاء، وموقعه الجغرافي البعيد عن المناطق السكنية، ومجاورته لمدرسة كبيرة تم تخصيصها لحجر المخالطين للمصابين. 

ولا تزال نسبة من احتاجوا حتى الآن لعلاج سريري في مستشفى غزة الأوروبي حوالي 20% من إجمالي نسبة من ثبت إصابتهم بالفيروس، فيما بلغ عدد من احتاجوا لأجهزة تنفس اصطناعي أربعة مرضى، وهي أعداد إلى جانب أعداد المصابين ما زالت في إطار المتوقع وإمكانيات الطواقم الطبية، حسبما قاله أشرف القدرة، الناطق باسم وزارة الصحة في غزة لحبر، الذي أشار إلى أن الوزارة ما زالت تعمل على احتواء الفيروس وحصره وكسر حلقات التفشي. 

وعن ارتفاع نسبة الوفيات للإصابات، فإن القدرة أرجع ذلك لكون الإصابات التي أعلن عن وفاتها عانت في مجملها من أمراض متقدمة، وتحديدًا مرض السرطان.

ورغم قدرة القطاع الصحي على التعامل مع الحالة الوبائية حتى الآن لقلة من يحتاج من المصابين للعناية المركّزة، إلّا أن شبح الكارثة الصحية يبدو قريبًا إذا واصل منحنى الإصابات ارتفاعه المضطّرد. فمن ناحية، يضم قطاع غزة خمسة مستشفيات رئيسية، تحوي حوالي 96 جهاز تنفس صناعي، و110 أسرة في وحدات العناية المركزة، بمعدل 5.5 سرير لكل 100 ألف شخص، فيما تتراوح نسبة عدد الأسرة للعناية المركزة في دول مختلفة أخرى، من 138 إلى 779 سريرًا لكل 100 ألف شخص. كما تصل نسبة إشغال أسرّة وحدات العناية المركزة في مستشفيات غزة للاحتياج اليومي حوالي 72%. 

من ناحية أخرى هناك عجز عن إجراء عدد كبير من الفحوصات المخبرية كالمسحات العشوائية لأعداد كبيرة، أو الفحوصات لمن تشتبه بإصابتهم بالفيروس، نظرًا لشح معدات الفحص، عدا عن أن خدمة المختبرات الصحية تُعاني أصلًا ضعفًا كبيرًا نتيجة عدم توفر الأصناف اللازمة لمخازن المختبرات وبنوك الدم.

إلى جانب هذا هناك عجزٌ آخر مرتبط بالقدرة السريرية لمستشفيات غزة. يُظهر تقرير وزارة الصحة السنوي للعام 2019 أن هناك 3049 سريرًا في 34 مستشفى عام وخاص في قطاع غزة، منها 2343 سريرًا في 13 مستشفى تابعًا لوزارة الصحة، من ضمنها المستشفيات التخصصية، وتصل نسبة إشغال هذه الأسرّة إلى الاحتياج اليومي حوالي 95%. 

تعطي هذه الأرقام صورة عمّا قد تصل إليه الأمور إذا اضطرت وزارة الصحة إلى إدخال عدد كبير من المُصابين بفيروس كورونا إلى المستشفيات لتلقي الرعاية خلال الفترة القادمة.   

يقول أحد الأطباء* العاملين في مستشفى أبو يوسف النجار لحبر، إن زيادة أعداد الإصابات ستضطر وزارة الصحة إلى تحويل مستشفى آخر للتعامل مع الحالات المصابة إلى جانب مستشفى غزة الأوروبي، الذي يتوفر فيه 300 سرير فقط، وهو ما قد يخلق إشكالية على صعيد الخدمات الطبية اليومية، وسيزيد الضغط على المستشفيات الأخرى التي تعمل أصلًا في حالة طوارئ، مثلما حصل عندما حُوّل مرضى مستشفى غزة الأوروبي إلى كل من مستشفى ناصر في خانيونس ومستشفى أبو يوسف النجار في رفح.

