«بدنا نعيش»: عامل يتوفى بعد سقوطه في «منهل»

الأحد 15 كانون الأول 2019
صورة للعامل المتوفى، طارق زياد.

«كل يوم بنموت. ما في حل، بدنا نشتغل». هذه الجملة التي كان طارق (26 عامًا) يردّدها مرارًا على مسامع والده قبل أن يتوفى إثر حادث عمل نجم عن تنظيفه حفرة لخط تصريف صحي «منهل» في الزرقاء، وهي مهنة عمل فيها لعام تقريبًا.

بحسب تقرير للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بلغ عدد إصابات العمل العام الماضي حوالي 18 ألف إصابة بينها 280 حالة وفاة. وفي العام 2019، وبحسب الناطق باسم الضمان الاجتماعي موسى الصبيحي بلغ عدد إصابات العمل حوالي 11 ألف إصابة.

يشرح والد طارق، زياد (50 عامًا) ما حدث قبل أيام من وفاة ابنه في السابع من هذا الشهر، مستشهدًا برواية زملائه في العمل: «طارق كان يشتغل تحت إمرة مقاول بيشتغل مع شركة مياهنا، طبيعة عمله بينزل عالمناهل لينظفها، بربطوه بحبل وبنزّلوه. لما يكون في خطر بنادي ارفعوني حتى يرفعوه بالحبل، يومها لمّا رفعوه طلع مغيب، حط إيديه عالمنهل فكروا صاحي فلتوا الحبل وقع لتحت، نزل رفيقه يطلّعه غمي، نزل الثالث غمي من شدة الروائح الكريهة، جابوا الدفاع المدني طلعهم».

وبحسب إياد العمرو، الناطق باسم مديرية الدفاع المدني، فإن حفرة «المنهل» التي بلغ عمقها ستة أمتار كانت فارغة من أي سوائل، لكنها كانت محصورة لا يتوفر فيها أوكسجين وفيها غازات أدّت للإصابات.

«ما بلبسوهم كمامات ولا كفوف إيدين، والحبل شلون بيفلت؟»، يتساءل والد طارق، متحسّرًا على ابنه الذي خلّف وراءه طفلتين واحدة عمرها ثلاث سنوات، والأخرى لم تتمّ العام، رزق بهما في مخيم الزعتري حيث عاش منذ عام 2013، حين لجأ إلى الأردن من درعا في سوريا.

يقول مدير مركز الطب الشرعي لإقليم الشمال الدكتور علي شوتر إن وفاة طارق بحسب النتائج الأولية تعود لالتهاب رئوي حاد سببه «مضاعفات السقوط في حفرة امتصاصية فيها غازات».

مهن خطرة دون ضمان اجتماعي أو تأمين

يعمل عبد الله الشواهنة متطوّعًا في مخيم الزعتري، وقد صادف طارق قبل شهر. حينها، وبحسب الشواهنة، فإن طارق قد أخبره عن معاناته في العمل، وإنه يتلقّى أجرًا يوميًا لا يتجاوز 15 دينارًا في اليوم، رغم المخاطر. وبحسب الشواهنة فإنه قد قال له: «إحنا ما بسلّمونا إلّا خوذة. بنزلونا مرّات على عمق 4 و5 أمتار، وفي غازات كثيرة بنموت من الريحة».

يقول والد طارق لـ«حبر» إن ابنه لم يكن يمتلك ضمانًا اجتماعيًا أو تأمينًا صحيًا عن عمله الذي تقاضى عليه أجرًا تراوح بين 12-15 دينارًا في اليوم. ويواصل شارحًا سبب لجوء ابنه لهذا العمل: «شو الحل بدنا نعيش».

مرعي قطيشات (65 عامًا) زميل طارق في المهنة، وقد عملا سويًا يوم الحادثة لتنظيف ذات الحفرة، وحاول المساعدة في إنقاذه إلا أنه أخفق بسبب الروائح الكريهة التي أدت لفقدانه الوعي. يقول واصفًا ظروف العمل: «بسلّمونا كفوف وأواعي وخوذة وكمامات ورق ما بتحمي، لإنه هاي غازات سامة مخيفة». ويضيف عارضًا مطالبه وزملاء عمله، خاصة بعد وفاة زميلهم طارق: «ناقصنا اسطوانات أوكسجين. أنا شفتهم مع الدفاع المدني حوالي 50 سم صغار. بكل أريحية الواحد بحطها على ظهره وبنزل. إذا انوجدت بتروح الخطورة، وتصليح السلالم الحديد في المناهل».

ويتابع قائلًا: «والله لولا الحاجة ما بداوم، لو بعطوني 50 دينار في اليوم أقسم بالله العظيم، يوميتي من 12-15 دينار، بنداوم كل يوم 8 ساعات بالشفت، وبداوم شفت ثاني إضافي عالساعة دينار، بدون تأمين وبدون ضمان اجتماعي».

يقول الصبيحي إن عدم شمول العامل بالضمان الاجتماعي يعتبر تهربًا، ولا بد من إبلاغ مؤسسة الضمان الاجتماعي لإلزام صاحب العمل بشمول العامل بأثر رجعي، وفي حال وفاة العامل يخصص راتب الوفاة لورثته.

