بعد عقود من الخدمة، قصص أطباء غيّبتهم الجائحة

من اليمين: الأطباء الراحلون سميح عمرو، حميد أبو عبيلة، عباس منصور، محمد الدويري، هيثم الخشمان، ومحمد الشرع. تصميم ندى جفال.

بعد عقود من الخدمة، قصص أطباء غيّبتهم الجائحة

الخميس 05 تشرين الثاني 2020

بعد حوالي ستة أشهر على دخول جائحة كورونا الأردن، بدأت أرقام الإصابات ترتفع بشكل مضطّرد، حتى وصلت خلال الأيّام الماضية إلى نسب قياسية، خاصة عند النظر إلى نسب نتائج الفحوصات الإيجابية مقارنة بأعداد الفحوصات التي تجرى بشكل يومي. وفي الوقت نفسه ارتفعت أعداد الوفيات حتى تجاوزت مساء الأمس الـ900 وفاة. 

وفي الصفوف الأولى للتعامل مع الجائحة، تقف الكوادر الصحية بمختلف مسمّياتها الوظيفية، ما يجعلها أكثر عرضةً للإصابة بالفيروس. خلال الأيّام القليلة الماضية، خسر المجتمع الأردني عددًا من الأطباء، متأثرين بإصابتهم بفيروس كورونا المستجد.

هذه الوفيات المتتالية، وارتفاع أعداد الإصابات بين الكوادر الصحية، رفعت الأصوات المنتقدة لأداء وزارة الصحة خصوصًا، والحكومتين الحالية والسابقة عمومًا، إزاء توفير الحماية التي تحتاجها الطواقم الطبية. وعبر منصّات مختلفة، تحدّثت طواقم طبية ونقابية عن نقص حادٍ في وسائل الحماية الموفّرة للطواقم في المستشفيات، وعن نقص كبير في أعداد الكوادر الصحية، وهي مشكلة سابقةٌ على الجائحة، لكن تزايد أعداد المصابين خلال الفترة الماضية فاقمها، وأدى إلى اضطرار هذه الطواقم للعمل ساعات طويلة، يشكو البعض أنها كانت سببًا في ارتفاع أعداد المصابين بين صفوفهم.

يروي هذا التقرير الذي عمل عليه عددٌ من الصحفيين والصحفيات، سِيَر عددٍ من الأطباء الشهداء الذين ارتقوا في الأسابيع الماضية. محاولًا رواية جزء من قصصهم، إذ كانوا آباء وأبناء، بعضهم علّم في الجامعات وخرّج أفواجًا من الأطباء، وبعضهم أسّس أقسامًا طبية ستظلّ تذكّر بهم من جاء بعدهم. يتذكر زملاؤهم البعض منهم كأبناء حرّاثين، فيما يتذكرون آخرين كمعالجين للفقراء من المرضى بالمجان حتى أيّام قبل وفاتهم. ولا زالت عائلة أحدهم على الأقل مدينة للمستشفى الذي توفي فيه بآلاف الدنانير. 

هيثم الخشمان: «كل حياته يتعلم ويداوي»
حارث الطوس

صباح يوم الجمعة الماضي، 30 تشرين الأول، رحل طبيب الصدرية، الدكتور هيثم الخشمان (58 عامًا)، بعد أسبوعين قضاهما مريضًا على أسرّة العزل في الخدمات الطبية الملكية، إثر إصابته بفيروس كورونا المستجد، وبعد 40 عامًا قضاها بين كتب الطب وقصص المرضى.

يستذكر الحاج مصطفى الخشمان، والد هيثم، طفولة ابنه الأول الذي أبصر النور عام 1962. فيقول إنه كان طالبًا بارزًا في مدارس الشوبك جنوب الأردن. وكان منذ صغره يطمح لأن يصير طبيبًا، «من وإحنا صغار كانوا ينادوه الدكتور هيثم»، يقول ابن عمّه إبراهيم الخشمان. ويروي أبو هيثم أنه بعد تفوّق ولده في الثانوية العامة تحصّل على المرتبة الأولى على محافظة معان، ليدرس الطب في الجامعة المستنصرية في العراق.