تركت سنوات الحصار الطويلة على غزة بالإضافة إلى الحروب المتعاقبة والاعتداءات المتكرّرة على مسيرات العودة أثرًا بالغًا على منظومتها الصحية

كما أشار الطبيب، إلى وجود تخوف حقيقي من زيادة أعداد الإصابات بين صفوف الطواقم الطبية وطواقم العاملين في المستشفيات، وتحديدًا طواقم الاستقبال من أخصائيي الباطنية، الذين تعاني مستشفيات القطاع أصلًا من نقصٍ كبير في أعدادهم. 

يوسف أبو الريش وكيل وزارة الصحة، كان قد قال في مؤتمر الأسبوع الماضي إن سيناريو السيطرة الحالي قائم على ألا يزيد عدد الإصابات في اللحظة الواحدة -العدد التراكمي الأعلى- عن 2000 إصابة، وألا يزيد عدد الإصابات اليومية عن 280 إصابة، وفي حال زادت الأعداد عن ذلك لن يكون القطاع الصحي قادرًا على التعامل مع الوضع بالشكل المطلوب.

تركت سنوات الحصار الطويلة على غزة بالإضافة إلى الحروب الإسرائيلية المتعاقبة والاعتداءات المتكرّرة على مسيرات العودة أثرًا بالغًا على منظومتها الصحية، فالاحتلال يستخدم المنظومة الصحية في غزة كأحد وسائل الإرضاخ، وكأداة عقاب جماعي، ويمارس منذ سنوات ضغطًا متواصلًا عليها عبر منعه المستمر إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية والأجهزة المختلفة، وذلك من أجل إبقاء المنظومة الصحية بشكلٍ مستمر على حافة الانهيار، تعمل على الدوام بالحد الأدنى. تُعاني اليوم وزارة الصحة -على سبيل المثال- من نقصٍ حاد في المستلزمات الطبية (45% من الأدوية، 31% من المستهلكات الطبية، 65% من لوازم المختبرات وبنوك الدم)، كما يضيق الاحتلال على الغزيين المحتاجين للسفر إلى الخارج لتلقي العلاج. 

هذا عدا عن استمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي منذ سنوات وتفاقمها خلال الفترة الماضية بسبب الوضع السياسي، ففي حال توسّع انتشار الوباء واستمرار أزمة الكهرباء وعدم توفر السولار الكافي لتشغيل 91 مولدًا تغذي منشآت وزارة الصحة بالكهرباء، فإن الوزارة ستضطر لإيقاف تقديم العديد من الخدمات الصحية اليومية لصالح الجمهور، كما ستتأثر دقة نتائج فحوصات المختبرات وتتأخر، إضافة إلى إعادة فحص العينات مرةً أخرى، ما يعني إهدار كميات كبيرة من مواد الفحص والمستهلكات باهظة التكاليف. رغم ذلك، ظلت مسؤولية الاحتلال غائبة عن الصورة بشكل شبه تام في الخطاب الرسمي خلال الشهور الماضية، الخطاب الذي اهتم بطمأنة الناس على الوضع، بشكل أهمل معه ضرورة تحميل الاحتلال مسؤولياته تجاه تفاقم هذا الوضع.

الإغلاق والحظر: إلى متى؟ 

بعد أن حملت بدايات وأواسط شهر آب للغزيين ظروفًا حياتية قاسية، بعد إغلاق الاحتلال للمعابر وتقليص عدد ساعات قطع الكهرباء والماء، والقصف الذي استمر أسبوعين متواصلين، فإن نهايته حملت لهم أخبارًا تخوّفوا منها منذ آذار الماضي. ويضاف إلى سؤال الوضع الصحي، أسئلة حول تأثيرات الإغلاق والحظر ومداه الزمني على لقمة عيشهم ومصدرها وقدرتهم على التزام بيوتهم في ظل انقطاع الكهرباء المستمر ودرجات الحرارة العالية.

واستكمالًا مع الإجراءات التي تُساعد على حصر الوباء وتحديد أماكن الإصابة المحتملة والتعامل مع الحالات المخالطة قدر الإمكان، أعلنت وزارة الداخلية، منذ ليلة 24 آب عن فرض حظر تجول تام في القطاع ومنع الحركة بين المحافظات وداخلها، وتعطيل كافة القطاعات العامة والخاصة والمؤسسات التعليمية، وإغلاق المساجد والصالات والأسواق ومنع التجمعات بشكلٍ كامل. 

