تحت أطنان من التراب، ثلاثة عمال مصريين يقضون في مشروع إنشائي مخالف

الخميس 31 تشرين الأول 2019
من اليمين إلى اليسار: أحمد محمد مغازي، محمد سعيد علي، وعبد الرحمن عبد الحميد عبد الرحمن. الصور عن صفحة الجالية المصرية في الأردن على فيسبوك.

«الحق، الطمم بيقع!». كانت هذه آخر كلمات نطقها العامل المصري أحمد محمد مغازي (27 عامًا) قبل أن يفارق الحياة مع اثنين من زملائه، محمد سعيد علي، وعبد الرحمن عبد الحميد عبد الرحمن، أثناء حفر بئر ماء تابع لمشروع مبنى استثماري في منطقة بيادر وادي السير في عمّان، يوم الأحد الماضي، كما يروي ابن عمه سعيد الذي يعمل هو الآخر في الموقع نفسه.

«كنا شغالين زي كل يوم، بنعمل بير مية على الجدار المستقيم اللي فيه الطمم، والحفارة كانت شغالة قصادنا بنفس الجدار بس بعيد حوالي خمسة متر. شغالين ولقينا أحمد بنادي علينا بقول الحق الطمم بيقع»، يشرح سعيد.

كلمات أحمد كانت كفيلة بإنقاذ حياة سعيد (23 عامًا) وعامل آخر، إذ تمكنا من القفز لقربهما من الحافة العليا للحفرية، بينما قضت أطنان الأتربة على ثلاثة عمال، بحسب ما أكد مدير إدارة الإعلام والتثقيف الوقائي في المديرية العامة للدفاع المدني، إياد العمرو.

يومها استمر عمل كوادر الدفاع المدني لاستخراج الجثث الثلاث منذ ساعة إبلاغهم بالحادثة أي حوالي الساعة الثانية عشرة ظهرًا وحتى الساعة العاشرة ليلًا، لأنه لم يستعن بالجرافات حفاظًا على سلامة أجساد العمال، كما يقول العمرو لـ «حبر». 

أحمد، وهو من محافظة كفر الشيخ في مصر، رأى في الأردن مكانًا لتحقيق تطلعاته بجمع مال يكفي لزواجه، فتوجه للعمل فيه بمجال البناء عام 2014 بعد أن أنهى الخدمة الإلزامية في الجيش المصري، ومكث في الأردن نحو ثلاث سنوات، قبل أن يعود إلى بلاده ويتزوج في عام 2017. إلا أنه عاد مؤخرًا للعمل في الأردن ليوفر حياة كريمة لعائلته، بحسب قريبه.

للمفارقة، يقول سعيد، الذي دخل الأردن أول مرة للعمل عام 2015، إنه تزوج وابن عمه أحمد في الشهر ذاته، حيث رزق سعيد بطفل بينما لدى أحمد ابنة عمرها سنة ونصف السنة، وكان ينتظر بشغف العودة إلى مصر ليشهد ولادة طفله الثاني.

موقع حادثة انهيار الجدار الاستنادي في بيادر وادي السير. عن مديرية الدفاع المدني.

عادوا من الغربة في تابوت

لم يمض أربعة أشهر على زواج عبد الرحمن عبد الرحمن (25 عامًا)، وهو من محافظة الدقهلية، قبل أن يلقى حتفه في حادثة انهيار الحفرية. فهو يعمل في الأردن منذ عام 2015، وعاد مؤخرًا إلى مصر ليتزوج، ثم سافر مجددًا إلى الأردن لجمع مال يسد فيه ديون تكاليف عرسه. «كان مقرر يروّح في الشهر الحالي، وصار اللي صار»، يعلق سعيد بأسى.

يقول سعيد إنه يعمل بنظام المياومة مع أحد المهندسين منذ أربع سنوات، لكن مع شركات مختلفة. كما أنه وأصدقاءه الثلاثة الذين توفوا في الحادثة يتعاملون مع أي شخص يعرفونه يعرض عليهم عملًا، وتبلغ يومية عملهم نحو 25 دينارًا. «إنت ورزقتك، ممكن نشتغل يوم ونقعد يومين، أي حد بنعرفه بنشتغل معاه»، يقول سعيد.