بعد تخرّجه عام 1986 عاد الخشمان إلى الأردن، وأتمّ عام الامتياز في مستشفى الجامعة الأردنية، وبعدها أمضى برنامج الإقامة في المدينة الطبية. ثم التحق بالخدمات الطبية الملكية، «دخل ملازم ثاني بأسبقية سنتين»، يقول شقيقه طارق. ويروي الوالد أن رئيس قسم الصدرية في الخدمات الطبية وقتها، الطبيب مناف حجازي، قد أعجب باجتهاد الخشمان، «شافه وتبناه (..) قلّه أنا بدي إياك صدرية». خلال تلك الفترة تزوج الخشمان وأنجب لمى (28 عامًا) ودانا (26 عامًا).

«أول أسبوع ما بلّغ حد، عشان ما نقلق عليه، بعدها دخل كان تعبان وحس إنه ما رح يقدر يكمل مشوار علاجه لحاله (..). الوضع كان سيء والفيروس منتشر».

رافق الطبيب سليمان المومني، استشاري أمراض الصدر في مستشفى الملك عبد الله المؤسس، الخشمان في عدد من محطات حياته؛ بدايةً من إشراف الأخير عليه خلال برنامج الإقامة، ولاحقًا مزاملته في جمعية أطباء الصدر الأردنية والمجلس الطبي الأردني. وكان الخشمان مسؤولًا عن اللجنة العلمية لامتحانات أطباء الصدرية في المجلس الطبي الأعلى، فكان يتكفّل بتحضير الأسئلة وتنقيحها بما يليق بتقييم أطباء سيكونون مسؤولين يومًا ما عن أرواح مرضاهم، يقول المومني.

خلال ترؤسه لقسم أمراض الصدر في المدينة الطبية، انتقل القسم نقلةً نوعية، من خلال عمله على تطويره وتأهيله كما يجب، بحسب اطلاع الدكتور معين الشريف، الخبير في القطاع الدوائي. ويصف المومني النقلة التي لاحظها، فيقول: «أنا كنت في الخدمات قبل عام 1999، لمّا رجعت من أمريكا كنا نعمل الامتحانات في المدينة الطبية ولاحظنا تطور كبير بالقسم». وبشكل أساسي طال التطوير، بحسب المومني، فصل قسم الصدرية عن غيره من الأقسام، وزيادة قدرته على عمل فحوصات وظائف الرئة والتنظير، وتحسين مختبر النوم. 

مع عام 2014، تقدّم الخشمان بطلب تقاعد من الخدمات الطبية، وافتتح عيادته الخاصة في جبل عمّان، «فكّر إنه الحياة المدنية أسهل (..) اكتشف إنه مسؤولياتها أكثر»، يقول والده. 

خلال فترة عمله كطبيب عُرِف عن الخشمان علاقته الطيبة بمرضاه، ومراعاته أحوالهم. ويروي المومني أنه حين كان يشعر أن المرضى من الصعب عليهم الوصول لعيادته في عمان، كان «يحكيلهم روحوا على سليمان في الملك المؤسس» ليقدم لهم المساعدة اللازمة. كما يروي عنه أنه وحتى قبل أيّام قليلة من وفاته استمرّ بالتواصل مع مرضاه ومتابعة أوضاعهم الصحية.

مع بداية جائحة كورونا في البلاد آذار الماضي، قرّر الراحل تقنين زياراته لأهله في الشوبك حرصًا عليهم، وليتفرّغ لتقديم ما يمكن تقديمه كطبيب مختص وعضو مساند للجنة الأوبئة يقدم لها المشورة. «أنا من شهر ثلاث ما شفته غير مرتين وبالعيادة كانوا»، يوضّح شقيقه طارق الخشمان.