كما أغلقت الداخلية بعض المربعات السكنية والمنازل على ساكنيها، وهو ما حصل مثلًا في منطقة المغازي بمحافظة دير البلح، ومنطقة عباد الرحمن في بلدة جباليا. وقامت الصحة بتصنيف القطاع إلى مناطق حمراء وصفراء وخضراء تبعًا للحالة الوبائية، حيث أُغلقت بناء على ذلك أحياء الصبرة والشيخ رضوان ومخيم الشاطئ في مدينة غزة، وفُصل بشكل كامل بين محافظتي غزة وشمالها بالحواجز الاسمنتية والرملية. 

تشهد بلدة جباليا ومخيمها في شمال غزة أعلى عدد من الإصابات في القطاع، فيما صنفت محافظات دير البلح وخانيونس ورفح كمناطق صفراء، سُمح مؤخرًا بالحركة داخلها من الساعة السابعة صباحًا وحتى الثامنة مساءً، ما عدا بعض الأحياء داخلها التي شهدت ظهور بؤر وبائية.

من ناحية أخرى، بدأت بعض متاجر المؤن في الحارات الداخلية بفتح أبوابها بشكلٍ موارب، فيما اعتمدت المطاعم ومحلات الخضار والفواكه على نظام التوصيل إلى البيوت، لكنّه من الناحية المادية ليس خيارًا متاحًا للجميع. 

رئيس نقابات العمال في قطاع غزة، سامي العمصي، أفاد لحبر بتسجيل تضرر حوالي 160 ألف عامل بشكلٍ مباشر وغير مباشر، بعد فرض الإغلاق الأخير، بخسائر تقدر بنحو 27- 29 مليون دولار.

استمرار الإغلاق يعني تعطل حياة فئات واسعة من الناس، على رأسهم العمال، الفئة الأكثر تضررًا من الإغلاق، بالإضافة إلى سائقي التكاسي وأصحاب البسطات والباعة في الأسواق الشعبية، وعمال قطاع الإنشاءات، والعمال في المحال التجارية والعاملين في قطاع الخدمات. شريحة قليلة فقط من العمال ما زالت تمارس عملها بشكلٍ جزئي، مثل بعض المزارعين والعمال في مشاغل الخياطة، بسبب الحاجة إلى عملهم على الألبسة الوقائية. فيما سُمح الخميس الماضي للصيادين بالعودة إلى العمل بشكلٍ جزئي.

رئيس نقابات العمال في قطاع غزة، سامي العمصي، أفاد لحبر بتسجيل تضرر حوالي 160 ألف عامل بشكلٍ مباشر وغير مباشر، بعد فرض الإغلاق الأخير، بخسائر تقدر بنحو 27- 29 مليون دولار. وبحسب العمصي، فإن 90% من هؤلاء العمال يعملون تحت بند نظام المياومة، دون وجود عقود عمل أو ارتباطات قانونية تضمن لهم تعويضاتٍ مالية. 

«رزقتنا يوم بيوم، شو بنبيع وشو بنشتغل بناخد أجار، اليوم وقف الحال، ومش قادر تحكي لصاحب البسطة شي، لإنه كمان هو رزقته وقفت، وهينا بنطلع كل يوم بالسرقة لنفتش ع شغل هان ولا هان، بس كل شيء واقف»، يقول الأربعيني محمد الجرو، الأب لخمسة أطفال، والذي يعمل مع أحد أصحاب البسطات في الأسواق الشعبية الأسبوعية، التي صدر قرار بإغلاقها منذ ليلة 24 آب، إثر إعلان حالة الطوارئ وقرارات حظر التجول ومنع الحركة.

يضطر الجرو، مثل غيره من العمال إلى انتظار مساعدات ومنح وزارة العمل والتنمية، واللجوء للاستدانة من الأقارب والجيران لتلبية الحد الأدنى من طعام اليوم، في انتظار العودة إلى العمل مرةً أخرى.