ويوضح هيثم النجداوي مدير مديرية السلامة والصحة المهنية في وزارة العمل إن قانون العمل حدد صفة العامل وصفة صاحب العمل والتبعية بين الطرفين، وفي حال استمر العامل في وظيفته لأكثر من 15 يومًا مستمرة فإنه يخضع لقانون الضمان الاجتماعي حتى وإن تقاضى أجرة يومية وعلى صاحب العمل الالتزام بتسجيله في مؤسسة الضمان الاجتماعي. أمّا في حال ثبت عدم خضوع العامل لقانون الضمان الاجتماعي، حينها يُطبّق عليه الفصل العاشر من قانون العمل الذي حدد الحقوق العمالية للعامل في حال الإصابة.

حمادة أبو نجمة رئيس مركز بيت العمال وأمين عام وزارة العمل سابقًا، يقول إن قانون العمل ينطبق على صاحب العمل سواء كان شركةً أم مقاولًا يعمل لشركة أو لحسابه الخاص وحتى إن كانت الشركة أو المقاول غير مسجلٍ بشكل رسمي.

ويلفت أبو نجمة إلى أن شروط الصحة والسلامة المهنية أمر واضح في القانون وتعليماته وصاحب العمل ملزم بها للوقاية من أخطار العمل بكافة أشكالها من أدوات العمل وبيئته ووجود غازات أو معدات ثقيلة، كما أن هناك عقوبات صارمة تصل إلى إغلاق المؤسسة «إذا كانت مؤسسة طبعًا، وإذا كان فردًا هناك عقوبات وغرامات ويتحمل أيضًا التعويضات اللازمة عن الإصابة أو عن الوفاة إذا حصلت».

عائلةٌ تبحث عن حق ابنها

تتساءل عائلة طارق عن المسؤول عن فقدان ابنها لحياته، في وقت تقول فيه شركة مياهنا إن العامل المتوفى كان يعمل لحساب المقاول سعيد أيوب بينما يرد المقاول بأن شروط العمل بينه وبين الشركة هي تزويدهم بعمال على أن لا يقوموا بتنظيف «المناهل».

تلخص شركة مياهنا المسؤولة عن تقديم خدمات المياه والصرف الصحي لعمّان والزرقاء ومادبا الحادثة في ردها على أسئلة «حبر» «بتعرض ثلاثة عمال لاستنشاق غازات من داخل مناهل الصرف الصحي، اثنان منهم تابعان للمقاول، تم إسعافهم من قبل الدفاع المدني ونقلهم لأقرب مستشفى واتخاذ الإجراءات الطبية اللازمة وإخراجهم، وبعد عدة أيام توفي أحدهم ولا توجد لدى الشركة أية معلومات دقيقة وتفصيلية حول أسباب الوفاة».

وتضيف الشركة «يوجد تعليمات ناظمة ومعمول بها داخل الشركة منذ تأسيسها وتتضمن ضرورة استخدام معدات وأجهزة وأدوات السلامة العامة والوقاية الشخصية أثناء العمل، وجميع أقسام الشركة مزودة بمعدات السلامة اللازمة لإنجاز الأعمال وبما يضمن سلامة العاملين».

وتقول «تنحصر رقابة الشركة على المقاول بالعمل وفق تعليمات الشركة وأية مخالفة يرتكبها المقاول يتم اعتماد الإجراءات التعاقدية المنصوص عليها في العقد المبرم بين الشركة والمقاول».

في المقابل، يرد المقاول سعيد أيوب بالقول إن العقد المبرم بين مؤسسته التي تحمل اسمه وشركة مياهنا تنص على ضرورة عدم تعريض الأخيرة أي عامل للخطر، وبحسبه فإن موظفا من شركة مياهنا طلب من العمّال تنظيف الحفرة «المنهل» في ظل غياب أيوب.

ويلفت أيوب «إحنا مش شغلتنا ننزل على مناهل. إحنا بنوصللهم عمال حفر وتعشيب مش شغل مناهل». ويضيف متسائلًا إنه حتى لو كان التعاقد على العمل في المناهل، أليس من واجب الشركة «تأمنله السلامة العامة وتعطيه أوكسجين؟».

فيما قالت شركة مياهنا إنه «يوجد عطاء جارٍ لاستئجار عمّال من خلال إحدى الشركات وتمت الإحالة عليها حسب نظام العطاءات المعمول به في الشركة، وهذه الشركة مسؤولة عن تأمين العمّال للعمل في مواقع شركة مياهنا حسب الطلب، ويتم محاسبة المقاول حسب سعر العطاء بناء على عدد العمال وساعات العمل».

يشرح أيوب آلية توظيفه لطارق حيث عمل في عهده مدة لا تزيد عن 15 يومًا ثم وقعت الحادثة، كما يقول. «مياهنا بيعرفوا طارق. كان شغال مع المتعهد السابق ولما انتهى عقده قالولي في موظف شاطر بيشتغل معنا دلوني عليه، هو زلمة بيشتغل بيتسبب مع أي انسان». 

وترى رئيسة جمعية تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان ليندا كلش أن المسؤولية المباشرة تقع على المشغل، ولكن هذا لا يعفي شركة مياهنا ووزارة العمل من التحقق من أدوات السلامة الموفرة للعمال، بحسبها.

وتضيف كلش إن أي اتفاقية لتشغيل عمّال يجب أن تحمل شروطًا تضمن حقوقهم من بينها أدوات السلامة والصحة المهنية والأجور وساعات العمل، كما يجب توفر شرط لإيقافها في حال عدم احترام حقوق العمل.

الناطق باسم مديرية الأمن العام عامر سرطاوي قال إن قضية طارق منظورة لدى المدعي العام المختص، دون أن يعطي المزيد من التفاصيل.