قبل ثلاثة أسابيع، بدأت أعراض الإصابة بفيروس كورونا بالظهور على الطبيب وزوجته. يقول والده إن ابنه قام على رعاية زوجته في المنزل بما يتوفر من تجهيزات إلى أن شُفيَت، وحينما استشعر أنه لم يعد بإمكانه الاستمرار في علاج نفسه، ذهب إلى المدينة الطبية. «أول أسبوع ما بلّغ حد، عشان ما نقلق عليه، بعدها دخل كان تعبان وحس إنه ما رح يقدر يكمل مشوار علاجه لحاله (..). الوضع كان سيء والفيروس منتشر». بعد أسبوعين من مكوثه في المستشفى كانت بوادر التحسن تظهر عليه، إلّا أنه مع مساء الخميس ساءت حالته إلى أن توفي صباح يوم الجمعة. 

«حقيقةً ما استراح. كل حياته محطات علمية وطبية (..) يتعلم ويداوي ويعالج خدمةً لهالإنسانية»، يختتم أبو هيثم.

محمد الدويري: ابن الحراثين الذي خطفته كورونا
عمّار الشقيري

لم يعش الطبيب محمد عبد المنعم الدويري المولود عام 1949 في بلدته كتم، الواقعة في محافظة إربد، غير سنوات قليلة؛ إذ انتقل به الأب الذي كان منتسبًا للقوّات المسلّحة إلى الزرقاء لقربها من معسكرات الجيش، بداية خمسينيات القرن الماضي. 

بعد إنهائه المرحلة الثانوية، درس الطب في إيطاليا في جامعة ميلان عام 1979، ثم أكمل اختصاص أمراض الدمّ من جامعة سابنزا في العاصمة الإيطالية روما عام 1983، ثم في اختصاص الباطني من جامعة مودينا 1984، ليعود بعدها بسنتين إلى الأردنّ، ويلتحق بوزارة الصحة طبيبًا. يروي ابنه معتز أن أول عمل له كان «بمركز صحي القطرانة، ثم رميمين، ومنها انتقل إلى مستشفى البشير».

مع بداية التسعينيات عمل الدويري بقسم أمراض الدم في مستشفى البشير، ثم ترأس القسم بالإضافة إلى عمله كطبيب أورام. وفقًا لزميله في تلك الفترة، الطبيب حيدر البستنجي، فإن الدويري كان من القلّة التي تحمل هذا التخصص في التسعينيات، ولهذا فقد درّب مجموعة كبيرة من الأطباء ونقل خبرته لهم.

يقول البستنجي إنَّ الدويري كان يطمح لأن يكون في الأردنّ مركزٌ متخصصٌ لعلاج الأورام، خاصة وأنه شهد معاناة المرضى في تلك الفترة وأقام معهم علاقات وديّة، «كان يحفظهم بالاسم، ويتعامل مع الجميع كأنهم أفراد عائلته».

في تلك الفترة ساهم الدويري إلى جانب عدّة أطباء للدفع بأن يكون فحص الثلاسيميا شرطًا للمقبلين على الزواج، كما يقول الطبيب عبد الله العبادي، رئيس جمعية أطباء أمراض الدم، الجمعيّة التي شارك الدويري في تأسيسها عام 2008.

عمل الدويري في مستشفى الجامعة الأردنيّة بدوام جزئيّ، ومن ثم في مركز الحسين للسرطان. وعمل في إحدى مستشفيات المملكة العربيّة السعوديّة لسنة واحدة قبل أن يقرّر العودة إلى الأردنّ ويفتح عيادةً خاصّة في عمّان عام 2015.

فجر الخميس، الساعة الثالثة و20 دقيقة صباحًا، توفي الدويري تاركًا خلفه فاتورة علاجه في المستشفى، وقد تجاوزت 20 ألف دينار.

لم يسر العمل على ما يرام في العيادة، كما يقول ابنه معتزّ، إذ كان يدفع إيجار العيادة دون أن يأتيه المرضى، وكان يدفع لمن لا يستطيع الوصول له تكلفة النقل، ويكشف عليه دون مقابل. ثم تطوّر الأمر وصار يعلن عن تقديم خدمة الكشف على المرضى بالمجّان، ويردّد في حواراته عن عمل العيادة، «إحنا ولاد الحراثين ما بنعرف نشتغل إلّا بالحكومة، بنعرفش نتعامل بالمصاري».