الأسواق الشعبية الأسبوعية، التي يجوب أصحاب بسطاتها وعمالهم مناطق القطاع، كانت مشمولة كذلك بقرارات الإغلاق التي صدرت مع إعلان حالة الطوارئ الأولى في نهاية آذار الماضي، عقْب تسجيل أول إصابتين بفيروس كورونا في غزة لشخصين عائديْن من الخارج، والذي تبعه تعطيل للمدارس والجامعات والمؤسسات والمرافق العامة وإغلاق للمطاعم والمقاهي والأسواق الأسبوعية، وهو ما تضرر على إثره حوالي 40 ألف عامل مُياومة حينها، قدرت خسائرهم بنحو 50 مليون دولار، حسبما أفاد العمصي لحبر. 

وعمّا إذا كان هُناك تحرك حكومي لدعم العمال، فإن العمصي قال إن النقابة تقدمت بمقترح لوزارة العمل، يتمثل بإنشاء صندوق لإغاثة العمال، وتخصيص جزء ثابت من المعونات الخيرية والمنح لهم بشكلٍ أساسي. ولكن يتوقف الأمر حتى الآن على قيام وزارة العمل بخطوات ملموسة بخصوص المُقترح. وفي حال استمرت الحالة كما هو متوقع، فقد يصل عدد العاطلين عن العمل بلا أي دخل يومي إلى 300 ألف عامل، بحسب ما قاله العمصي. 

سقوط النموذج

ظلت غزة لشهور طويلة قادرة على النجاة من خوض تحدي مواجهة وباء كورونا، وكانت التقديرات الأكثر تفاؤلًا تؤكد على أن وضع الحالة الوبائية في غزة سيكون كارثيًا، وذلك للأسباب التي شُرح معظمها أعلاه، ولذا، فإن خيار غزة الأوحد حتى لحظة ما قبل ليلة 24 آب هو منع انتشار الوباء وتفشيه داخل المجتمع، وقد استغلت في سبيل ذلك حقيقة كون القطاع تحت الحصار، ومحاط بعدد محدود جدًا من المعابر سواء للأفراد أو البضائع. 

وعلى الرغم من أن حكومة غزة قد استلزمها وقت طويل نسبيًا لرفع درجة استجابتها لتحدي الجائحة، فتأخرت بدايةً في إغلاق المعابر، وكذا في تنفيذ الحجر الإلزامي للعائدين من الخارج بعد الاكتفاء أول الأمر بإمضاء العائدين على تعهدات بقضاء فترة الحجر في منازلهم، كما ظلت فحوصات العائدين لوقت متأخر تتم عبر أخذ عينات عشوائية والاكتفاء بنتائجها. إلا أن حكومة غزة تمكنت من المحافظة طيلة شهور على الحد الأدنى من الجهوزية لمنع تفشي الوباء، وبعد فترة من الارتباك، انتظمت عملية الحجر الصحي، وتم توفير المساحة الكافية من غرف العزل بما يتناسب مع عدد القادمين من الخارج، خاصةً أن خطر الوباء قد تزامن مع نهاية موسم العمرة، والذي تبع انتهاؤه إغلاقًا كاملًا لمعبر رفح في كلا الاتجاهين.

علاوةً على ما سبق، فإن عمل الحكومة لم يرتقِ بما يكفي لمواجهة الحالة الخطرة التي سيواجهها القطاع في حال نفذ الفيروس بطريقة أو بأخرى إلى أحياء غزة، وهو ما أكد عليه مكتب منظمة الصحة العالمية في غزة عدة مرات سابقًا، فيما كانت طواقم الحكومة والمتحدثون الرسميون باسمها يؤكدون على «جهوزيتهم التامة» وإحكامهم المستمر لحالة الإغلاق. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحكومة وإجراءاتها المفترضة قد عانت من حالةٍ من التراخي ظلت تتزايد باضطراد مع كل يوم، مع تزايد الثقة بأن الأمور قد أصبحت تحت السيطرة، فأعادت فتح الأسواق الأسبوعية والمساجد وصالات الأفراح، وبدأت المدارس في استقبال الطلاب، كما سمحت لطلاب الثانوية العامة بتقديم امتحاناتهم بشكلٍ طبيعي.