بعد الحادثة وكّل أحد عمال الورشة محاميًا برفع قضية على الشركة المشغّلة، بحسب سعيد الذي أشار إلى أن الهدف من القضية المطالبة بتعويض له ولزملائه عما أصابهم من ضرر، دون أن يضيف تفاصيل أخرى. لكنه يعقب «يفيد إيه لما المغترب يروّح لأهله في تابوت؟».

المدير العام للمركز الوطني للطب الشرعي الدكتور عدنان عباس قال لـ «حبر» إن جثامين المتوفين عرضت على الطب الشرعي، وتبين أن سبب الوفاة ناجم عن «الاختناق الرضي» بسبب انهيار كميات كبيرة من الأتربة عليهم.

ولفت عباس إلى أن الجثامين سلمت لمندوب السفارة المصرية إذ نقلت إلى مصر ودفنوا هناك.

وتواصلت «حبر» مع السفارة المصرية للحصول على تعليق، دون رد.

الحسيني القليعي عامل مصري في ورشة بناء في الشارع المقابل للورشة التي وقع فيها الحادث، يروي لـ«حبر» ما تناقله العاملون الشاهدون على الحادثة: «كان الشباب بيشتغلوا في الجدار بجانب الطمم، يوم السبت الأمانة خالفت [المشروع]، وبعدها بيوم التراب وقع عليهم».

وتصنف المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي العاملين في مجال البناء بأنهم ضمن عمال المهن الخطرة.

وزارة العمل قالت على لسان الناطق باسمها محمد الخطيب إن مديرية الصحة والسلامة المهنية في الوزارة تنسق مع الجهات المختصة للخروج قريبًا بتقرير حول سلامة بيئة العمل في المشروع الذي وقع فيه الحادث، كما تنسق الوزارة مع مؤسسة الضمان الاجتماعي من أجل حقوق العمال المتوفين.

الناطق الرسمي باسم مؤسسة الضمان الاجتماعي، موسى الصبيحي، أوضح أنه في حال كان العمال الثلاثة ملتزمين بالعمل لدى أي جهة (شركة) فإنهم يستحقون تعويضًا حتى وإن كانوا عمال مياومة لوفاتهم بسبب إصابة عمل.

وأضاف أنه وفق الحالة المذكورة إذا لم يكن العمال مسجلين في الضمان الاجتماعي يلزم أصحاب العمل بشمولهم بأثر رجعي اعتبارًا من تاريخ التحاقهم بالعمل، وبحسب راتبه، الذي يجب ألا يقل عن الحد الأدنى للأجور، يعوض براتب شهري قيمته تتجاوز 75% من راتبه الأساسي.

وتتحقق مؤسسة الضمان الاجتماعي في الوقت الراهن من أوضاع العمال الثلاثة لإقرار منحهم التعويض في حال تبين تطابق الشرط المذكور عليهم، بحسب الصبيحي.

لكن صحيفة اليوم السابع المصرية نقلت عن وزارة الهجرة في بلادها أنه تبين بعد التواصل مع السفارة المصرية في عمّان أن المتوفين «من العمالة البسيطة غير المؤمن عليها».

«سداد ديون»

بعد زواج العامل المصري محمد سعيد علي (28 عامًا) في 2013، قرر العمل في الأردن بأعمال البناء التي كان يجيدها في مصر، كما يقول سعيد الذي التقاه في الأردن عام 2015. 

محمد، ابن محافظة الشرقية، رُزق بابنتين تعيشان مع زوجته مصر، وهو يعمل في الأردن لأجلهم ولسداد ديون ترتبت عليه بعد زواجه، كما هو حال عبد الرحمن، يضيف سعيد.

يرى سعيد أن الثلاثة المتوفين هم بمثابة إخوته، ويقول إنه هو الآخر جاء للعمل في الأردن بهدف كسب رزقه وتحسين وضع أسرته.