واصل الدويري نشر إعلانات مساعدة المرضى بالمجان عبر حساب عيادته على فيسبوك. ومع دخول جائحة كورونا أعلن مرّة أخرى، «نظرًا للظروف الطارئة مع جائحة كورونا، تستقبل العيادة مرضى الدم مجانًا دون كشفية، ولا أيّ التزام من طرف المريض».

بموازاة ذلك واصل عمله في متابعة المرضى المؤمّنين عنده في مستشفيات خيرية وأخرى خاصة صغيرة. «الكشفية كان تيجيه ست ليرات، وزيارة المستشفى هاي بعد سنة تنزلّه مصاريها»، يقول معتز، ويضيف أن والده على الأغلب قد التقط الفيروس أثناء زياراته للمستشفيات. شعر الدويري يوم 15 تشرين أول الماضي، بحرارة وتعب جسديّ وإسهال، فعزل نفسه في البيت. لكن بعدها ساءت حالته، فنقلته العائلة لإحدى المستشفيات الخاصة، وكانت نسبة الأكسجين في دمه ما بين 30-40% وفقًا لابنه معتز.

بقي الدويري في المستشفى عدة أيّام، وانهالت الاتصالات من الأطباء للاطمئنان عليه. وفي فجر الخميس، الساعة الثالثة و20 دقيقة صباحًا، توفي الدويري تاركًا خلفه فاتورة علاجه في المستشفى، وقد تجاوزت 20 ألف دينار، وراتبًا تقاعديًا يبلغ 600 دينار، وهو راتب يعتقد ابنه أنه محجوز عليه أصلًا، لأنه مرتبط بقرض.

سميح عمرو: حلّال للمشاكل، مقبل على الحياة
حارث الطوس

بعد تخرّجه من يوغسلافيا السابقة طبيبًا، عاد سميح عمرو (57 عامًا)، وتخصص في التخدير والعناية الحثيثة، واستمرّ في هذا التخصص إلى أن صار أخصائي تخدير وإنعاش أطفال. وقد تجاوزت خبرته في هذا المجال 34 عامًا، قضى معظمها في المستشفى الإسلامي. يصف ابنه محمد (27 عامًا) فترته الأولى في المستشفى بأنها كانت فترة تجهيز وتأهيل لوالده حتى يكون مسؤولًا عن قسم التخدير والإنعاش لفرع المستشفى في العقبة مع تأسيسه عام 1993.

من اللحظات الهامة في مسيرة والده، يروي محمد، أنه كان أول من أسعف رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل حين تعرّض لمحاولة اغتيال في عمّان عام 1997، ورافقه إلى أن نُقل إلى المدينة الطبية لاستكمال علاجه.

وخلال العدوان الإسرائيلي على غزة عامي 2008 و2009، حين أرسلت مجموعة من الطواقم الصحية الأردنية للقطاع، يروي نقيب الأطباء السابق طارق طهبوب، الذي كان موجودًا في قطاع غزة ضمن الوفد الأردني الثالث، أن عمرو كان رئيسًا للوفد الأردني الثاني الذي كان متواجدًا في مستشفى الشفاء على مدى أيام. ويصف طهبوب اضطرارهم لإجراء عمليات جراحية في ممرات المستشفى، وحاجة بعض المرضى لعمليات عديدة متتالية. «كنا جميعًا نشتغل طوارئ. كان تجلّي لطب الحروب في أسوأ صوره (..) في غزة وجود خدمات صحية معجزة فما بالك في زمن الحصار والحرب».

«المشكلة الأساسية إنه مريض قلب ونسبة الأكسجين ضعيفة (..) يوم السبت الساعة 11 ونص ربنا أخذ أمانته».

مع عودة عمرو للمستشفى الإسلامي في عمّان، كان مسؤولًا عن البرنامج التعليمي، ومشرفًا على الأطباء المقيمين. يصفه أصدقاؤه بالشخصية التي سعت لاستيعاب الجميع، حلّالًا للمشاكل، مقبلًا على الحياة لا يبخل على أحد بعلمه.