وعلى النقيض مما عكسته حالة الثقة هذه، فإن التراخي الذي ترك ثغراتٍ واضحة في جدار العزل والحماية الذي رفعته الحكومة حول القطاع، وهو ما سمته «أخطاءً بشرية»، كان السبب الرئيسي في حالة تفشي الفيروس الحالية. وبحسب تصريحاتٍ للناطق باسم وزارة الصحة أشرف القدرة، لم يلفت تفشي الوباء في غزة أي انتباه من أي نوع إلا بعد اتصالٍ من مستشفى المقاصد في القدس يُبلغ عن إصابة بفيروس كورونا لمريضة من غزة سافرت للقدس لتلقي العلاج وعادت إلى القطاع مرة أخرى، ولم تخضع لإجراءات الحجر كما يجب، وكانت الإصابات الأربع الأولى المكتشفة في غزة هي لأربعة أفراد من عائلتها. ولكن على الرغم من ذلك، فإن تحقيقات الحكومة وجهودها في تتبع دوائر المخالطة وانتشار العدوى، قد بينت أن الوباء بدأ في الانتشار بداية شهر آب، أي قبل اكتشافه مصادفةً بحوالي 24 يومٍ على الأقل، بحسب تصريح لسلامة معروف رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة. 

مدة أسبوعين أو شهر على أقصى تقدير، هي كفاية المستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة فيروس كورونا في غزة، وهو ما يعني عجزًا في خدمة الرعاية الأولية الضرورية في مواجهة الوباء، تصل إلى حوالي 60%.

لم تكن هذه الفترة هينة، فقد تسببت في انتشار الفيروس في جميع مناطق قطاع غزة تقريبًا، لكن الخطير في الأمر أن هذا التفشي قد أصاب المستشفيات الرئيسية في غزة قبل غيرها، لتتحول هذه المستشفيات التي تستقبل عشرات الآلاف من المرضى وذويهم إلى بؤر لنشر المرض، خاصةً أن أحد مصادر انتقال الفيروس إلى داخل القطاع كان عبر مرضى سافروا إلى الضفة والقدس لتلقي العلاج وعادوا إلى غزة عبر حاجز بيت حانون دون الخضوع لإجراءات الفحص والحجر الصحي. 

القدرة، الذي أكد لحبر أنه جرى احتواء عددٍ من بؤر تفشي الوباء في غزة خلال الأيام الماضية، حذّر في الوقت نفسه مما قد تؤول إليه الأمور، «لا تزال الصحة تحاول الوصول إلى عمق الخارطة الوبائية واحتوائها، الإصابات في ازدياد ورقعة المخالطين في اتساع، خصوصًا مع الكثافة السكانية المرتفعة في القطاع». إلى جانب ذلك، فإن مدة أسبوعين أو شهر على أقصى تقدير، هي كفاية المستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة فيروس كورونا في غزة، وهو ما يعني عجزًا في خدمة الرعاية الأولية الضرورية في مواجهة الوباء، تصل إلى حوالي 60%، وفق ما قاله منير البرش، مدير عام الصيدلة بوزارة الصحة لحبر، الذي أشار كذلك لاستمرار العجز في أصناف الدواء اللازمة لأصحاب الأمراض المزمنة، مثل غسيل الكلى والسرطان ونزيف الدم الوراثي. 

وكمّا تُعوّل الصحة على المسؤولية الشخصية للمجتمع والالتزام بالحظر والإجراءات الوقائية كركيزة أساسية للسيطرة على الوباء، فإنها بحسب القدرة، تنتظر كذلك تعاونًا ودعمًا فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا لتلبية احتياجات غزة في مواجهة الوباء.

في ظل ما تعيشه غزة اليوم وما قد تكون مقبلة عليه، تجدر الإشارة إلى أنّ كلّ ما قُدّم حتى الآن هو بعض المساعدات هنا وهناك، واستمرار الوعود بإدخال عينات فحص وأجهزة تنفس وأصناف أدوية، لن تدخل غزة إلا بعد موافقة الاحتلال الأمنية والسياسية. وهو ما يُعيدنا ذلك إلى ما تقوله الأوضاع الحالية بكثافةٍ عن غزة وحصارها، الذي يستنزف أعمار أهلها ويقايضهم في شؤون عيشهم، من شربة الماء إلى اللقمة والدواء وسرير المشفى.

* لم يذكر اسم الطبيب بناءً على طلبه.