بعد الحادثة، أوقف مدعي عام غرب عمّان أربعة أشخاص إثر حادثة الانهيار في منطقة بيادر وادي السير قرب الدوار الثامن بتهمة التسبب بوفاة العمال الثلاثة، ووجهت التهم لمقاول ومهندس وحفار وصاحب المشروع، بحسب ما نقلت وسائل إعلام عن مصادر قضائية.

ويعاقب من «سبّب موت أحد عن إهمال أو قلة احتراز أو عن عدم مراعاة القوانين والأنظمة (..) بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات»، بموجب المادة 343 من قانون العقوبات الأردني. 

وقالت نقابة المهندسين الأردنيين في بيان بعد وقوع الحادثة إن المشروع الذي شهد انهيارًا «نفذ دون الالتزام بتوصيات تقرير استطلاع الموقع الذي أجرته النقابة، ومنها عمل نظام حماية لجوانب الحفر حسب ما هو موصى به في تقرير التربة».

وأضافت النقابة أنه من الضروري «تحقيق عنصر السلامة العامة والتنفيذ السليم لمشاريع الأعمال الهندسية التي تحرص النقابة على توفيرها بصورة دائمة، تقيدًا بقانون البناء الوطني»، لافتة إلى أن «الموسم المطري يتطلب اتخاذ تدابير احترازية فيما يتعلق بالأعمال الإنشائية وخاصة تأثير الأمطار على الحفريات وضمان تحقيق متطلبات السلامة».

كما قالت النقابة إنها «ستقوم بتكثيف الكشوفات على المشاريع قيد الإنشاء واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين».

يوضح المهندس بشار الطراونة، عضو مجلس نقابة المهندسين، لـ«حبر» أن النقابة تتحقق بشكل دوري من وجود كادر إشراف هندسي في المشاريع كافة.

وأضاف أن النقابة خاطبت أمانة عمان الكبرى، لأنها المختصة بمخاطبة الحاكم الإداري واتخاذ إجراء بوقف العمل في المشروع، «لكن للأسف الأمانة لم توقف المشروع»، يقول الطراونة.

الناطق باسم أمانة عمّان، ناصر الرحامنة، قال إن البناء مرخص لدى الأمانة، وقُدمت التصريحات اللازمة لأعمال المشروع إلكترونيًا، بوجود ربط بين نقابتي المهندسين والمقاولين. إلا أن الأمانة وجهت مخالفة أولى للمشروع في 10 تشرين الأول 2019، ومخالفة ثانية في 26 تشرين الأول، أي قبل يوم من الحادث، لعدم التزامهم بأسس السلامة العامة. 

الإنذار الأول والثاني بحسب الرحامنة سببهما توقع حدوث انهيار في الحفرية يعود لطبيعة التربة الحمراء وعدم تدعيمها.

مدير دائرة الإعمار في الأمانة، يوسف الدلابيح، يقول إن الأمانة نبّهت في المرة الأولى على وجود خطورة على السلامة العامة لعدم تدعيم الحفرية حسب نوع التربة، ولم يسعفها الوقت في المرة الثانية حيث وُجه التنبيه يوم السبت الساعة السابعة مساء.

في صباح اليوم التالي، توجه مراقب الإعمار في الأمانة لموقع المشروع وصوّره قبل الانهيار بهدف مخاطبة الحاكم الإداري واتخاذ إجراء فوري بوقف العمل في المشروع تحقيقًا للسلامة العامة، لكن وقعت الحادثة بعدها بساعات قليلة، يعقب الدلابيح.

كان من المفترض تدعيم الحفرية حسب نوع التربة، يوضح الدلابيح، الذي لفت إلى أن بعض القائمين على إنشاء المشاريع يتجاهلون هذه الخطوة بسبب كلفتها وحاجتها لعدد من المختصين.

ويطالب نقيب المقاولين الأردنيين، أحمد اليعقوب، بتفعيل نظام لقانون البناء الوطني تغلَّظ فيه العقوبة على المخالفين، سواء كانوا من مالكي المشروع أو المهندسين أو المقاولين.

ويقول اليعقوب: «لا أعتقد أن كل المبالغ المالية التي قد تمنح لمقاول مختص ولضمان اتخاذ إجراءات السلامة العامة تساوي حياة إنسان».