ومع دخول جائحة كورونا، توقف البرنامج التعليمي، وكذلك توقف إجراء المستشفيات للعمليات البسيطة، وفي المقابل لم تعد تجرى إلّا العمليات التي تحتاج تدخلًا طارئًا، وهو ما يعني خطورةً أكبر على الأطباء.

يروي محمد أن والده كان قد حدّثه قبل أسبوع من إصابته بوجود إصابات بين الكادر الطبي، مما رتّب ضغطًا متزايدًا على الكوادر المتبقية، وهذا اضطره للمكوث في العمل ساعات أطول من المعتاد، واتخاذ تدابير أكثر حيطةً في المنزل، فعزل نفسه في طابق منفصل، ولم يشارك عائلته طعامها طوال أسبوعين. 

مساء الأربعاء الماضي، عاد عمرو من ورديّته المعتادة متعبًا، ولسابق مرضه بالقلب، ظنّ أهله أن تعبه هذا سببه الإجهاد المعتاد. لكن مع الوقت، ازدادت حالته سوءًا، ويوم الخميس كانت الأعراض قد اشتدت عليه، ليُنقل إلى المستشفى يوم الجمعة. في الساعات الأولى لدخوله المستشفى ظهرت عليه علامات تحسن، كما يقول محمد. «كان أول مريض بجرب الدواء الجديد ريمديسيفير»، وبقيت الأمور في تحسّن حتى مساء الجمعة، حين اضطر الأطباء إلى وضعه على جهاز التنفس مخدّرًا. «المشكلة الأساسية إنه مريض قلب ونسبة الأكسجين ضعيفة (..) يوم السبت الساعة 11 ونص ربنا أخذ أمانته»، يختتم محمد. 

محمد الشرع: تطوع حتى الأشهر الأخيرة 
منار حافظ

في 28 تشرين الأول الماضي، وبعد أربعة أيّام على إصابته بفيروس كورونا، توفي في مستشفى الملك عبد الله المؤسس الطبيب محمد عبد الرحمن الشرع (62 عامًا)، دون أن يتمكن ابنه علاء (24 عامًا) الذي يدرس الطب في أوكرانيا، من رؤيته. 

يقول علاء، المتوقع تخرجه في الصيف القادم، إن والده قد أوصاه قبل يوم من وفاته، «قال لي يابا إحنا مؤمنين بقضاء الله وقدره، وحاس حالي مش رح أطول بالحياة، بس أنا بتمنى تكمل الرسالة اللي رحت عشانها وتتقي الله في عملك».

تخرّج الشرع من جامعة زغرب في كرواتيا (يوغسلافيا سابقًا) عام 1991، وعمل طبيبًا لحوالي 29 عامًا. بدأ ممارسة الطب بداية في عيادة خاصة في لواء الرويشد شرق الأردن، ثم عُيّن طبيبًا في وزارة الصحة عام 2000، والتحق بعدّة مراكز صحية في مناطق مختلفة. يقول علاء إن والده عمل على تقديم الرعاية الصحية لكل من احتاجها دون مقابل لمن لم يملك كلفة العلاج، لافتًا إلى أن نهجه في توفير الرعاية الصحية لمرضاه استمر حتى آخر أيام حياته.

وبين الأعوام 2000 و2015 عمل الشرع في عدة مراكز صحية في مناطق تابعة لمحافظة المفرق، بينها الخناصري وأم الجمال وباعج والحرش، وتسلم إدارة مركز صحي المفرق الشامل بين 2008 و2015، ولأن هذه المناطق تبعد عن بيته في حوارة أكثر من ساعة، كان يستيقظ في الخامسة صباحًا ليصل إلى مكان عمله مبكرًا. وبعدها انتقل للعمل طبيبًا في مركز صحي الرمثا الشامل، حتى تقاعده عام 2018. «كان طبيب وكان يفضل يكون طبيب ويمارس عمله عن تولي منصب إداري»، يقول ابنه.

في الأيّام الأخيرة من تشرين الأول الماضي، شعر الشرع بأعراض الإصابة بفيروس كورونا التي بدأت شبيهةً بأعراض الإنفلونزا وتطورت لضيق في التنفس، فتوجه بعدها للمستشفى، وهناك استقرت حالته الصحية حتى اليوم الأخير قبل وفاته.

لم يتوقف الطبيب محمد الشرع عن عمله حتى بعد تقاعده، واستمر بالتطوع عبر نقابة الأطباء وتوفير رعاية مجانية لكل من يتواصل معه من أبناء بلدته. وعند بدء الجائحة أصرّ الشرع رغم تقدمه في السن على المشاركة في مساندة الأطباء متطوعًا بوقته وجهده لتقديم الدعم اللازم عبر اللجان الطبية التابعة لنقابة الأطباء في إربد، في عدة مجالات من أبرزها مشاركته التطوعية مع فرق التقصي الوبائي حتى آب الماضي. ورغم خوف عائلته من انتقال العدوى إليه، كان يقول «أنا بدي أشوف أهل بلدي يمرضوا وما أقدم إشي؟». 

احتفظ الشرع دومًا، بمعداته الطبية قريبة منه، لتقديم الخدمة المجانية لكل من يحتاجها من المرضى الذين كانوا دائمي التواصل معه حتى في ساعات الليل المتأخرة، يحملها في سيارته ويتوجه لمنزل المريض. وزاد تقديمه لهذه الخدمات في فترات الحظر الشامل مستعينًا بتصريح التنقل الخاص به، كما يروي ابنه علاء.

عرف الدكتور باسم غرايبة، رئيس فرع نقابة الأطباء في إربد، الشرع لحوالي 20 عامًا، وهما أبناء بلدة واحدة، درسا التخصص ذاته ونشطا في العمل النقابي سويًا. يصف غرايبة صديقه بالسَّكوت، «قليل الشكوى» وصاحب الخلق، الذي كان يقدّم لمرضاه كل ما يستطيع، «من الأطباء اللي عنده حب يتابع مريضه شو صار معه، وكان يتابعهم في منازلهم»، يقول غرايبة. 

في الأيّام الأخيرة من شهر تشرين الأول الماضي، شعر الشرع بأعراض الإصابة بفيروس كورونا التي بدأت شبيهةً بأعراض الإنفلونزا وتطورت لضيق في التنفس، فتوجه بعدها للمستشفى، وهناك استقرت حالته الصحية حتى اليوم الأخير قبل وفاته، وطمأن  غرايبة، في آخر اتصال هاتفي بينهما، بأنه في صحة جيدة ونسبة الأكسجين ارتفعت لديه. لكن الشرع الذي كان يعاني من مرض الضغط، توفي في صباح اليوم التالي متأثرًا بإصابته بالفيروس، وقد ترك لأولاده الستة راتبا تقاعديًا لا يتجاوز 600 دينار، ومبلغًا ماليًا صغيرًا مع زوجته ليتمكن ابنه من إتمام السنة الأخيرة في دراسته. 

«بتمنى إخواني الصغار وأبناء كل الأطباء يتعاملوا معاملة أبناء شهداء الواجب ويكون إلهم مكرمة مثل أبناء المعلمين أو العسكريين»، يقول علاء. 

عباس منصور: مسيرة طبيبٍ ومعلّم
ليلى العاجيب

تعرّف عباس منصور ومحمود عودة على بعضهما في ستينيات القرن الماضي. كانا حينها يبلغان من العمر 13 عامًا، وقد جمعتهما إحدى مدارس مخيم الحسين. كان منصور تلميذًا مجتهدًا ومتفوقًا، على عكس عودة الذي كان مستواه ضعيفًا. وبحسب الأخير، فإن أساتذة المدرسة كانوا يكلّفون منصور بمهام قيادية مثل عرافة الصف والمساعدة في تصحيح أوراق الامتحانات، الأمر الذي كان يغبطه عليه. ويضيف أن منصور كان مختلفًا عن باقي زملائه، يميل للهدوء والجدية، ولألعاب مختلفة عن ألعابهم، فحين كانوا يلعبون ألعاب تعتمد على القتال والجري، كان يلعب الشطرنج، أو إحدى ألعاب التركيب والتفكيك. 

في عمر 15 عامًا، كان عليهما أن يتقدما لامتحان المترك، وهو امتحان تقييمي كان يعقد للطلبة مع نهاية المرحلة الإعدادية. حينها قرر عودة التخلي عن الدراسة، وتعلّم حرفة ما، لكن منصور لم يوافق على هذا القرار، فقام بدعوة عودة للدراسة معه في بيته. «صار يهددني بدك تدرس يعني بدك تدرس، وعرفت كيف أدرس منه (..) وضل معاي لما خلصت الامتحانات. اضرب ولا أنا ناجح».

بعد الثانوية العامة، درس منصور الطب في الجامعة الأردنية، ليتخرّج عام 1979. ثم عمل طبيبًا في مستشفى السلط، وانتقل بعدها للعمل في مستشفى البشير، ثم في مستشفى الطفيلة، الذي حصل خلال العمل فيه على شهادة البورد الأردني في الأمراض الباطنية عام 1989. ليستقر أخيرًا في العمل في مستشفى الزرقاء الحكومي الذي ظل فيه حتى وفاته.

تزوج منصور عام 1990، وأنجب أربعة أبناء، وابنة واحدة. وخلال مسيرته العملية، كان منصور أحد الأطباء الذين يدرّبون طلبة الطب في جامعة مؤتة، بحسب أكبر أبنائه الطبيب عدي. وقد أحبّه الطلبة لدرجة أنهم صاروا يتدرّبون في المستشفيات التي يعمل بها خصيصًا. 

أواخر الشهر الماضي، أصيب منصور بفيروس كورونا المستجد. وقد انتقل إليه نتيجة إصابة بعض زملائه من الأطباء والممرضين في مستشفى الزرقاء الحكومي. في البداية، شعر بحرارة تسري في جسده، زالت عنه بعدها، ثم شعر بتعب في عضلاته في اليوم التالي، بحسب ابنه الأكبر. وخلال الأيّام التالية ازدادت حالته سوءًا، وانخفضت نسبة الأكسجين في دمه، ليتم نقله إلى مستشفى الزرقاء، حيث تم تأكيد إصابته بالفيروس، ثم نقل إلى مستشفى الأمير حمزة. وهناك ظلّت حالته خطرة ولكن مستقرّة، قبل أن تسوء فجأة، عندما بدأت الأجسام المضادة بمهاجمة جهازه المناعي، ليفارق الحياة إثر ذلك عن عمر 67 عامًا.

حميد أبو عبيلة: 100 كيلومتر بحثًا عن جهاز تنفس اصطناعي
محمود الشرعان

في 21 تشرين الأول الماضي، كان الطبيب عمر على موعد مع رحلة متعبة في محاولة منه لإنقاذ والده الطبيب حميد أبو عبيلة، جراء تدهور حالته الصحية، نتيجة إصابته بفيروس كورونا المستجد، وهو على رأس عمله في عيادته الخاصة الواقعة في بلدة كفرنجة في محافظة عجلون.

الطبيب حميد (70 عامًا)، الحاصل على شهادة الطب العام والجراحة من جامعة روالبندي في باكستان عام 1983، والماجستير في الصحة العامة من جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية 1997. سبق له العمل مساعدًا لمدير صحة محافظة عجلون، وخدم في جميع المراكز الصحية بالمحافظة لـ30 عامًا.

يتحدث زميل أبو عبيلة، الطبيب تيسير عناب، مدير صحة عجلون الذي زامل حميد خلال عمله في وزارة الصحة، أنه كان يعتبر مهنة الطب «مقدسة وإنسانية»، لا يمكن التجاوز أو التعدي عليها، ولا يراها تنفصل عن حياته الخاصة، ولذا رغب بتعليم ابنه الأكبر عمر الطب أيضًا، وهو ما حدث.

بعد تقاعده من وزارة الصحة عام 2015، أسّس عيادة خاصة في كفرنجة، وخدم أبناء بلدته، إذ كان يتلقى «كشفية رمزية» من المرضى، بحسب ابنه.

وبالتوازي مع عمله طبيبًا، كان حميد فعّالًا في نقابة الأطباء، إذ شغل منصب رئيس اللجنة الفرعية لنقابة الأطباء في محافظة عجلون من عام 2013 حتى عام 2018، إضافة إلى كونه عضوًا في الهيئة الإدارية للنقابة لسنوات طويلة بدأت في عام 1989.

بعد رحلة بحث عن جهاز تنفس اصطناعي، تجاوزت 100 كيلومتر، كان الطبيب حميد أبو عبيلة يعرف مصيره، خاصة بعد قراءة التقارير الطبية وصور الأشعة، ليتوفى فجر 24 تشرين الأول الماضي.

كان مهتمًا على مدار سنوات خدمته بتوعية المواطنين وتثقيفهم صحيًا، واستمرّ هذا الأمر خلال جائحة كورونا. ووفقًا للطبيب يزن فريحات، تابع أبو عبيلة المرضى عبر الهاتف في مبادرة فردية منه، وقدّم لهم النصائح حول طرق تقوية المناعة لديهم، إضافة إلى توجيه فرع النقابة رسائل توعية للمجتمع المحلي في عجلون.

ويضيف فريحات أنه وعقب إغلاق أقسام العيادات في المستشفيات الحكومية، لم يغلق عيادته الخاصة بوجه المرضى الذين لم يجدوا حلًا غير «الدكتور حميد»، مصرًّا على استمرار عمله، وتقديم الرعاية الصحية اللازمة للمراجعين، رغم النصائح التي وجهت له بضرورة الإغلاق خشية إصابته.

أصيب الطبيب حميد منتصف شهر تشرين الأول الماضي، بفيروس كورونا دون معرفة مصدر الإصابة، رغم حرصة الدائم، حتى قبل الجائحة، على الالتزام بسبل الوقاية الشخصية. 

بدأت الأعراض تظهر عليه تباعًا، من صداع في الرأس وارتفاع في درجات الحرارة، لتتأكد إصابته بعد إجراء الفحص. وحينما شعر عمر بضرورة وضع والده على جهاز تنفس، قرر نقله إلى مستشفى الجامعة الأردنية في عمّان، «دبرت جرة أكسجين وشغلت السيارة وروحت على عمان مشان أنقذ أبوي، لأنه كان قاعد بموت قدامي لأنه بده جهاز تنفس اصطناعي»، يتحدث عمر.

رفض مستشفى الجامعة إدخال الطبيب أبو عبيلة، لأنه لا يستقبل الحالات التي تعاني من ضيق تنفس، حسبما ينقل عمر. ويوضح الدكتور إسلام مساد، مدير مستشفى الجامعة، أن المستشفى يستقبل منذ شهر حالات كورونا تعاني من ضيق تنفس، لكنه يضيف أن أسرّة العناية الحثيثة في المستشفى، التي يبلغ عددها 13، ربما كانت مشغولة بالكامل في الوقت الذي وصل فيه أبو عبيلة.

ذهب عمر بوالده إلى إحدى المستشفيات الخاصة، التي طلبت مبلغ خمسة آلاف دينار بالحساب، ليعاود نقل والده شمالًا باتجاه محافظة إربد إلى مستشفى الملك عبد الله المؤسس، ليتم إدخاله فورًا إلى العناية المركزة. وتم تركيب جهاز تنفس اصطناعي له بسبب نقص الأكسجين.

بعد رحلة بحث عن جهاز تنفس اصطناعي، تجاوزت 100 كيلومتر، كان الأب يعرف مصيره، خاصة بعد قراءة التقارير الطبية وصور الأشعة. يقول نجله «مرّات الجهل نعمة؛ لأنه كان عارف شو بصير معه وشو مصيره». فجر 24 من الشهر الماضي، كان الطبيب حميد يلفظ أنفاسه الأخيرة، لتعلن وفاته الساعة السادسة والنصف صباحًا.